
الأزقة الشعبية .. مصدر إلهام شعراء الأغنية
الجقماقجي يحفظ ذاكرة العراق الموسيقية
صباح الخالدي
يعد توثيق الاحداث بكل صورها احد اهم مصادر تاريخ الشعوب لكي تتطلع عليها الاجيال المقبلة على تلك الاحداث وليس فقط الجوانب المشرق وحجب الصفحات السود والشوارع الخلفية للعادات الاجتماعية التي كادت سائدة في تلك الحقب الزمنية يقول .. ابن خلدون إن (فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشد إليه الركاب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال).
ان البحث عن ما في بطون التاريخ من درر يقابلها كوارث سياسية واجتماعية واقتصادية وان تواصل التذكير به يعتمد على الكيفية التي يتناقلها العامة لتلك الحكايات والاحداث خاصة اذا لم تسلط السينما او التلفاز الضوء في تحويلها الى اعمال درامية تفضح تلك الظواهر المدانة من المجتمعات بكل طبقاتها وعصورها كما جرى في مصر اما بقية الدول العربية فان الامور بقيت حبيسة النقل الشفاهي ربما تنسى جيل بعد اخر ..ولان الذاكرة الشعبية كانت تحتفظ بالعديد من الحوادث والحكايات التي كانت تنقل شفاها مما دفع عدد من المؤلفين وكتاب الاغاني ان يستمد مادته الشعرية من تلك الاوساط بكل قصصها ورواياتها عن العديد من الظواهر لذلك لانجد غرابة أن تكون مجالس اللهو والأنس والطرب وهي وسائل إغراء جامحة في ترديد كلمات لاغاني حتى تصل الى خدش الحياة في المجتمع الذكوري منها على سبيل المثال وليس الحصر (دمبلم يابو حساوية ياابو خد احمر يابو ترجية )و(ربيتك ازغيرون حسن ليش انكرتني )و( عليش تمشي دلع وكذيلتك مايله )و (أمنين اجيب أزار للزيجه هدل )و ( بوسة من وجنتك انت او مروتك ), وغيرها العديد من تلك الاغاني التي كانت مجال انتشارها الكاسيت في المقاهي وفي سيارات الاجرة الكبيرة خاصة على الطرق الخارجية ما ان تنطلق السفرة من كراج النهضة او كراج علاوي الحلة وبعد ان يجمع سائق المركبة (الكروة ) حتى تنطلق اغاني الهجع والدلع والبوذيات والعزف على ( الخشبة )مع تلك المقدمات المضحكة لكل كاسيت الذي بيدأ من مقدم الفنان بالقول (مع المطرب الصاعد مطرب الاذاعة والتلفزيون و..و . فلان الفلاني في هذه الحفلة التي كانت بحضور صاحب مقهى فلان من ابو دودو والشاعر الغنائي عبعوب المتالق وعازف الكمان الموسيقار حنتوش ابو الويو!!) كل تلك الالقاب لمن حضر تلك الحفلة التي يصر انها بتاريخ كيت وكذا ويحدد عنوان الاستديو رغم انه دكان في سوق الهرج الا انه يصفها من ابدع الامكان الفنية ..ينطلق بعدها المطرب وسط عزف الطبلة و(الخرط )!!
تغيير جذري
فنرى ان معظم الملامح البغدادية القديمة لتلك البيئة قد تغير تغيرا جذريا وتبدل تبدلا كليا اخبار مختلف الطبقات والشخصيات عاليها وسافلها التي كانت اسماؤها وقصصها واخبارها وممارساتها التي تتردد على ألسنة الناس ..كانت (اللمبات) تنتشر في ازقة بغداد او (درابينها)التي تشبه الفوانيس أو (اللالة)،وبعد غروب الشمس يأتي اللمبجي ومعه سلّم يصعد عليه ليمسح زجاج اللمبات ويضع في خزانها الصغير نفطاً ويوقدها، وهذه كانت منتشرة في عدة أمكنة من الازقة البغدادية لتنير الدرب لمن يخرج ليلا أو يعود لداره، في وقت متأخر .وقد انشد الفنان يوسف عمر شعرا للشاعر ملا عبود الكرخي عن احد هؤلاء اللمبجية ويدعى داود تضمنت عبارات فاضحة مبتذلة في وصف مهنة دواد التي كان يمارسها في منطقة (الميدان )..ولكن رغم تلك الصور لانتشار تلك الاغاني بشعرها الذي كان معظمها يخدش الحياء كانت هناك جوانب فنية فتية انطلقت لخدمة الفن البغدادي الاصيل من بينها تلك العائلة الموصلية المعروفة التي توزعت داخل العراق بين الموصل وبغداد، لها بصمات واضحة في ترسيخ التراث الموسيقي والغنائي العراقي والعربي واشاعة روح المحبة والسلام من خلال رسالتها الداعمة للفن، بتأسيس شركة فنية تحت اسم (جقمقاجي) التي ذاع صيتها في ارجاء الوطن العربي واضحت مركز جذب للفنانين والمطربين والموسيقيين في الوطن العربي خلال القرن الماضي.فقد اسس الحاج فتحي جقماقجي (شركة جقماقجي) عام 1918 وكانت الانطلاقة من شارع غازي في الموصل واقتصرت البداية على استيراد الأجهزة الكهربائية وبصورة خاصة التلفزيونات والكرامافونات، وساعده فيما بعد ابنه الأكبر محمد عارف حتى عام 1940 وفي السنة نفسها انتقل الأبن الأكبر محمد عارف إلى بغداد وفتح له فرع لشركة جقماقجي في منطقة ساحة الغريري، وفي عام 1942 انتقلت العائلة إلى بغداد والتحقت بابنهم الأكبر وتولى مسؤولية إدارة الشركة في الموصل وفي عام 1944 فتح الأبن الثاني عبد الله فرعا للشركة في منطقة الحيدر خانة في منتصف شارع الرشيد، ثم توسعت وفتح الأبن الثالث سامي، الذي كان طالبا في كلية التجارة، فرعاً آخر في الباب الشرقي عام 1951 عند مدخل شارع الرشيد بالإضافة الى فرع الحيدر خانة كانت الشركة تتميز في التسجيلات والمسجلات وكان تهتم بتسجيل حفلات المطربين العرب والعراقيين في حين تركز ايضا على تسجيل الأسطوانات وتطويرها وتصنيعها في السويد والباكستان بالإضافة الى مد جسور تواصل مع الفنانين العرب، مثل: أم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ، ومحرم فؤاد، وصباح وفائزة أحمد…الخ ومع الفنانين العراقيين، مثل: ناظم الغزالي، وحضيري ابو عزيز، وزهور حسين، وسليمة مراد،…وغيرها بحيث عد النقاد الفنيون ان تلك الشركة كانت بمثابة ذاكرة العراق الموسيقية، وكانت تعقد الاتفاقات مع المطربين والمطربات لتسجيل اغنياتهم في ستوديوهات مؤجرة ثم ترسل الى الخارج لطبعها على اسطوانات وتكون الحقوق محفوظة لشركة جقماقجي. ولكن من المؤسف الا تستطيع اخر بقايا (اول شركة تسجيل في العراق) من مقاومة رياح التجدد في تقنيات علم التسجيل والسماع وبروز اقراص السي دي وأنظمة البلوتوث وغيرهما من الوسائل الاخرى، مما جعلها تغلق ابوابها في منتصف تسعينات القرن الماضي ولم يبق منها سوى الاسم الذي ما زال عالقا في اذهان محبي الفن والموسيقى..
مواهب موسيقية
وكانت تسجل للعديد من الفنانين وخاصة من مدينة بغداد حيث كانت المحلة البغدادية الشعبية نبعا للمواهب الموسيقية والغنائية في ثلاثينات القرن الماضي واربعيناته ، فهي بحكم التركيبة الاجتماعية اوجدت غنى ثقافيا متعددا ومن بين المحلات البغدادية الشعبية القديمة وازقتها ومسالكها، كانت قد برزت تجارب فنية اثرت بشكل عميق في الروحية العراقية، فهناك رموز للطرب والغناء طبعت محلات بغداد الشعبية، أرواحهم ببداهة وطلاقة تعبير عمادها تعاليم الموروث الديني القائم على التسامح، وتهذيب العقل واللسان عبرتعاليم (الوطنية الجديدة)التي كانت المدارس تتولى غرسها في الافئدة والعقول الشابة في تلك الحقبة الزمنية ومن تلك الاجواء خرج (المونولوجست)، حسين علي، الذي برع في عالم (المونولوجات) بايقاعاتها الموسيقية الطريفة والحيوية وجذور نصوصها القائمة على التهكم ونقد الظواهر السياسية والاجتماعية ، ومن هنا جاءت الطريقة التي ينشد عبرها اذ كانت اقرب الى التمثيل منها الى الغناء و كان ذلك الفنان الشعبي مؤلف اعماله الغنائية وملحنها، وكانت موضوعاتها تصف وقائع بيئته منتقدا عادات سائدة سيئة او سلوكا غير محبب فضلا عن قضايا اجتماعية وسياسية كان يقاربها بالرموز.كما كان للمقام العراقي تأثيره على البيئة البغدادية الشعبية الخصبة دون الحديث عن تأثيرها في اغناء روح ( المقام العراقي) كأحد ابرز تجليات البيئة البغدادية نغميا وموسيقيا ، ومن اجواء ( المحلة الشعبية) خرجت اسماء عدة من المؤدين الذين برعوا بقراءة (المقام العراقي) كما ان (البستات) كانت من المصادر النغمية المهمة، بعد الانتهاء من غناء المقام، اذ صار يغنيه الجوق الموسيقي المصاحب للمغني، ويتولى ادارتها( بستچي) معترفا به يكون ضمن جوق الجالغي في هذه الحالة وان لم يعزف شيئا على ان تكون (البستات) من جنس النغمة الاساسية في المقام، فضلا عن فن المربعات البغدادية كانت عناصر الفرح والانس في مناسبات الاعياد وحفـلات الزفاف، وتميزت اصوات مؤدي هذا اللون من الغناء الشعبي البغدادي بالمساحات العريضة ومرونة الانتقالات الصوتية بما يناسب اشكالا من المشاعر كانوا يجسدونها و كان اول من غنى في بغداد واقفا الفنان الكبير محمد القبانجي، ثم مضى على ذلك من بعده الفنانون يوسف عمر و عبد الرحمن خضر، وحمزة السعداوي و صار وقوف المغنين حالة طبيعية عند الغناء. ومع ذلك كانت هناك اغان شعبية ولكن هابطة في مفرداتها وحتى الحانها ولكن لاقت رواجا في تلك الاوساط اغان انتشرت بشكل ملفت للنظر فى كل المستويات تسمعها فى الطرقات فى مركبات الاجرة الكبيرة بين المحافظات والتاكسيات والمقاهى والموالد والافراح والسيارات الخاصه وفى المسلسلات والافلام وكانت تدفع بالاغانى الاصيلة خارج اهتمام الاوساط العامة .مع ان الموسيقى العراقية وأحياناً تعرف بالموسيقى الرافدينية أو موسيقى بلاد ما بين النهرين هي الموسيقى التي تعود جذورها إلى بلاد ما بين النهرين اي العراق وتطورت الموسيقى عبر الحقب المتعددة فمن أقدم قيثارة في العالم إلى اختراع العود ومن إضافة الوتر الخامس له إلى الايقاعات والمقامات العراقية المختلفة… وتطورت الموسيقى العراقية بشكل ملحوظ بداية القرن العشرين على يد الأخوين صالح الكويتي وداود الكويتي، ووصل عدد المطربات في أربعينيات القرن إلى ما يقارب الأربعين مطربة، ثم عرفت الموسيقى العراقية بعد ذلك العديد من الملحنين الذي رفدوا الأغنية العراقية بأجمل الأغاني مثل عباس جميل، ناظم نعيم، محمد نوشي، رضا علي، كمال السيد، كوكب حمزة، طالب غالي، حميد البصري، طارق الشبلي، مفيد الناصح، جعفر الخفاف وطالب القرغولي وغيرهم. كذلك يزخر العراق بالعديد من الأصوات الكبيرة في مجال العراق، فمن القرن المنصرم نذكر ناظم الغزالي, داخل حسن, زهور حسين, فؤاد سالم حسين نعمة، رياض أحمد،وصلاح عبد الغفور و قحطان العطار، مائدة نزهت، أنوار عبد الوهاب، ستار جبار وكاظم الساهر وغيرهم الكثيرلان العراق كان موقعاً لامتزاج الثقافات والحضارات مع الحفاظ على صبغته الرافدينية المميزة. ومن العراق ظهر المقام العراقي إضافة إلى أن العراق في تلك الحقبة قد ولد العديد من الشخصيات الموسيقية المهمة مثل إسحاق الموصلي وزرياب وإبراهيم الموصلي وغيرهم. كما كان له التأثير في الآلات الموسيقية ..وفي بغداد والمحافظات العديد من الأنماط الموسيقية مثل النمط الموسيقي الغنائي البغدادي والريفي الجنوبي والبصراوي والكردي والبدوي والكاولي (الغجري) وغيره…
علامة بارزة
وتشمل الموسيقى العراقية على العديد من الآلات الموسيقية الشرقية مثل القانون والسنطور والمزمار والعود والبزغ والدنبك والجوزة والكاسور غيرها من الآلات.ومع ان مراحل الستينيات والسبعينيات كات زاخرة بفن رفيع الاغاني الرائعة شعرا ولحنا واداءً شكلت علامات بارزة في مسيرة الموسيقى العراقية وتبعها مرحلة التسعينات بعد ظهور عدد من الاسماء الفنية التي وجدت صداها في الساحتين المحلية والعربية من بينهم الفنانون كاظم الساهر وماجد المهندس ومهند محسن وغيرهم ..عادت الاغنية العراقية الى التراجع بعد 2003 عقب الاحتلال الامريكي للعراق والتي انعكست اثاره على مجمل المشهد الفني والاجتماعي والسياسي والاقتصادي وكانت الموسيقى من الامور التي شهدت تراجعا في النصوص واللحن والمطربين وغزت الساحة الفنية اسماء هجينة على اساس انهم مطربون ما ان تسمع نصا حتى تشعر بالقرف والبؤس على ماوصل له الغناء العراقي ومن نماذج تلك النصوص (الدفان يغمزلي ..وأطلب المرحوم بوسة ..وبيت شعيط طابخين الرارنج )وغيرها ..ما يعني ان المرحلة المقبلة من مسؤولية القائمين على مجال الموسيقى والغناء ان يعملوا الى ان يعود للغناء العراق القه من جديد وتشذيب الهجين منه الى نبع الاصالة التي كان ينشدها كبار الفنانين داخل حسن وحضري ابو عزيز وطالب القره غولي وناظم الغزالي وســــــليمة مراد وزهور حسين وحسين نعمة وياس خضر .انها امنية ربما تتحقق ..او ( دك ..عـــيني .. دك )..

















