الكيانات التقليدية تقوم بتشويه صورة السياسيين الجدد والادعاء بأنهم واجهات لها

بغداد – عدنان أبوزيد وهدير الجبوري
تٌرصد على الساحة السياسية العراقية، صراعات وتوترات بين الأحزاب والقوى السياسية صاحبة النفوذ والمال، وبين الكيانات الناشئة لاسيما المدنية منها في مجال السياسة والانتخابات. وتزداد وتيرة الصراعات عادة حين يكون هناك تنافس على مسارات التغيير والتجديد عبر مسك السلطة، وقد أتاح ذلك حربا سياسية وإعلامية، ودعائية ومن ذلك ما يتم تسويقه بأن بعض القوى المدنية، إن لم يكن اغلبها هي واجهات لأحزاب السلطة والقوى المتنفذة، وهو امر تنفيه تلك القوى وتعتبره محاول لتشويه صورتها امام الجماهير. وما يساعد من التوترات بين الأحزاب السياسية التقليدية واغلبها دينية ومحافظة، والقوى الناشئة واغلبها مدنية، هي تلك الخلافات والاتهامات المتبادلة حول فشل القوى المتنفذة منذ العام ٢٠٠٣، في ملفات الخدمات والفساد، فضلا عن القضايا الاقتصادية والامنية والمجتمعية وحقوق الانسان وحرية الرأي.
وتستخدم الأحزاب القديمة وسائل الإعلام والقنوات التي تحتاج إلى الأموال، للتأثير على الرأي العام وخلق تصوّر إيجابي حول نفسها. ومع ذلك، عندما تظهر أحزاب جديدة، قد يجد الناس مصادر متنوعة للمعلومات والآراء، مما يقلل من تأثير الأحزاب التقليدية على الرأي العام.
يتحدث المدير التنفيذي لمركز البيان للدراسات والتخطيط، الدكتور علي طاهر الحمود، لـ الزمان
عن أن «أحزاب السلطة تبحث عن الزعامة، فيما الأحزاب الناشئة تبحث عن التنظيم، وهذه الجملة يمكن أن تختصر لنا المشهد».
يرى الحمود أن «أحزاب السلطة تبحث عن تلك الزعامة التي يمكن إن تجلب لها الأصوات والاستقرار السياسي، لهذا توزعت تحت خيمة زعامات كبرى مثل نوري المالكي وهادي العامري والشيخ قيس الخزعلي وآخرين، اما الأحزاب الناشئة فهي بالأصل تكافح على الصعيد الداخلي للحصول على ثلاثية القيادة والتنظيم والبرنامج، ولم تكن الفترة التي أعقبت ٢٠١٩ كافية لغرض الوصول إلى حالة النضج لهذه الثلاثية، وبما إن هذه الأحزاب الناشئة دخلت الاستحقاق الانتخابي سريعا في العام ٢٠٢٠، وفي نهاية العام الحالي، فإنها تبحث اليوم، عن شكل من اشكال التنظيم فيما بينها من أجل لملمة الشتات».
يستطرد المدير التنفيذي لمركز البيان للدراسات والتخطيط، بأن «من الطبيعي في مسيرة الأحزاب السياسية، إن تكون هناك أحزاب تسقط أو تضمحل او يصيب صفوفها الانشقاق، أو تتغير مصالحها باتجاهات متعددة وهو امر طبيعي أيضا بالنسبة للأحزاب الناشئة، لكن بتقديرنا فإن هذه الحالة الحزبية الناشئة يجب أن تُعضّد وتُشجّع لان المجتمع العراقي الشاب بحاجة إلى بدائل كثيرة لاستقرار العملية السياسية»، معتبرا أن «عدم وجود بديل، سوف يشكل خطرا على الديمقراطية ومشروعية النظام بمعنى المقبولية من الناس، ونحن هنا لا نتحدث عن الشرعية بمعنى الانطباق على القانون، ذلك إن النظام شرعي والأحزاب شرعية ولا مشكلة في ذلك، لكن المشكلة في المشروعية ونلاحظ ذلك بوضوح في النسب المتدنية لمشاركة الناس بالانتخابات، التي انحصرت في زبائن احزاب السلطة والمنتفعين منها، اكثر من مشاركة الناس بمعنى مساندة النظام السياسي في قيادة دفة الأمور». يرى الدكتور الحمود انه «بموجب ذلك، فان الناس بحاجة إلى بدائل، وهي الأحزاب الناشئة التي يمكن إن تكون بديلا منافسا على الأقل في الدورتين او الثلاث القادمة». يرى الناشط المدني والسياسي والصحافي فارس المهداوي في حديثه لـ الزمان إن «الحديث عن وجود قوى مدنية شائك ومعقد وطويل، مع الاخذ في نظر الاعتبار انه لا توجد قوى مدنية على وجه الدقة، والأصوب أن نقول أنها قوى غير إسلامية»، معتبرا أن «أغلب القوى التي تسمي نفسها ( مدنية) هي واجهات لقوى سياسية وحزبية متغولة ونافذة، وبعض هذه القوى التحفت بمسميات تنأى بها عن الشبهات في محاولة لكسب مزاج الشارع الطامح للتغيير مع انها محاولات واضحة المعالم ومكشوفة،
كما أن بعض القوى اصطفت بتجمعات وضمت بينها أسماء وشخصيات عليها ملاحظات سلبية من نفس القوى ومن الناخبين لكنها تجمعت وهي طامحة الى حصد مزيد من القبول السياسي وقبول الشارع في نفس الوقت، وهذه المعادلة لن تستقيم في ظل تفاهمات ومساومات متعثرة» .
يعتبر المهداوي إن «القوى المدنية الحقيقية محدودة التأثير بسبب افتقارها للمال السياسي والنفوذ السلطوي وعزوف الناخبين، ولن تترك أثراً يذكر».
والأحزاب (القديمة) غالبًا ما تكون قد استمتعت بنفوذ وسلطة لفترة طويلة، وعندما تظهر أحزاب جديدة تحقق شعبية متزايدة، قد يشعر الأحزاب القديمة أن هذا يشكل تهديدًا لموقعها ونفوذها في المجتمع والحكومة. المتحدث باسم حركة نازل اخذ حقي والمنسق العام لتحالف قيم المدني، خالد وليد، يتحدث لـ الزمان عن إن «القوى التقليدية تحاول بشكل أو بآخر احباط الشارع العراقي من خلال تشويه مشروع التغيير الديمقراطي الذي تتبناه القوى المدنية فتارة تحاول ايصال فكرة سوداء عن الاحزاب المدنية بوصفها واجهات وادوات لقوى السلطة وتارة اخرى تحاول ارتداء ثوب المدنية من خلال عناوين ونشاطات وفعاليات متنوعة».
لكن وليد لا ينفي «وجود شخصيات واحزاب تحاول زوراً الانتساب للقوى المدنية وتهرول مسرعة من اجل عقد شراكات وتحالفات مع قوى السلطة من اجل مكاسب ومغانم وتدمير حلم التغيير الذي يتطلع اليه الشعب».
يشير وليد إلى أن «جغرافية التحالفات الانتخابية واضحة جداً والمواطن البسيط قادر على تشخيص (المدني الدمج) من المدني الحقيقي الذي يدافع عن مصلحة وطنه وشعبه ويتبنى خيار المعارض والبديل الوطني الناجح».
ويقول الشيخ محمد رضا الساعدي، المهتم بالشأن البحثي في السياسة والمجتمع والدين، في حديثه لـ
الزمان، انه «بات واضحا ان هناك التفافا من السياسيين المخضرمين والاحزاب النافذة على الجمهور من خلال إبراز وجوه جديدة واشراكها في الانتخابات من خلال مسميات أقرب للمدنية او العلمانية او الشبابية وذلك من خلال تمويلها ودعمها اعلاميا ولوجستيا، وجاء ذلك الفعل بسبب اخفاق كثير منها في الانتخابات السابقة وعدم ثقة الجمهور بها واستغلالها للسلطة وإهمال ملف الخدمات».
يرى الساعدي أن «الشارع وبسبب السياسة الخاطئة لبعض الاحزاب الدينية او بسبب الثراء الفاحش لبعض رؤساءها سبب عزوفا عن تلك الاحزاب بعد حصول دعوات حتى من الاوساط الدينية بعدم تلويث اسم الدين والاسلام من خلال زج تلك المسميات المقدسة في التنافس السياسي لأجل مأرب شخصي او حزبي». يشير الساعدي الى أن «هناك احزابا جديدة طرحت نفسها وهي في الحقيقة واجهات لتجار كبار يريدون أن يحموا مصالحهم من خلال النفوذ في السلطة التشريعية والتنفيذية، وهذه ظاهرة أخرى جديدة دخلت في التنافس السياسي بعد امتلاك هؤلاء التجار لقنوات فضائية ووكالات واذاعات، وتجنيد وسائل التواصل وبعض الاعلاميين المشهورين».
يعتبر رئيس اتحاد الصحافيين العراقيين، المقر العام مظفر عبد المجيد المحمداوي، في حديثه لـ الزمان، أن «هنالك حاجة الی أحزاب مدنية ناشئة جديدة تأخذ علی عاتقها تسيير العملية السياسية مستقبلا، لكن المشكلة تكمن في أمرين، الاول هو هشاشة بعض اعضاء الاحزاب الناشئة، ما يجعلهم عرضة للتنازل للأحزاب الأخرى المتنفذة، والثاني هو قوة البعض الاخر سياسيا ما يجعلهم جدران صد لمن يريد تهديم الاحزاب المدنية والفكر المدني الديمقراطي»، معتبرا أن «الامر يكمن في ما تمتلكه تلك الاحزاب الناشئة من فكر له مريدوه ومؤيدوه قادرون علی الدفاع عن فلسفتهم وافكارهم التقدمية التي تخدم بالنهاية المواطن العراقي».
ويتحدث الصحافي العراقي عباس الصالحي لـ الزمان عن إن «الظاهرة المدنية عشناها منذ ٢٠٠٣ وتمثلت في مسميات كثيرة، لهذا يتوجب التمييز، بين قوى مدنية شاركت في العملة السياسية منذ انطلاقتها بعد الاحتلال ولازالت، مشيرا إلى وجود حالتين، الأولى متمثلة في قوى مدنية مثل الحزب الشيوعي الذي هو حزب سياسي لكنه قوة مدنية، يشكل مع قوى أخرى كيانات (لاحول لها ولا قوة).
الحالة الثانية، تلخصها القوى المدنية التي ولدت من رحم ثورة تشرين والتحشيد الجماهيري، او ما يطلق عليه الحراك المدني والممثل في قوى مدنية تمثل كل اطياف المجتمع، وكانت هناك محاولات لاستيعابها لصالح جهة لكنها فشلت».
يشير الصالحي إلى إن «القوى المدنية التي قدمت الشهداء من اجل التغيير قد حققت تقدما في مشروعها بإسقاط حكومة عبد المهدي وفي المحصلة النهائية شاركت في العملية السياسية لكن لم يكن لها دور مهم على رغم وجود ممثليها داخل البرلمان، و في المحصلة أصبحت بعض تلك القوى واجهات لأحزاب متنفذة».
يدعو الصالحي إلى «التفريق بين الحراك في العام ٢٠١٩ والذي تلاه وما حصل من انشقاق بين القوى المدنية لكن يجب إلا نظلم القوى المدنية الحقيقية الباحثة عن التغيير وتقويم العملية السياسية العرجاء»، معتبرا إن هناك “تسقيط وتشويه متعمد من قبل الأحزاب، للذين يعملون تحت مسمى المدنية تشويه القوى المدينة».
وبشكل عام، تمثل الأحزاب الجديدة غالبًا تغييرًا وعدم يقين بالنسبة للأحزاب القديمة، وغالبا ما يكون لديها أفكار جديدة وخطط لتحسين الأوضاع، وهذا يجعل الأحزاب القديمة تشعر بالخوف حيال مستقبلها.























