إمتياز في الرياضيات

دمعة منكسبة

إمتياز في الرياضيات

حين يهبط الليل الأدهم .. يسارع الخطي الي سطح الدار..يدثر كتفيه بوشاح أخضر!! رغم حرارة الجو..الا انه يمنحه برودة في الصيف ودفئا في الشتاء..

تحت قبة السماء ينزوي وحيدا .. يعتكف في صومعة الألم .. يراقب النجوم التي تومض من بعيد وتضيء عتمته السرمدية..

صارت عيناه لامعتين من كثرة النظر الي النجوم!!

كان الليل أنيس وحشته وصديقه الكتوم وصندوق أسراره.. يبوح اليه بذكرياته واشواقه واحلامه  ويشكو له حزنه الكبير الذي ضاق جسمه الصغير علي حمله..

اغرورقت عيناه بالدموع عندما لاحت له اكبر النجوم واشدها بريقا..

دائما ماكان مؤمنا بقول أبيه..

أن لكل انسان نجمة في السماء.. كبيرة بحجم منزلته.. مضيئة بقدر مكانته..لكنها تهوي نيزكا عندما يموت صاحبها..

(ها هي نجمتك.. عزيزي أبي.. أجملهن واسطعهن علي الاطلاق..

وهل هناك من هو أعظم منزلة من الشهيد !!

لن تسقط ابدا نجمتك ..فالشهداء احياء عند ربهم يرزقون..)

مرت ذكريات الامس البعيد امامه كقطار سريع رجاه ان يتوقف قليلا عند أجمل محطات حياته..

عند بيتهم الدافئ القابع بين سعفات النخيل.. تعبق في ارجائه رائحة خبز امه الطيبة.. واحاديث اخته المرحة وضحكاتها التي تملأ المنزل..وابيه الصلب الحنون الذي يجالسه ويحادثه كرجل منذ صغره وكأنه كان يعلم انه سيقع تحت مخالب الاسي..

مضي شريط ذكرياته ليقف هنيهة عند بداية رحلة احزانه..

عندما نظر له أبوه يوما بعينين خائفتين .. عزيزي ولدي.. وطننا ليس بخير.. جاء الغرباء ليسرقوه منا..لكن هيهات ان يمروا من هنا الا علي اجسادنا ..ادعو له فالله يستجيب لدعاء الصغار..

اعطته امي وشاحه الاخضر (المزور) في كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء ..اشبع انفه برائحة الاطهار كأنه يودعهم في هذه الدنيا وعند الجنة امل اللقاء..

استشهد اباه متشحطا بدمه.. ومااعجل ايادي الموت في خطف امه بعد ان انهكها المرض.. واخته رضت باول الطارقين ببابها خوفا من قساوة الدنيا علي فتاة فقدت معيلها وحاميها..

وها هو ذا يقبع في دار الايتام يشاطرونه الوحدة والغربة تتشابه حكاياهم الأليمة ويجمعها اليتم القاسي..

رمق بنظرة الي نجمة ابيه وارتسمت ابتسامة في وجهه..

(ابي الغالي.. نلت اليوم درجة الامتياز في الرياضيات.. سابقي علي وعدي لك بان اصبح في المستقبل مهندسا كبيرا .. سأعيد بناء وطني المهدم حجرا حجرا .. ووفاء لأمي حفظت ثلاثة اجزاء من القرآن الكريم ..لطالما كانت تمني نفسها ان اكون حافظا للقرآن..

لا تعتبوا علي اختي.. لا مكان لي في بيتهم الصغير فضلا عن صعوبة تحملهم تكاليف معيشتي..)

كانت اخته قد وضعت اخاها الصغير في ملجأ لذوي الشهداء..  قبلت رأسه واحاطت عنقه بـ ( كل ماتبقي من رفات ابيه) وهو وشاح اخضر غسلته من الدم المتخثر..

اشاحت بوجهها خجلا من عيني اخيها الحائرتين وانصرفت تخفي دمعاتها المنسكبة ..كان قد تناهي الي سمعه ذات مرة ان جثة ابيه لم تعد كحال الكثير من جثث الشهداء..

انهمرت الدموع من عينيه ..شكا لله ظلم هؤلاء المجرمين عديمي الرحمة..

(لا بأس ان لم يكن لديك قبر .. فجدتي الزهراء ايضا لا قبر لديها..

في قلبي .. في اعمق زوايا قلبي.. بنيت لك قبرا بقرب ضريح سيدتي المذهب .. ازورك كلما ذكرت مصابها..)

تسلل النعاس الي روحه الحزينة.. رأي اباه في عالم الرؤيا.. كان اشد جمالا من اي وقت مضي.. همس في اذنه.. سيأتي غدا من يشعل شمعة في ظلماتك القاتمة!!

مع خيوط الفجر الاول استيقظ للصلاة..رغم صغر سنه..لم يتركها يوما عملا بوصية ابيه الذي طالما صلي خلفه.. لم يفتأ طوال اليوم يفكر في حلمه الغريب..

استدعاه مدير الملجأ.. لحظ عنده امرأة ورجل رآهم من قبل تكرارا .. يرنون اليه من بعيد.. كان ذكيا بمايكفي ليعلم انهم يريدون تبنيه..مسح الرجل بيديه علي رأسه وحضنته المرأة بحنان..احس بالامان يتسرب الي روحه الخائفة..سوف يكون لديه بيت وعائلة.. لن تنسيه اباه وامه لكنهم سيخففون عنه الكثير الكثير من الم الماضي وخوف المستقبل.. ألقي رفقاؤه نظرة الوداع لصديقهم البائس وفي عيونهم بصيص أمل لشمعة تضئ حياتهم من جديد.. لبيت يحويهم بحنان.. يعوضهم عن حرمانهم عن ابائهم الذين قدموا ارواحهم رخيصة لاجل الوطن وتركوا اولادهم امانة بيد اهل الخير !!

رقية تاج – بغداد