دراسة نقدية
الأقنعة الكرنفالية في قصيدة أعبري الفرات
اعبري الفرات
لن تجدي كنعانا
أو فرعونا
ولا بغلة بالانتظار
ستشهدين معارك قابيل وهابيل
أيقني
إنها لم تنته بعد
وهيا كلا فخمة
شيدت على فمي
فاقت هيبة سليمان
لن تجدي كوثرا
ولا زمزما في المكان
لقد جفت ضلوعي
فتذوقي ماء أجاج
يا سلمى
وأؤدي صحف الكتمان
وأطلقي سراح الهدهد
وتجلي بمواسم الجفاء
واحتفلي بكرنفال
التطهر
وأقيمي عزاء الانتظار
فاني هناك
اسقي الحجيج
وامنح الأوطان
على انهار الأكمام
وأطلقي مهرجان الكومبا
قرب وجع الكرز
ولهفة البياض
إني اعتذر عن قداس
قيامة القتال
وسلطة قابيل
وبسالة أناملي
ودوران الوقت
يا سلمى
تلك حكايتي
فتركت جلبابي
خارج معابد الاعتصام
وجئتك بمحرمي
أشيد هيكلا للهدهد
ولن أعدك بزمزم يشفي
ولا بعبادة خارج الجدران
تتشابه الأساطير والأحلام والكرنفالية من حيث الابتعاد عن رقابة العقل الواعي والخروج عن حدود الزمان والمكان ، ففي الأسطورة كما في الحلم نجد الأحداث تقع خارج قيود وحدود الزمان والمكان، والبطل في الأسطورة كما هي الحال صاحب الحلم يخضع لتحولات سحرية تمثل انعكاساً لرغبات وأمان مكبوتة تنطلق عن عقالها بعيداً عن رقابة العقل الواعي الذي يمارس دور الحارس على بوابة الشعور، حيث يمتلأ كرنفال أصواتاً تنبع من روح الشخصيات التي لا تمتلك عبودية للعقل فلا وجود للممارسات القمعية في هذا العالم الاحتفالي عالم التحدي والمشاركة الإنسانية التلقائية
اعبري الفرات
لن تجدي كنعانا
أو فرعونا
ولا بغلة في الانتظار
ستشهدين معارك قابيل وهابيل
تتمثل التلقائية بكل ما تتحمل هذه الكلمة من صدق لرسم صورة واضحة المعالم عن ما يعانيه الفرد في هذا المجتمع المليء بالقيود والمدمج بالطبقيات التي تحاط بترسانات من الحواجز،ليتماهى المكان والزمان لخلق اللحظة الآنية التي يبتغيها ، فتتمازج أزمة فرعون وكنعان وقابيل وهابيل فتلد تلك اللحظة الخارجة عن إطار الزمن .
أيقني
إنها لم تنته بعد
وهيا كلا فخمة
شيدت على فمي
فاقت هيبة سليمان
لن تجدي كوثرا
ولا زمزما في المكان
الكرنفالية تلغي الفواصل بين شكل وآخر أو بين الشخص والشيء ليذوب الشخص في الجمهور والكون، يترتب على هذا الذوبان تجاوز الجسد الشخصي ليحل محله جسد النوع البشري التاريخي، فهنا ذاب شخص الشاعر في شخصية النبي سليمان التاريخية العظيمة، وهكذا يموت الجسد الفردي ليمنح الحياة والنمو لجسد الجماهير.
لقد جفت ضلوعي
فتذوقي ماء أجاج
يا سلمى
وأؤدي صحف الكتمان
وأطلقي سراح الهدهد
وتجلي بمواسم الجفاء
واحتفلي بكرنفال
التطهر
وأقيمي عزاء الانتظار
الإنسان بطبعه ميال للجمهرة والجماعات التي تهبه الثقة والمقاومة لكل إشكال الاضطهاد وتقيد الحريات ، فالإنسان رغم جهده وتعبه نراه يسعى دائماً تثبيت أقدامه في الزمان والمكان فهو يحاول تثبيت وجوده وكيانه،. عبر الشاعر عن روح الكرنفال من خلال المزج بين الأضداد وقلب الأضداد والمبالغة المادية، فكيف للمرأة أن تتذوق الماء الأجاج وهل هنالك تجلي وتألق في مواسم للجفاف وكيف يكون الاحتفال بإقامة عزاء وهل أن الانتظار من الممكن أن يقام له عزاء إنها دعوة للتحرر من القيود من خلال طرح الأضداد والمتناقضات، وتعدد الأصوات الأمر الذي يؤدي إلى ضرب المركزية وتعدد المعاني وتحولات الوعي، والتفكير بصوت عال والحلم باعين مفتوحة، إنها دعوة للثورة على الواقع وكسر السلاسل .
فاني هناك
اسقي الحجيج
وامنح الأوطان
على انهار الأكمام
وأطلقي مهرجان الكومبا
قرب وجع الكرز
ولهفة البياض
سقاية الحجيج من المقدسات التي حاول الشاعر زجها بين احتفالات الكومبا ليلتقي الأضداد في رسم صورة أراد الشاعر إخفاءها بين طيات المقدس والأوطان ، فالأوطان وانهر الاكمام دعوة لاحتضان الحبيبة بلغة أقنعة الكرنفال ، فانهر الأكمام تنهمر أكفا تمسك بالحبيبة أينما كانت ، متعدية حدود المكان وعابرة محطات الزمان، أن هذه الأقنعة تنتقل بالإنسان من الواقع الذي يتعايشه إلى عالم الحياة الكرنفالية التي تبيح له ما يريد دون أية تكلفة، إلا أن القناع الكرنفالي يختلف من حيث طبيعته ووظيفته فهو شيء يختلف عن التنكر الريفي، أنه قناع أنساني يتلاعب في المسافات التي تفصل بين الناس ويقضي على التباين بينهما فضلاً عن المناقشات التي تخلق صراعاً بين الشخصيات المتجاذبة فيما بينها لتصبح أمام المتلقي مثاراً للتساؤلات التي تمثل الصراعات الداخلية للشخصيات الناشئة من رغباتهم وأمانيهم وما يعوق تحقيقها.
إني اعتذر عن قداس
قيامة القتال
وسلطة قابيل
وبسالة أناملي
ودوران الوقت
يا سلمى
يمارس بها الفرد كل ما يحب دون أية كلفة، إلا إن هذه السلوكيات التي تنتج اصواتاً مختلفة سرعان ما تنتهي ليعود الفرد إلى سجيته وواقعه فيرضخ تحت ضغوطات العصر، فالحياة الكرنفالية هي طريق الخلاص لوضع البصمة على واقع الحياة بالرغم من تباين زمن قابيل وزمن الشاعر إلا انه أنتج وبحرفية كرنفالية سلسة صورة لدوران الوقت لتنزاح الحواجز الزمنية والمكانية فيولد الوقت الكرنفالي الذي يهب الحرية في إبداء الرأي والحركة والتغيير، حيث ينشد الشاعر ببصمته هذه زمنا جديدا حرا ، إلا إن هذه البصمة من الممكن أن تكون شراره التغيير والتجديد العالم ، فالحب الحر للأقنعة والأدوار دون المحتوى او الجوهر يمكن الأقنعة أن تمارس دورها في الخلق من حيث كونها قادرة على أحداث فاعلية التغيير في الوجود.
تلك حكايتي
فتركت جلبابي
خارج معابد الاعتصام
وجئتك بمحرمي
أشيد هيكلا للهدهد
ولن أعدك بزمزم يشفي
ولا بعبادة خارج الجدران
أن ارتداء الأقنعة من الممكن أن يبتكر لنا طريقة جديدة لتنظيم العلاقات الإنسانية، فهي طريقة وجهاً الى وجه ضد العلاقات التي تترجم التمايز الاجتماعي داخل الحياة الواقعية الاعتيادية، لتكون حكاية الشاعر قناعا تحرك من خلاله في أزقة الحرية في التعبير دون الخوف من سلطاته كيفما كانت ،أما الانفعال به فيقع في مكان وسط بين الحقيقة والتظاهر بها. أما الحياة الكرنفالية فهي تحرر الإنسان تمامً من السلطة بأي شكل من الأشكال التي تتخذ من التمايز الطبقي والمراتب المختلفة والأعمار، فضلاً عن الملكية الخاصة أداة لإنزال الظلم بالآخرين، لتكون كل هذه الأشياء داخل الكرنفالية توفيقية، والتوفيقية عبارة عن مفهوم خاص بالموقف الكرنفالي من العالم يرتبط ارتباطاً عضوياً بمفهوم الاتصال البعيد عن الكلفة،فاتصال الشاعر بمحبوبته كان بعيدا عن الكلفة فهو لم يعدها بماء زمزم للشفاء ولا عبادة في محرابها، وعلى الرغم من كل شيء فقد خلع جلبابه ورفع كل الحواجز ، وحين أتاها بمحرمه فانه في اشد حالات النقاء والعفوية التي تنشدها الكرنفالية، أن هذا المفهوم يسمح للجوانب الخفية من الطبيعة البشرية بالتكشف والظهور دون كلفة أو تردد أو حتى التفكير في عواقب الأمور.
امتازت القصيدة بالانفلات الشرعي من (اليجب ) والمقدس والقانون، ولأنها تحظى بذاكره احتفالية لما تمتلكه من طبيعة ميالة للجمهرة والفرجة والمرح، لذا فقد اتخذت من الاحتفال ملاذاً لها من تلك القوانين المفروضة، إلا أن الاحتفال في القصيدة لم يمثل بالضرورة مظاهر الفرح، فقد قدم لنا أشكالاً متباينة ومتنافرة بل وحتى متعارضة كرنفالية تبني موقفاً فاعلاً من مظاهر الحياة المختلفة بسلبيتها وقمعها يوفر اتصالا بعيداً عن الكلفة، الأمر الذي خلق صراعاً متجدداً متوالداً لمظاهر الحياة المختلفة من خلال الهروب نحو الواقع الحلمي لإزاحة كل العوائق التي تخرس الأصوات الصادقة داخل الذات الإنسانية، محركة بذلك كل ما هو ساكن،و تنشد الحركة والتغيير ورفع أصوات المطالبة بالحقوق وتجسيد الذات الإنسانية.
أمل الغزالي – بغداد























