الإدارة الستراتيجية للجامعات – مداخل وتطبيقات – مقالات – احمد عبد المجيد

دعوة وزارة التعليم إلى الإفادة من الخبرات

الإدارة الستراتيجية للجامعات – مداخل وتطبيقات – مقالات – احمد عبد المجيد

يحتاج كل قطاع من القطاعات الى تجديد في الخطط والستراتيجيات، ويقف التعليم العالي على رأس تلك القطاعات التي تتسارع فيها وتيرة الانجاز يوماً بعد يوم في خضم سباق على المخرجات وسوق العمل والمعرفة.

واذا نظرنا الى التحديات التي يواجهها قطاع التعليم في العالم الثالث، بشكل عام والعراق بشكل خاص، أدركنا حجم المسؤولية التي تقع على عاتق الادارات الجامعية بوصفها ركيزة قياس على قوة نجاح خطط التعليم وقدرته على الاستجابة للحاجات المادية والعلمية في البلاد.

ومنذ سنوات بعيدة يعمل خبراء الادارة الاستراتيجية على وضع مداخل فلسفة معززة بتطبيقات وتجارب من أجل تحقيق مستويات كفاءة تنهض باحتياجات البلدان وتدفعها اشواطاً نحو التقدم. وتتقدم المشكلات المتعلقة بالمخرجات البشرية والمادية والمداخلات ذات العلاقة، على ما عداها برغم انبثاق معضلات يومية لا  غنى عن تلمس تأثيراتها ومعالجتها بتدابير فورية احياناً وبعيدة المدى احياناً أخرى.

ان قطاع التعليم العالي في العراق يشهد اتساعاً أفقياً ينطوي على مخاطر مستقبلية، فمعظم الذين يقبلون في تخصصات علمية أو مهنية اثبتوا عدم أهليتهم عند تخرجهم في الجامعة في الاقسام التي يمضون فيها سنوات الدراسة المقررة.

ومعظم الذين يحصلون على معدلات عالية في الدراسة الثانوية يفشلون في تحقيق معدلات مماثلة أو مقبولة نسبياً عند تجاوز التخرج، بل ان بعضهم يتلكأ في الدراسة أو يمضي متجاوزاً المدة الدراسية المطلوبة للتخرج. انه فشل لا يتحمله الطالب حسب، بل تشترك في مسؤوليته جملة من العوامل. فهناك شكوى من البيروقراطية بمفهومها السلبي المعوق، وهناك تفاوت في مستويات التدريسيين لاسيما من حيث الاهتمام بالمهارات وملاحقة المستجدات المعرفية والتقنية.وهناك تخبط يؤثر في تفكير الطالب ويدفعه الى فقدان القدرة على قراءة مستقبله. وهناك تركيز مبالغ فيه جداً فيما يتعلق بالمفردات النظرية على حساب القيمة أو الحصيلة التي يوفرها التدريب والتي تجعل الطالب بعد التخرج قادراً على شق طريقة نحو أحد منافذ سوق العمل.

أصحاب الخبرة

ومع تراكم هذه السلبيات، يصبح من المفيد جداً قيام اصحاب الخبرة في التعليم العالي بعرض تجاربهم أو تقديم رؤاهم في مؤلفات جديدة.

ولعل من بين أهم ما جادت به تلك التجارب الشخصية في هذا القطاع، كتاب صدر حديثاً عن دار الايام الأردنية بعنوان (الادارة الستراتيجية للجامعات) للدكتور همام عبد الخالق عبد الغفور والدكتور محمد عبد الوهاب العزاوي.

ويعد الأول حجة في هذا المجال بحكم خبرة تراكمية معرفية، في قيادة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ناجم عن مراجعة ادارية استمرت نحو عقدين من الزمان. وبغية جعل محتوى الكتاب اكثر علمية فان المؤلفين وضعاه بين يدي ثلاثة من أبرز قادة الادارات الجامعية خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، بغية مراجعته وتدارك بعض المآخذ ان وجدت فيه.انه تواضع العلماء الذين يطمحون الى جعل مؤلفاتهم تتسم بالدقة وتتحلى بالغنى، وكذلك ادراكهم لمنزلة أصحاب الخبرة الذين سبقوهم او زاملوهم خلال مسيرتهم العلمية.

ويهدف الكتاب الى رصد آليات الادارة الستراتيجية للجامعات ومؤسسات البحث العلمي والتعليم وما رافقها من جهود في مجال التخطيط ورسم الرؤى الستراتيجية، كما يتناول بالتحليل، المتغيرات الداخلية والخارجية التي واجهتها الجامعات والتي تحكم عمليات التخطيط الاستراتيجي وادارة الانشطة العلمية والتربوية وغيرها.وميزة الكتاب انه لا يكتفي بالاهتمام بالمرتكزات النظرية للفكر الستراتيجي حسب، بل توثيق تجارب ميدانية في ادارة الجامعات ولاسيما التجربة العراقية خلال ظروف صعبة ومعقدة كظروف التنمية والحرب والحصار العلمي والتكنولوجي التي شملت قطاع التعليم العالي في العراق بعد آب 1990.

ويتناول الكتاب التجارب العلمية في مراحل التخطيط الاستراتيجي التي مر بها العراق بدءاً من البناء وانتهاء باستراتيجية وحدات الاعمال في الكليات والاقسام العلمية، وهو لا يستعرض تجارب حسب، بل يقدم نماذج في هذا المجال.يقع الكتاب في 352 صفحة من القطع الكبير ويتوزع على عشرة فصول تتألف من مباحث شتى. ويؤكد الكتاب منهج تحليل البيئتين الداخلية والخارجية وأهميتهما لتحديد رؤية ورسالة الجامعات ومؤسسات التعليم العالي فضلاً عن بناء مشاريع الجامعات والكليات غير الحكومية.

ويتصف الكتاب أيضاً بالتنوع والثراء. فهو يتناول موضوع الحوكمة والقيادة الاستراتيجية وتطبيقاتها من خلال الممارسات الميدانية، ويوثق عدداً من القوانين والأنظمة والقواعد ذات الصلة من قبيل منهج مشاركة اصحاب المصلحة وتوفير المعلومات لتمكين الجامعات من التخطيط بشكل كفوء فضلاً عن تحديد المسؤوليات والحقوق لكل طرف، كما يتناول الشفافية ومحاربة الفساد الاداري في المجتمع الاكاديمي وآليات الحد من هذه الظاهرة ومعالجتها بوصفها آفة كبرى تواجه البلاد وتهدد مستقبل التعليم العالي وتحد من دوره الطليعي في بناء مجتمعات المعرفة والاستثمار في هذا القطاع الحيوي، ويجد القارئ كثيراً مما غاب عنه أو تخطاه نتيجة الغليان السياسي والتهافت الاداري، بخصوص الاخلاقيات التي تحكم أطراف المجتمع الجامعي والبيئة المنظمة لتقاليد التدريس والعلاقة مع الطالب.

المدونات الأخلاقية

واني أحث وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على تعميم ما ورد في المبحث الثالث من الفصل الثالث في الكتاب (ص 120) بشأن المدونات الاخلاقية، وأرىء الحاجة ماسة الى تكريس مبادئ تلك المدونات بوصفها أولى خطوات استكمال وتطوير اداء الهيئات التدريسية وفهم طبيعة علاقتها بالبيئة الداخلية وعناصرها الأساسية.

وبرغم ان المؤلفين يضعان 8 أهداف يسعيان الى تحقيقها في الكتاب الا ان ثمة معطيات ونتائج تتجاوز، في ظني، هذه الأهداف، من بينها حقيقة ان التعليم الذي ينهض حالياً هو حلقة متصلة، من حيث الرؤئ المنهجية العلمية يتعين البناء فوقها واستكمال ايجابياتها والاستفادة من الممارسات غير التقليدية التي تبنتها عملية التخطيط الستراتيجي لمقاربة النماذج العالمية وبناء القدرات التنافسية التي توقف تنفيذها بعد نيسان 2003.

وبهذا الخصوص يتعين الا نفوت الفرص أو نتردد أو يواجهنا الخوف مما قد نتعرض اليه من انتقادات من بعض الأصوات أو الادارات ذات النظرة التقليدية، ان جميع دول العالم الناهضة شيدت صروح بنائها الجامعي على ركائز  من وضع اللبنات الاساسية، واذا كان التطوير ولاسيما في المناهج الدراسية، هو سنة حميدة تسير عليها الجامعات، فان الافادة من التجارب واستخلاص الفائدة منها كفيلة بجعل التخطيط الاستراتيجي يستند الى رؤئ حية وموضوعية والى تراكم معلوماتي لا غنى عنه.

وفي وقت أشيد بجهود المؤلفين لانهما قدما حصيلة ممتازة من سيرة التعليم وعرضا تجارب قيمة في مجالي التعليم الاكاديمي والتقني ومشتركاتهما، أدعو وزارة التعليم العالي ايضاً الى دراسة محتوى كتاب (الادارة الاستراتيجية للجامعات) دراسة متآنية وحث قيادات الوزارة على الافادة منه وتمكينهم من الحصول عليه بوصفه أول مؤلف معرفي كمي نوعي يصدر، خلال العام 2015.

ان ذلك من شأنه ان يسهل عملية رسم السيناريوهات المقترحة في توليد الخيارات الستراتيجية وأساليب وطرق تقويمها وتحقيق النجاحات المنتظرة منها، وهو عامل يجعل الاتساع الأفقي مقروناً بمثيل عمودي ينعكس ايجابياً على مخرجات التعليم العالي ويعوض سنوات الاهدار والتخبط التي رافقت هذا البناء الذي تتوقف عليه نجاحات بقية القطاعات.