اضواء على العنف في الحكومات العراقية – خالد محسن الروضان

اضواء على العنف في الحكومات العراقية – خالد محسن الروضان

من الكيلاني إلى العقداء الأربعة وإنتهاء بالجمهورية الخامسة

شهد الجيل الثاني لابناء الروضان اواخر الحكم الملكي – وقيام الحكم الجمهوري 14 تموز 1958. (تصاعدت احداث العنف في العراق وترافقة مع تشريع عدد من القوانين ذات العقوبات الغليضة بزعم مقاومة الافكار الهدامة ابتداء باعدام اربعة من المشاركين في حركة رشيد عالي الكيلاني وهم العقيد صلاح الدين الصباغ والعقيد فهمي سعيد والعقيد كامل شبيب والعقيد محمود سلمان والسياسي يونس السبعاوي بعد ان تم الاجهاز على الحركة باعادة احتلال بريطانيا للعراق 1941 واعدام قيادة الحزب الشيوعي العراقي المتمثلة بحسين محمد الشبيبي ومحمد زكي بسيم ويهودا صديق وعلى رائسها يوسف سلمان يوسف (فهد) امين عام الحزب في عام 1949 وحين حدثت ثورة 14 تموز 1958 بداء العنف معها حيث دار دولاب دوراته بصورة متسارعة ابتدات بقتل العائلة المالكة وقد حدث الامر بنوع من التشفي والانتقام والقسوة تم تعليق جثة الوصي عبد الاله والناس تضربها بالخناجر والقامات وبعدها السحل بالشكل الهمجي وقتل نوري السعيد اقوى رئيس وزراء. بعدها جاءت موجة من العنف والقتل خارج قوانين القضاء في الموصل وكركوك عام 1959 حين هيمن اليسار على المشهد السياسي وحاول اقصاء الاخرين لكن اليسار هو الاخر تعرض للتنكيل بعد حين كما حصل في حركة ثمانية شباط وشملت شن هجوم ضد كردستان والشعب الكردي اطلق عليها وزير الدفاع صالح مهدي عماش بانها نزهة ستنتهي بالقضاء على الحركة الكردية.

 العنف المضاد

عنف المعارضة قاده فريق انفصل عن الحزب الشيوعي القيادة المركزية بقيادة عزيز الحاج بممارسة عنف مفتوح ضد عنف السلطة الحاكمة وقد انقضت عليه السلطة وانتهى.

ثورة 14 تموز عام 1958 قابلتها جماهير العمارة بمظاهرات تأييد ومساندة ، وكان شأنها شأن باقي محافظات العراق الاخرى. جاءت الثورة حصيلة توحيد جبهة الاتحاد الوطني وتنامي الوعي القومي والوطني لكن سرعان ما انفرطت هذه الجبهة وحصلت انقسامات في صفوق الحركة الوطنية وكانت الانقسامات بين اتجاهين اتجاه قومي يدعو للوحدة العربية ويدعمه جمال عبد الناصر ، وتيار شعوبي دفع باتجاه معادات التوجه القومي معتبرا القوى القومية والوطنية قوى رجعية وبرجوازية صغيرة معادية للتقدمية وبدأ هذا الانقسام واضحا بين صفوف الضباط الاحرار قادة الثورة العقيد عبد السلام عارف تبنى التيار القومي ودعا الى الوحدة العربية مع مصر. كنت حاضرا في التجمع الجماهيري الذي اقيم عام 1959 في الملعب الرياضي لمدينة العمارة والذي القى فيه عبد السلام عارف كلمة اكد فيها على الوحدة قائلا (وحدة عربية لا استعمار ولا رجعية) عندها هتفت لميعة عمارة اتحاد فدرالي… فاجابها قائلا (بربوك كولي وحدة عربية شنو هذا اتحاد).

وعند انتهاء عبد السلام عارف من القاء كلمته تقدم نحوه ضميد وحمله على كتفه وهو يردد: (ييمة هذا ابونا ييمه هذا هو) وطاف موكب عبد السلام في شوارع مدينة العمارة والجماهير تهتف له وللثورة، وتصاعدت حدة الانقسامات وانعكست على الشارع وانتهج الشيوعين اسلوب فوضوي وغوغائي للسيطرة وفرض ارائهم على الاخرين حتى على حلفائهم وتصفيتهم في الجبهة التي انفرطت وفرض سيطرتهم على المنظمات والنقابات والاتحادات وكانت مجاميعهم الفوضوية تطوف شوارع المدن وهم يحملون بايديهم الحبال على شكل مشانق لترهيب الناس واثارت الخوف والهلع وقد عبثوا في لواء العمارة بالرغم انهم اطلقوا عليها موسكو الصغيرة مدعين قيامهم بهذه الاعمال لغرض حماية الثورة والزعيم الاوحد عبد الكريم قاسم، واطلقوا مسيرة قطار السلام الى الموصل وارتكبوا جرائم في كركوك والموصل وروعوا الناس مما دفع ببعض الضباط باعلان الانتفاضة في مدينة الموصل والتي سميت بانتفاضة الشواف والتي قمعت بقصف الطائرات لمقرات معسكر الغزلاني وقتل العقيد الشواف واعدم قائد الفرقة الثانية الطبقجلي ورفعت الحاج سري واستمرت الفوضى والصراعات الحزبية حتى جاءت محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد عام 1959 من قبل مجموعة من حزب البعث العربي الاشتراكي. والتي شجبها الحزب من خلال بيان القيادة القومية الذي جاء فيه ان الحزب يرفض عمليات الاغتيال السياسي ويعتبرها خارجة عن عقيدته وعلى اثر ذلك صدر قرار فصل فواد الركابي امين سر قطر العراق للحزب لانه هو من خطط ونفذ محاولة الاغتيال وبدون علم القيادة القومية. وقد الف فواد الركابي كتاب بعنوان (الخيار المر) يقول فيه ما كان امامنا غير اغتيال رئيس الوزراء والسيطرة على الحكم للدفاع عن أنفسنا. وتستمر الفتنة التي ابتدات في عزل عبد السلام عارف ومحاكمته بتهمة قتل الزعيم الاوحد كما يسميه رئيس المحكمة العقيد فاضل عباس المهداوي والتي اصدرت حكم الاعدام على عبد السلام عارف لكن عبد الكريم قاسم اعفى عنه وتستمر الفوضى واصحاب الزعيم الاوحد يندفعون باتجاه سيطرتهم على الحكم من خلال شعار الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيم (هاي شلون فرطنة) كما يقول المثل الشعبي عند ابناء ريف العمارة. وقد تدخلت قيادة الاتحاد السوفياتي وحذرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي من هكذا عمل وسحبت قيادات من اللجة وادخلتهم في دورات اعادت التاهيل ودراسة النظرية الماركسية اللينينية وقد اكد ذلك القيادي بالحزب الشيوعي بهاء الدين نوري واستمر التطبيل للزعيم الاوحد ونظمت الاناشيد والفرق بالمدارس والشوارع بالرغم من ان عبد الكريم قاسم ادخل العديد منهم في السجون على ما قاموا به من اعمال قتل وترهيب في الموصل وكركوك والمحافظات الاخرى وتحضرني حكاية عن اعمال هذه المجاميع من المهرجين والمطبلين عندما كنت طالبا في مدرسة المنصور الابتدائية وفي مرحلة الصف الرابع الابتدائي كان معلمنا بالنشيد يلقب (ابو دوشي) قصير القامة يركب دراجة هوائية ادخل عليها ماطور لتكون شبه الدراجة النارية ويعتبر نفسه مخترع وهو محل السخرية من الطلاب وعامة الناس وكان يردد نشيد الزعيم (عبد الكريم كل القلوب تهواك .. عبد الكريم روحي فداك)، ويقوم بحركات بهلوانية مضحكة فضحكت وقتها واعتبر ذلك كفر يمس بشخص الزعيم وعندها اراد معاقبتي في الفلقة (الزوبة) لكن محسن الفراش (ابو عصام) وهو من معارفنا تدخل بالقول (انت تعرف هذا الطالب تعرف اهله لا تورط نفسك وياه) عندها تراجع هذا المهرج عن معاقبتي، هذا العمل ترك اثر سي في نفسي اتجاه الزعيم وأنظمت الى مجموعة المعلمين اصحاب التيار القومي. وهذه الاعمال الفوضوية وغيرها كنا نعاني منها بالشارع وفي باص النقل يرتفع صوت (المايصفق عفلقي) مع موت تيتو موت موت عفلق عاش الزعيم عبد الكريم وبدات شعاراتهم تدفع الشباب للخروج عن التقاليد والاعراف الاجتماعية تحت غطاء التقدمية اتذكر كانو يقومون باخراج موكب اطلقوا عليه حمامة السلام كانت بنت شابة جميلة من بيت جعاز يلبسونها ملابس بيضاء رمزية حمامة السلام وعند مرور الموكب يطبلون وينشدون (ماكو مهر بس هل الشهر) ووضعوا الدين في خانة الرجعية عندها بدا رد الفعل القوي وجاءت فتوى تكفيرهم وعند قيام حركة 8 شباط 1963 قاومها الحزب الشيوعي بالسلاح وعندها صدر البيان رقم13الصادر من مجلس قيادة الثورة بابادة الشيوعين . فنتيجة لهذه الاخطاء التي ارتكبت بدافع الغرور والمراهقة السياسية خسر الحزب الشيوعي مكانته وفقد مصداقيته وقتل العديد من اعضائه ومن بينهم امين عام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي سلام عادل (سيف) الاسم الحركي ولابد من اعطاء راي وتحليل لتلك الاحداث والمواقف ودوافعها والتي يمكن تلخيصها بما يلي.

1-         التزام الحزب الشيوعي العراقي بمسلمات النظرية المادية الدياليكتية وعلى ضوئها اعتبروا الاحزاب القومية والوطنية قوى رجعية تمثل البرجوازية الصغيرة وان مرحلتهم انتهت علما بان هذه الاحزاب كانت حليفة للحزب الشيوعي في الجبهة الوطنية.

2-الالتزام بالقوالب الجاهزة وتطبيق النموذج الروسي في تطبيق الماركسية والاشتراكية.

3-تلقي الاوامر من الخارج من خلال الاممية الدولية التي وضعت مصلحت الاتحاد السوفيتي فوق كل شي. وكما تفعل حاليا الاحزاب الدينية التي تحكم العراق حاليا حيث تتلقى هذه الاحزاب اوامرها من الفقيه خامنئي في ايران ولا يهمها سوى مصلحة الجمهورية الاسلامية وولاية الفقيه.

الجمهورية الثانية

عين عبد السلام عارف رئيسا للجمهورية واحمد حسن البكر رئيساً للوزراء وعلي صالح السعدي نائباً لرئيسا للوزراء (امين سر القيادة القطرية لحزب البعث) وهنا تفجر الخلاف بين قيادة الحزب مجموعة من القيادة حازم جواد وزير الداخلية حينها طالب شبيب وزير الخارجية حينها محمد خلخال سعدون حمادي هولاء يحذرون عل صالح السعدي من عبد السلام عارف ويجيبلهم السعدي بان عبد السلام هذا بيدي بالمقابل استغل عبد السلام عارف هذه الخلافات وكان يسميهم جماعة الرافضي ويقصد حزم جواد والاخرين واستغل عبد السلام ايضا الاخطاء التي يرتكبها الحرس القومي وسخط الشارع وقام بانقلاب 18 تشرين عام 1964 سيطر على الجيش ورئاسة الوزراء وحل الحرس القومي وزج بالعديد من البعثيين في السجون والمعتقلات وبعد وفاة عبد السلام عارف في حادث الطائرة في مدينة البصرة منطقة الهارثة عين شقيقه عبد الرحمن عارف رئيسا للجمهورية الثالثة من عام 1965 الى عام 1968 وشهدت هذه المرحلة استقرار نسبي واطلاق صراح المعتقلين السياسين واعطت فرصة للاحزاب بعد ان رفعت الكثير من القوانين التي تقيد العمل السياسي وحدثت نكسة حزيران عام 1967 وارسل الجيش العراقي لتعزيز القدرات الدفاعية في الجبهة الشرقية في الاردن بعد ان اعلن جمال عبد الناصر المقاومة والصمود. في عام 1968 17- 30 تموز تاتي ثورة حزب البعث للسيطرة على السلطة وتبدأ مرحلة الجمهورية الرابعة وتحقق خلال المسيرة منجزات في جميع الميادين اقامة جبهة بين الاحزاب الوطنية والقومية (البعث والشيوعي والديمقراطي الكردستاني والقومين) تحققت مكاسب عديدة بيان الحادي عشر من اذار وتحقيق الحكم الذاتي في المحافظات اربيل دهوك سليمانية ذات الاغلبية الكردية تأميم النفط التعليم المجاني لكافة المراحل الدراسية توسيع التعليم الجامعي والزامية التعليم حملة شاملة لمحو الامية تطوير الخدمات الصحية وبناء مستشفيات ومراكز صحية حرب عام 1973 مع التمرد في الشمال وتوقيع اتفاقية الجزائر آذار 1975 في تموز عام 1979 صدام حسين رئيسا للجمهورية ومجيء الخميني وسقوط الشاه كانت متغيرات سياسية تحمل العديد من التساؤلات، حيث كانت قناعة احمد حسن البكر بواجهة هذه التحديات باقامة الوحدة مع سوريا واعتبرها ضمان للامن القومي العربي في مواجهة اسرائيل بعد خروج مصر من دائرة الصراع العربي الاسرائيلي وتوقيعها اتفاقيات كامب ديفيد. ولكن اطماع وانانية الاخر عجلة على عزل البكر واعدام مجموعة من القيادات الوطنية والقومية المعروفة بالشجاعة والمخلصة للوطن والشعب والمتطلعة الى الوحدة العربية. دارت الحروب العديدة اولا الحرب العراقية – الايرانية والتي دامت ثمان سنوات 1980 – 1988 دخول الكويت 1990 واخراج الجيش العراقي من الكويت في حرب عاصفة الصحراء 1991 وفرض حصار اكثر من عشر سنوات وحرب غزو العراق 2003 كلها حطمت القدرات العراقية وحصيلتها اصابات واستشهاد الملايين.

2003 بدأ العملية السياسية بالعراق الجمهورية الخامسة واخذت حالة العنف شكلا اخر من الثار والانتقام والقسوة فجاء قانون الاجتثاث سي الصيت والذي استخدم لاغراض ايدلوجية وسياسية من قبل الاحزاب المتحكمة بالسلطة بنوع من الثار والانتقام والقسوة واصبحت مسألة اجتثاث الانسان من الوجود او من ممارسة حرياته الاساسية وبعضها مضمونة بالدستور كسابقة خطيرة ومهينة للانسانية جمعاء وبتاريخ تلك الاحزاب الحاكمة والتي فقدت الثقافة الثورية النقية والحورات الوطنية والانسانية والاعتراف بانسانية الانسان ناهيك عن ما تعرض له البلد من موجات العنف في الصراع الطائفي التي كادت تودي بالبلد الى حرب اهلية إضافةً الى موجات العنف والارهاب المتمثلة بداعش والقاعدة وكانت الحكومات التي تشكلت سببا في اشاعت الفاسد والتي تمثلت بحكومات الفساد والمحاصصة الطائفية والاثنية السياسية التي اشاعة الفساد والخراب في البلد ولم ينتج عنها نموذج مشرق يتناسب وتضحيات هذا البلد المظلوم ولم تتفق مع تطلعات شعبه في الحياة الحرة والسعيدة.

في عام 1991 طلب من الدكتور علي الوردي بان يلقي محاضرة مفتوحة وعلى احد القاعات في بغداد وكان ذلك بتوجيه من صدام حسين بعد انتهاء المحاضرة التي تصدى فيها للمشكلات والتحديات الاجتماعية ختم المحاضرة بقوله: (ماذا يريد العراقي؟ اجاب نفسه: العراق بحاجة الى حكومة قندرة تفصل على مقاسه يلبسها ويمشي بها).

ونقلت بهذا النص الى صدام والرجل الدكتور علي الوردي كان يعني بحكومة قندرة حكومة تخدم الشعب مثل القندرة يسيرها الانسان مع قدميه اينما يتجه ولا تزال هذه الحاجة قائمة حتى الان واعني في العراق الجديد ونحن نبحث عن تشكيل الحكومة في اجواء الانسداد السياسي فهل يحصل المواطن على حكومة قندرة.