إضاءات عبر جنون الضحك

 

 

إضاءات عبر جنون الضحك

محسن حسين عناد

 القصة ظاهرة أنسانية تعبر عن روح العصر وتنتمي لتراث حافل بآثار أدبية وتجارب فنية ، من الصعوبة لأي كاتب أن يفلت من أسر ذلك التراث وتأثيره . كون المنجز الأدبي الذي يحققه الكاتب يولد وفق عمل أبداعي مبتكر ،عمل يكون بعيدا عن تكرار أو محاكاة لنماذج أخرى والا صار عملا صناعيا قد يسيء للصنعة والخلق ، لأن الصناعة الأدبية ومنها القصة تعتمد على قيمة فنية تنتج فنا جميلا وصعبا يحتاج لكاتب متمرس قادر على تحريك أدواته بيسر ودراية ليعطي بذلك مصداقية لتعبيره وتركيبه الفني ، عندذاك يصبح الأدب عامة والقصة القصيرة جدا خاصة فنا واعيا ينتج فعلا جماليا متماسكا قادرا على رسم وأفشاء حقيقة قوامها القيمة الأبداعية بشكلها الفني والفكري المرتكز على الوعي ، هذا الواقع الجمالي المراد توضيحه في القصة تفرزه الدربة والدراية التي تمكن النص من أن ينهي ويشكل واقعا جديدا ووعيا أجتماعيا مرتبطا بحياة الناس وهمومهم . لأن القيمة الجمالية التي خلقتها القصة القصيرة جدا هي التي شذبت خواصر القصة بطريقة ومسؤولية فنية قربت أشياء كثيرة من الأسرار للمتلقي بوضوح وتقنية . لذا عدت القصةغصنا من نبتة فنية كبيرة متشعبة ، بقاؤها مخضرة ومنتجة يعود الى تعامل القاص مع الوجود حين يقتنص اللحظة الزمنية المناسبة ليبني عليها موضوعا فنيا يعيشه خياله أو رؤاه فيكوّن عند ذاك عالما يزخر بحيوات أنسانية محملة بالفرح والحزن والألم . أبراز هذه الحيوات يكمن بقدرة وتجربة القاص على توصيل ما هو جميل للمتلقي الذي يشعر أنه أمام واقع أنفعالي جديد .ولكي يصل الفعل الأبداعي بموضوعه وتقنيته الفنية لأكثر الناس ، هناك أمور يجب مراعاتها أولا الوضوح في تناول الحدث ومتابعته واللغة السليمة الخالية مما يعكر صفو الحدث ويشل جماليته . ثانيا التقليل من التعابير والألفاظ المسيئة للسرد عندذاك تتوضح الرؤية وتنساب القصة أنسيابا هادئا يحدد أيقاعها الداخلي . فالمجموعة القصصية جنون الضحك للكاتب نهار حسب الله تعد من أدب القصة القصيرة جدا ، قصص لا تبعد كثيرا عن أجواء العوالم الأدبية الأخرى ألا بقصرها وأختزالها للمواقف والأحداث ضمن محيط جديد وصعب فيها مقومات وميزات تجعلها مسكونة بالرغبة والتطلع، كونها كيانا أنبثق من دراما مكثفة تتوهج مثل قدحة شرارة واثقة وسط الظلام ، لذا أكتسبت نبرة خفيضة متوهجة يجتهد الكاتب في أبقائها سرية محاطة بليل يكشف أدق الأشياء ، وضمن هذا التوصيف للقصة القصيرة جدا يكون للكاتب المتمكن من أدواته ووعيه دور وأسهامة أدبية جميلة في ترصين وتوضيح مواضيعه مع ما ينتج أو يبني فعلا أبداعيا ، لأن القصة عموما تسعى لأعادة تشكيل العالم وإعادة تفسيره وأعادة تجديد الرؤية ، فتبقى بحثا فنيا عن معنى الوجود وسعيا حثيثا للأمساك باللحظة المتعلقة وأيقاف الذكريات والصور الهاربة وتخليدها . من هذه الينابيع تنهل القصة القصيرة جدا مادتها لذلك جاءت مواضيعها متنوعة بين الحياة والموت والحب والكراهية والخير والشروالحرية والبراءة والهجرة لأنها شكل من أشكال التعبير والتغيير معا . أشتملت مجموعة جنون الضحك للقاص نهار حسب الله على أكثر من سبع وتسعين قصة قصيرة جدا تميزت بنكهة خاصة في التناول والموضوع والترتيب وأيضا الأنفعال ، كون الأنفعال موجودا جنبا الى جنب مع العواطف يعريها ليجعل المتلقي يتألم ويثور ويهدأ، هذه الأمكانات الكبيرة تسعف الكاتب وتعينه في كيفية تعامله معها . ففي قصة الربع الأخير ( تقاسم الجوع والفقر والجهل ثلاثة أرباع عمري ، ولم يتبق من حياتي سوى الأيام الشاحبة .. لحظات أتوسل الزمن أن يطيلها ،لا لتشبثي بالحياة ولا لأجل تعويض الخسارات والقضاء على السلبيات وأنما لأوفر للذل فرصة السيطرة على الربع الأخير من عمري) . ملامسة جروح الناس براعة ما بعدها براعة ، هي توظيف لصفة يتحلى بها الكاتب وأمكانية فنية لأدوات يفضح بها الجوانب السلبية والسيئة التي تريد التأخير ، تأخير عجلة الحياة والأساءة للأنسان وطموحاته ونشر الضرر والعراقيل به وبمسيرته وصحوته . من يتمعن بروية القصة يلمس شيئا غريبا وجديدا يدرك به غربة الأنسان في محيطه حيث التمايز الطبقي على أشده فلا يحتفظ الفرد بأنسانيته في أجواء مقيتة ، لأنه أنسان ضائع وخائف مسلوب الأرادة لا يملك شيئا ومع ذلك يعبر عن وجوده وقدرته على ممارسة الحياة. أذا يمكنني القول أن فعل القصة القصيرة جدا هو أعانة الأنسان على فهم ذاته وترسيخ أيمانه بنفسه وتطوير عاطفة الصدق عنده ، كون القصة تبغي أكتشاف الحقيقة في الحياة ، أكتشاف يجعل الكاتب يشعر بجمالية وفنية أسرار عمله عن طريق التحليل والمثابرة التي تفضي الى أستخلاص جزئيات الرؤية التي تعرفه على طبيعة عمله مكونة منه وحدة متكاملة تفرز الذوق والأدراك .

نحس الوعي

من هذه الرؤية نحس بقيمة وأهمية الوعي وفعله في المشهد الفني وأرتباطه بالمجتمع ، لأنه ظاهرة تستطيع نقل صورة صادقة عن حياة الناس . هذا التنوع وهذا الألمام بالصنعة الفنية لا يخضع لوتيرة واحدة في الكتابة أو نمط أنفعالي واحد بل يتخطى ذلك للتعبير عن كل الأنفعالات الأنسانية . الوقوف أمام هذا الكم الجميل من القصص يشعرني أن بداخلها رؤية ومسؤولية واحدة وتوجه أنساني واحد وهموم وأرهاصات واحدة تصب كلها في هم الأنسان وصراعاته ،وهذا أثبات لا يقبل الشك بقدرة الكاتب ورؤيته ووعيه وحسه اللغوي على تأشير نقاط وأدارة مشوار فني وقصصي بشيء من المسؤولية. مسؤولية تبعث قابلية ومثابرة لا تغمط أطلاقا أية شخصية أو موقف أو رؤية وهذا بحد ذاته هو النجاح والتجربة . لأن الأجواء المهيأة له هي من تعمق الأحساس بالفكرة وهي من تعينه على الأستعانة بالسردية الفنية التي توظف الدلالات والصور وتغني اللوحة النفسية بكل التفاصيل والأبعاد. ومن قصة أحياء حلم (لا أستطيع تصديق فلسفة حياة أخرى ما بعد الموت ، لأنني وببساطة متناهية لا أطيق تحمل حياة ثانية تفترسها التعاسة كتلك التي أعيشها الآن . وعلى الرغم من كوني لست مرغما على الأيمان بما لا أعتقد ، فقد عملت على أعادة برمجة الفكرة في رأسي فوجدتني أتمسك بها وأصدقها بشدة عسى أن أتمكن من أحياء أحلامي الميتة ). هذه القصة التي تحمل المفاجآت والتدفقات اللغوية عكست أزمة نفسية حادة على الذات الأنسانية ، وطأة هذه الأزمة الغرابة والوحدة ، لأن العيش المفرد يفرز واقعا قاسيا ومملا على الأنسان ويفرز أيضا نكوسا ، صعوبته وأثره على السلوك. هذا التوصيف الدلالي في القصة لا يبعث ولا يشكل مسار هروب من دائرة الآخرين ، لأنه حالة خاصة حالة يوظفها السرد القصصي بتقنية فنية معبرة تكشف زيف بنية الحياة التي يسيطر عليها شلة من التافهين مغيبي الوعي ، فالجرأة في الطرح والتناول أستطاع نهار حسب الله وبما يملك من قدرة ودربة أيصالها للمتلقي بصورة مقبولة محملة بآراء وأفكار ورؤية جديدة تبعث حقيقة وغرابة المشهد ، لأن طرح هذا الأمر وبهذه الصورة يجسد معنى أخر للحقيقة والرؤية بمنظور تأملي أنساني ينظر للكون والموت والحيا ة بواقعية مرتبطة بمنطوق الهاجس اليومي الذي يراود الأنسان أذا التباين في الرؤية عند شخصية القصة يعد حالة خاصة تعانق وعيا ليس بالأمكان وجوده بسهولة ، أنما يحتاج لتأمل ومراجعة تفضي لحقيقة يمكن التمسك بها ، فزج الكاتب حدثه وموضوعه في تلك الأجواء الغريبة والجديدة له ما يبرره. لغة القصة كانت لغة عنيدة وغنية أفادت المنجز القصصي الناضج وأستجلت المادة الجمالية والنفسية في أسلوب جمع المزاوجة بين المقاطع المتنوعة وربطها بما يماثلها في الحاضر حيث أسبغ عليها خيالا خصبا مليئا بصور وأفكار وتداعيات أقتربت كثيرا من النضج الأنساني. فالقصة القصيرة جدا تعد فن الأيجاز والتركيز ، فن له مواصفاته ليس من السهولة الولوج اليه ما لم يكن للكاتب ذكاء من نوع خاص يضاف الى قدرة كبيرة من الأبداع تؤهله من الغوص بفن واسع كثير المنعطفات والرؤى. ففي قصة أوجاع ( عندما تموت الكلمات ، وتسلب لغات العالم كلها ،حتى لغة الأشارة وتقطع الألسن قبل الأصابع وتفقأ العيون وتتحول الدموع الى رماد .حينها فقط نصغي الى ما ينطق به نبض القلب ) . جاءت القصة متفاعلة بصدق مع تجربة الكاتب المليئة بهموم وأبعاد ورؤية صنعت نسيجها وبناءها بلغة قصصية تصعيدية ، لغة أستلها من واقع مرير فيه الكثير من الأحاسيس فكانت تحمل أكثر من معنى وبعد ، كون الكاتب لا يقف متأملا العالم أنما يتفاعل معه ويشكله بالطريقة التي يراها . الممتع والجديد في القصة هو ذلك الأستقصاء الدقيق للنبض السري المضطرب في بقعة مهملة من الوعي الأنساني أو زاوية قابعة في ظل السياق من زوايا التجربة الأنسانية حيث الحياة تنساق تحت وطأة تيار عاصف تفجر من عمق سري فيه الصمت يتداخل مع أدق الأصداء .

رغبة وفعل

ما ميز القصة عن غيرها ذلك المزيج من الرغبة والفعل ومن الرعب والتطلع ، لأن الحالة المنبثقة منها مكثفة تتوهج ضوءا وسط عتمة يتسرب فيه كل شيء كالنداء الناعم الخفي الذي يستحيل في لحظة الى يقين سحري . لذلك أمتلكت القصة وباقي القصص نبرة خفيضة متوهجة يجهد الكاتب أن يبقيها سرية محاطة بليل ، ليل يكشف أدق الأشياء فيبقى المشهد محصورا بين الأنفتاح والقتامة .هذا التناول القصصي للحياة يمر عند الكاتب بأرهاص قاس فيه ألم وتردد لا يمكن الركون اليه بسهولة أنما يجب أحضار كثير من السبل التي تظهر الشيء بمسؤولية تكون قريبة من الطموح و الغاية . اللافت في مجموعة جنون الضحك للكاتب نهار حسب الله أن الكاتب متمكن من متابعة وتوصيل تجارب أبطاله بقدرة عالية على رصد التفاصيل والمتابعة المتأنية للحركات وأهتزازات الأنفعال الذي يصنع للقصة اللحمة وسداها ضمن الحرص على تناوب الضوء والظل في نسج المشهد القصصي . الثيمة الأساسية في المجموعة القصصية هي وحدة الأنسان المغترب في وطنه أو المطارد و المحاصر الذي تحكمه رغبة جنونية في أن يمارس فعلا يؤكد بموجبه ذاته ، لأن الفعل القصصي نبض حياة حبيسة أو متفجرة تواجه الموت المنقض أية لحظة ومن دون سبب . وهذا ماجعل الكاتب وفي أكثر من نص قصصي يعايش نصه ويرصده بدقة ليكون النص قريبا من طقس يقترن فيه الموت بالحياة بل يقترن الموت بالحب أقترانا حارا يمنح القصة نسقا سريا متوهجا . نحاج الكاتب نهار حسب الله بخلق قصصه وأدارتها يعود الى كونه ناجحا في تصوير تجربته بصدق ومسؤولية فضلا عن كفاءته في توصيل المعاني بشكل هادئ بعيدا عن العجالة التي ترميه في متاهة الأخبار السريعة في السرد والتي تسيء للحدث . لذلك مجموعة جنون الضحك قصص واعية ورزنة فيها جهد فني وسلوكي منضبط . نهار حسب الله بارع متمكن من السرد حاذق في رسم الخطط هو أشبه بخياط يجيد التفصيل والخياطة ليخرج بدلة كاملة لا عيب فيها. هذا التوصيف لا يلغي قلة وأقتصاد الكلام ، لأنه لا يميل الى الحشو كونه دقيق الملاحظة عارفا ما يأخذ وما يدع . بناؤه الفني تام ، أجزاؤه متصلة وهذا ما جمع الذهن والأنتباه معا ، الكاتب لا يلح على الهدف بل يترك ذلك للزمن فجاء الأهتمام منصبا على الألم والغربة والهاجس ما جعله ذا نفس مواكب وحريص على قدرة وقوة البناء الفني.