
ديوان تباريح طائر الفرات
إستعارة اللغة والمعنى – محمود خيون
قد يبدو للقاريء والدارس أو الباحث وهو يمعن القراءة في قصائد ديوان الشاعر كاظم ناصر السعدي( تباريح طائر الفرات )،أنه شخص مكبل بالحزن والتيه حد الثمالة، وأن حروفه المرتعشة ما بين السطور والتي أراد من خلالها أن يعرف من حوله بذلك الألم الكبير الذي يتوسد قلبه ويفترس اوصاله وكأنه يعيش حالة من الهستيريا الحادة التي تصل إلى حد الجنون في بعض الاحايين وقد عرف بها شعراء الغرب بعد أن عاشوا مأساة الحرب وويلاتها وعبروا كل حسب قدرته ودرايته وفهمه عن مواقع الخلل والظلم والماساة التي عاش الناس في رحاها وانقذه القدر من شراسة مخالبها ووقائعها المخيفة.
فالقصيدة عند الشاعر كاظم ناصر السعدي قضية عالم متشابكة تتجلى صوره المرعبة أمام مرأى من اتعبه الدهر وقارعه الألم المبرح الذي صار فيما بعد عنده عالم شعري واسع يتسم بالصراحة فيما يعبر ويصف حجم المأساة التي يعيشها …فهو في قصيدة( تعب ) يمثل روحه مثل طير منكسر الجناح. حين تضيق أحلامه بعد أن يتسع فضاء حزنها.. بل نراه يذهب إلى ماهو أبعد حين يردف بالقول..( رحلة أمالي أتعبتني…كيف اصنع من الهواء جدارا…اتكىء عليه؟!..).. وهكذا يواصل السعدي نشيجه الصامت وهو يصارع أهوال زمنه المنكسر المتخاذل كجندي هزم من ساحة المعركة…
وهاهو يعود بنا الشاعر كاظم ناصر السعدي إلى تجليات أخرى من تجليات القصيدة الحديثة التي أمتلك أدواتها وفنونها وسياقاتها في الإيقاع ورسم فيها الدلالة الشعرية وثيمتها التي تمثل لديه العالم الذي يتسع للمزيد من الأفكار والتشعبات التي ترسم مسارات الوزن والموسيقى والإيقاع التي اتسمت بها معظم قصائده .. وكما عرفته منذ أكثر من اربعين سنة يكتب الشعر بأنواعه الموزون بالقافية والنثر والخاطرة والحر الذي يخضع للقافية التي لا تلتزم بعدد التفعيلات بل يقوم بتوزيعها على اشطر القصيدة. مثلما هو الحال في القصائد الأخرى التي كتبها بأسلوب القصيدة الحديثة وافصح عنها في قصيدة( أشجان ) ..( قبل طلوع الفجر…بنصف ساعة…زهرة قلبي…كانت تخبيء أحلامها… تحت وسادة الإنتظار…تنثر الوقت في الهواء….تطرز الصحراء بالواحات….وتعيد صيانة الفراغ…الشتاء…ترك الصقيع على جسدها الناعم.. آه ٍ …قلبي المليء باشجانها…يقف طيره على غصن الذهول صامتا….من كوة الغياب.. تتسرب الأحلام الذابلة….) …وهكذا يضج بنا هذا المشهد الشعري المشحون باختلاجات الشاعر واحاسيسه التي راحت تنفلت بسرعة مذهلة من أعماق روحه المعذبة المتشوقة لحياة يرى فيها ذاته والقليل من احلامه المتسربلة والخائبة تتحقق شيئا فشيئا.. وهذه هي لعمري جمالية القصيدة واكتسابها لروح الشعر ومدلولاته الايحائية والغرائبية في التعبير والوصف وتطويع اللغة ومفرداتها بكل تعقيداتها ورفضها الانصياع للمعنى الذي يريده الشاعر..
لقد ظل الشاعر كاظم ناصر السعدي حبيسا في كهوفه الوثنية التي يتعبد فيها على طريقته بعد أن انزوى عن العالم وعن أقرب الناس اليه وذهب بعيدا يحمل الكثير من المعاني التي إستطاع أن يخرجها من كبوتها ويعيد لها الحياة..
ولم يكن الأوفر حظا من سابقيه من الشعراء الذين عانوا الأمرين بين عالمين متناقضين.. عالم الشعر والهيام في معانيه وعالم التيه والغربة والوحدة التي لازمت حياتهم سواء كانت في الغربة أو في أحضان اوطانهن..لقد عانى الشاعر من ويلات الحرب وعاش غمارها بين السواتر والحجابات الامامية ورأى ما رأى من مأس ودمار وضحايا وحول بعضها الى شكل قصيدة كتبت من عمق جراح الآخرين وأخرى شكلت معادلة رئيسية من معادلات الكتابة الشعرية وثيمتها الأساسية. وربما أتضح هذا الأمر عند الشاعر في قصيدته( نافذة)..التي كان ينظر من خلالها ويشهد لحظة تسرب الوقت من نافذة انتظاره الصعب وهو يعيشه على الرغم من كل محاولاته الإفلات من قبضته الحديدية التي لازمته طوال عمره…ولم تترك له منفذا للخروج إلى العالم الآخر الذي تحيا فيه روح الحرية المنشودة أو الاستقامة والصعود إلى مجد الأماني والأحلام صاحبة الجلالة في قمة روعتها ولحظاتها الهانئة.. ( الوقت..
يتسرب من نافذة الإنتظار
وانا موزع
بين يأس جارح
وافل شحيح الضوء
لم يبق لروحي ما تقتات عليه.
سوى فتات الصبر…
شمس الخيبات
جففت نبع الفرح في قلبي )
هكذا تظل قصائد الشاعر ناصر كاظم السعدي الموزونة منها وغيرها من الشعر الحر أو نثر الحداثة، هي هويته في هذا العالم المتناقض والمتناحر وهي قصائد مجردة من ذاتها لتعبر بين مضامينها الماضي والحاضر الذي إستطاع مزجه فيما يحدث من حوله.. ربما لم يدرك السعدي هو أنه من بين شعراء عصره أو من الذين سبقوه في التجربة والكتابة، قد تمكن من كتابة الشعر بأنواعه وأشكاله واجاد في تصوير معانيه لما يريد وصفه، على الرغم من حجم الدمار والتشرد الذي تشهده أيامه وهو يعيش الوحدة بكل تفاصيلها بعد أن تمزقت أوصال صيرورته تحت ضغوط آدمية شرسة حتى من أقرب الأقربين، وتحول لون الذي يجري في عروقه إلى لون قاتم ومعدوم يحاول جاهدا أن يعبر به إلى شريان الحياة المتعب ليحقق بعد ذلك ديمومة أخرى لوجوده كأنسان مكابر وصبور.. وهذا ما أتضح في خريطة المجهول الذي يلازمه…( دماء تسيل…دراما فجائية….مشاهد اللامعقول.. سيناريو غرائبي…عنق سورياتي…. بانوراما خراب… فصول عبثية….صراخ ديناصورات… وحوش تفترش البراءة…..ظلاميون يداهمون الصباح…..لصوص يسرقون الأحلام…)
إذن يظل الشاعر كاظم ناصر السعدي محتميا بصمته وراء اسيجة فولاذية ليكتب قصيدته الأخيرة ويخطها بلون الحبر الإلهي في لوح الزمن الغابر المؤطر بالوحدانية والعاطفة تمهيدا للانصياع إلى مصير مجهول تحمله قصائد حبلى تنتظر ساعة المخاض…























