إنفتاح النص وصراع المتضادات في كائنات سرية

القيمة الجمالية والفنية لدى مازن المعموري

 

إنفتاح النص وصراع المتضادات في كائنات سرية

 

علوان السلمان

 

التجربة الشعرية ممارسة ثقافية مبرمجة بمعايير ومقاييس خلاقة..فهي مغامرة التأمل تحت وطأة الوجود وتفاعل معالمه الحضارية والتاريخية والسايكولوجية لتشكيل رؤية ابداعية تتنفس داخل روح المبدع الخالق للابداع الادبي والفني الذي يعبر عن وجود شعوري وروحي للاشياء من اجل الخروج من عذابات السؤال الذاتي المقلق والانطلاق في فضاء اجتماعي ..انساني ينفتح على امتداد كوني ضمن رؤية تحقق التوازن وتبعث الجمال من جهة والخروج من  زمن الانكسار الى زمن الوجود الفاعل  باشغال الفكر ومليء الحيز الفراغي المكتظ بالامل والامتلاء..  و(كائنات سرية) المجموعة الشعرية التي نسجت عوالمها انامل مبدعها مازن المعموري واسهمت شمس  للنشر والاعلام في نشرها وانتشارها/2014..كتجربة تشتغل بتقنية حداثوية واقتدار شعري مكثف الجمل..مكتمل الوظيفة..مشحون برؤى باعثة للطاقة التخييلية..فضلا عن انفتاح كوني يشتغل على ثلاث مستويات(الاسلوب/البناء/الدلالة)..ابتداء من العنوان الدلالة السيميائية بجملتها الاسمية المتشكلة من فونيمين يكشفان عن كوامن النص المتصارع بعوالمه المتضادة والذي اعتلى لوحة تجريدية كشفت عن مضامين النص مع مفردة(فصوص)الدالة على توظيف الشاعر لظاهرة الانقطاع التي تكشف عن اسلوب النص الذي يتخذ من الدفقة الشعرية وجودا لتكوينه..

 

البقرة التي تسلقت اعواد الشجرة

 

ونامت فوق خصلات الاخضر الناعم

 

لن تراه هذه المرة

 

 فصوت الغروب جعل قرونها تحمل فروة السماء

 

 ليخر نهر الفرات من ثقب الفراديس التي ذابت بين تلافيف انغام الناي

 

  وصورة الراعي الذي فقد عصاه..

 

 الشجرة التي تسلقت البقرة

 

لم تعد تنثر اوراقها على جسد الكون

 

اصبح الطين عجينتي

 

أي طين يجعلني اطير كحشرة تقف بساق زرافة واجنحة تنين؟..

 

 البقرة والشجرة

 

  تقفان امام المشهد وهما تلونان الهواء باسمي

 

انا بقعة من صباح المدينة ورشفة من عصير الكروم

 

  لا احفل بالغياب وهو يلف اردية الظلام

 

ففي قلبها يفترش الضوء انفاسه  /ص7

 

فالنص يتجاوز النمطية ويفتح ابواب المعنى بما يتضمنه من رؤى ذاتية بامتلاكه تقنيات واساليب وبنى فنية متنافذة وعوالمه التي تفرزها الذاكرة التي تفضي الى  معرفة واعية باشكال تتماهى داخل فضاءات النص لتشكل وجوده الكوني..فضلا عن انه يحمل موسيقاه في داخله وغرضه المعاصرة مبنى ومعنى..اضافة الى التكرار الذي شكل انبعاثا موسيقيا مضافا بايقاع تتصدر الطبيعة عذوبته فتسهم في تحريك المشاعر والاحاسيس..اذ تتمازج في حركة النص المكتنز بالتقابلات الدالة التي تسهم في تعميق الصراعات وتنصهر في مختبر التعبير ضمن رؤية مكثفة الدلالة ومتعددة الايحاء.. فتنحو منحى انسيابيا متكئا على بنية سردية ترصد انعكاسات الواقع القيمية..

 

لحظة تعشب اطرافي حراشف من ظلال

 

وتحت جوانحي خفق من الريح يلمس قامات النخيل

 

يلوح للسماء..ان تميل على الضفاف

 

حين تلفظ اسمي…

 

انبت في شقوق الارض

 

زهرة في سمكة

 

وقوسا من البحر يحيط اناملي

 

وهي تحضا بزعنفة البريق

 

يا كوة الاعماق…وظلمة انفاسي

 

 كيف انزلق في احضان مائك؟…

 

 وانت تنشرين اشلائي

 

 فانثال مع الضياء

 

 لتاخذني الشباك الى المرايا

 

 كلما فتح النهر بابه

 

 وانتظر الصباح مخمل المساء  /ص11

 

    فالنص يعتمد الايحاء التصويري للمشهد الذي يشد المخيلة كونه مغامرة تنتمي الى عوالم الحداثة بتقنياته المنفتحة من حيث الدلالة والموقف..فهو يقوم على منظومة الثنائيات الضدية التي رسختها ثقافة الحداثة التي اشاعها(امبرتو ايكو)في النص المفتوح(opentext) ..ووجد حاضنته مع الشاعر الفرنسي(سان جون بيرس)..بحضور الفاظ الدهشة والغرائبي لصور الوجود والوعي..فضلا عن تحررها من الزمن واستطالتها لتشكل فضاءها الدرامي السردي..بحكم الانفتاح على مجمل الفنون الادبية وانفتاحه على الانسان وقضاياه الكونية والاجتماعية برؤية منسجمة والعصر ومعطياته الحداثوية  ليتجاوز البنية الداخلية جماليا وخطابيا وزمانيا..

 

في ساحات الغربة او تجاعيد السواقي

 

لايعرف غير القناديل

 

وهي تتمرغ بين صلبانها

 

  ثم تقطف مسامير ساقه احراش

 

توزع اوراقها غيمة..غيمة..فوق اقراط الحقول

 

يتحدث عن صباحاتها القديمة

 

لا يملك غير ذاكرة مليئة باعقاب الرصاص وبقايا صور للخنادق

 

والتراب

 

ولك  ان ترى ما يتساقط منها..كلما تكلم     /ص100

 

   فالنص يتدفق عبر مستوياته السيميائية المتصارعة داخليا والتي تؤدي الى تأويلات متشعبة الابواب..كونه متنافذ والاجناس الادبية مع امتلاكه حدود اللحظة التي تجعل من المتلقي كائنا متفاعلا ومجرى الاحداث من خلال انسجام مشاعره ومكونات النص الداخلية المتصاعدة دراميا من خلال تفجير اللغة وشحنها بشحنة تسهم في اتساع الرؤية وتوكيد الدلالة..فضلا عن سيطرة الحس الميثولوجي الذي يمنح الدلالات النصية نسقا محركا لها من خلال تماهيها والصور المتخيلة التي تشكل لوحة درامية ذات تعبيرات متقنة بايجازها الحكائي العميق الدلالة..وبذلك قدم الشاعر نصوصا شعرية موحية..صادمة..تشكل مقاربات حكائية بلغة شفيفة مكتظة بالوانها الاجناسية وعصفها الذهني الخالق للصور المتخيلة والنهايات الادهاشية المتميزة ببلاغة متيقظة ومقترنة بحضور حسها الفني وتجليات مجازاتها واستعاراتها المنتشرة على جسد النص الذي يشكل مشهدا بانوراميا متفرد بقيمته الجمالية والفنية..