نظرات وذكريات
إستئناف تقليم شجرة الإصدقاء – نصوص – صلاح الدين خليل
كانت فتاة بيضاء ترتدي عباءة جالسة على عتبة باب، قلت لها اني افتقدت هذه الديار وساكنيها لاكثر من ستين عاماً وبرح بي الشوق الى أهلها البسطاء فقد تزوجت امرأة برجوازية فارغة لا تعنيها هذه الامور.
فقالت ابن من أنت وها أنت تقف أمامي بعمر أبي.؟
قلت: لا تعرفيني كما لا تعرفين ابي.
قالت: أنا لا أعرفك يبدو انكم قد غادرتم ديارنا قبل ولادتي.
قلت: هذا صحيح غادرنا هذه الديار الحبيبة منذ أكثر من ستين عاماً، ابن من أنت؟
– هذا لا يعنيك فقد أذكرك بشخص قد تعرفه، نحن جيران المختار القديم الذي توفي وأن أبي وامي لم يتزوجا بعد.
– كنت طفلاً وقت أن كان جار أهلك مختاراً. رحمه الله.
وأشارت قائلة: هذا بيته.
وقلت لنفسي هنا يبدو أن التاريخ يجري سريعاً أحياناً وأحياناً اخرى يتباطأ، حيث تتشبثت أشياء بقدمها، وفقدت أخرى قدمها في البناء والمصالح والبشر، كما يجري في عمليات التجميل، وتحولت البيئة الى مجموعة ألات بعضها قديم وبضعها حديث، وتحولت الدور بعد أن كانت مسكونة بالبشر الى مسكونة بالألات، فسميت مناطق صناعية، بعد أن كانت صناعتها محبة الجيران، وقد نسيت تلك الصراعات التي فرقت الشمل وحلت محلها صراعات بأقنعة جديدة.
من شباكي في المقهى المطل على منطقة الميدان، لا أرى إلا مياه المجاري تطفو أو تغور على كل حفرة، وعلى مقربة أناس في وجبة فطور أو غذاء يأكلون شاردي الفكر، يتساقط كل شيء والانسان أولها، وقد تجد فتيات من الجيل الثالث لهذه المحلة وهن يستجدين بوجوه شاحبة، فالحياة بشكلها الماشي الى الوراء لن تتوقف وهي مستمرة على أي وجه من الوجوه، يبدو اننا حتى السقوط لا نحسنه، هنا بائع كباب يدعي انه لا يتعامل باللحوم المستوردة، وعلى قرب منه آخر ينادي حاجة بربع وخليط من الناس والبضائع التي تعافها حتى الزبالة، وفكوك تمضغ الاطعمة، وألسنة تتناقش في السياسة، وخطباء مجانين منهم من أسعفه الحظ فأصبح جلاداً، ومنهم من صرعتهم سيوف الجلاد، ومنهم من أختير له النوم على الارصفة، متصوراً ان الزمن سينصفه يوماً وينتشله من الفقر كثرة الدعاء، ويصعد به الى الذرى والشهرة كما حصل لفلان الفلاني، وها هو يحاول العثور على خاتم سليمان في سوق (الهرج)، أما اليوم فلا بأس من جمع القواطي الفارغة والشرب عند (مامي)ولسان حالة يقول- كل شيء باطل وقبض الريح.
ذهبت مع اثنين من أصدقائي المدمنين الى مخزن للشرب، حيث دخلنا، كان السقف محروقاً والجدران متصدعة ومتقشرة تفوح منها رائحة حريق قديم مهمل، عموماً كان المكان مشوهاً كداخل إنسان حقير، حيث وضعت صناديق الكارتون كيفما اتفق، وهي تحمل أسماء المشروبات، بيرة وعرق وويسكي، ولما كنت غير قادر على الشرب وانا واقف فقد جلست على أحد تلك الصناديق المحشورة بقناني المشروبات، يبدوا انه لم يعد للذوق من مكان، لذا انقطعت عن ارتياد هذا المكان بسبب انه لا يصلح للشرب الا لخدم أرباب العصابات من المدمنين وأصحاب الحظ العاثر.
لا أدري ما سوف يؤول اليه مصير ما اكتب، لست أريد أن أكتب قصة أو خاطرة ولا تاريخاً، ولكني شرعت بالكتابة تاركاً نفسي على سجيتها، فهي تعرف لوحدها ما تنقاد اليه، وسوف يكشف ذلك عن نفسه، فأنا لا أستطيع أن أخطط لما سوف أفعله، وهذا من شأن القلم، وحيث يتوقف القلم عن الكتابة ستتوقف الحياة على الورق، لتعود الى الواقع، وربما هناك من يتسائل كيف يكون الأمر هكذا؟
نعم هو كذلك، فالحياة تنشأ هكذا، ولا يمكن حصر الحوادث فيها ضمن رؤية خاصة، ربما نقول هذا هو الادب أو هذه هي الفلسفة أو ربما ما أكتبه لا يدخل في باب أوتصنيف معين،لقد تداخلت الفكر ولم تعد قادرة على حبس نفسها ضمن سجن المقولات، وانتبهت الى كثرة الكتب المعروضة ابتداء من منطقة الميدان حتى نهاية شارع المتنبي، دخولاً الى سوق السراي هذه الكتب التي تتناسب كثرتها عكسياً مع الثقافة، إضافة الى كثرة المطابع والاصدارات المحلية، وما يردنا من الوطن العربي مؤلف ومترجم، والكتب العلمية منها خاصة التي لا أحد يقتنيها الا ماندر، منها ما يتعلق بالليزر والذرة واستعمالاتها الحربية والسلمية ومثل- عسكرة الفضاء، وهو كتاب ترجمة قبل أكثر من ثلاثين عاماً الدكتور فيصل السامر وهو يتحدث عن سباق التسلح الذي أرهق الاتحاد السوفيتي، وكان أحد المطلعين يتحدث قائلاً: ولكن يبدو ان هذا ليس هو الاسلوب الوحيد الذي أريد به اسقاط الاتحاد السوفيتي، ومن بعده اجهاض الفكرة الاشتراكية والتحرش بالنظرية الماركسية، التي لم تسقط كنظرية بل سقطت كتطبيق شائه على يد ستالين، ومن الخطأ النظر لهذه النتيجة بتفسير واحد بل الاستعانة بتفسيرها بعدة عوامل كما علمياً علمتنا فلسفة التاريخ فالبناء يفسر بعامل واحد أما الهدم فيجب أن تتوفر له عدة عوامل، هذا الصراع الذي دام بين حضارتين كانت واحدة تتأهب لأسقاط الاخرى.
وان هذه الحرب لم تكن بين اناس من طراز واحد وأسلوب واحد، فأمريكا قد استعملت كل سلاح وكل اسلوب فاجهضت حكومة وليس نظرية، حكومة كانت تبني وتحاول أن تثبت وجودها بالطرق الصحيحة، بينما كانت أمريكا تحاول أن تنتصر بما هو مناسب، وبكل اسلوب يمكن أن يستعمله رجل ذكي ولكنه بلا شرف وهمه فقط أن ينتصر. (1)
كنا نجلس نتحدث عن هذا الموضوع أنا وبعض الاصدقاء ولم يكن بيننا من هو مختص بالفلسفة والسياسة أو علم الاجتماع، وكيف تنشأ الحضارات وكيف تسقط، الا أننا كنا نرى اضافة الى ما عندنا من فكر فهناك عاطفة، باتجاه هذا الفكر تقودنا الى ما يؤذي فطرتنا أو يناقضها، أن العصر أصبحت حضارته متقاربة فهو قد فقد هويته كما أن وسائل الانتاج في كل العالم تلبي حاجات الانسان نفسها في كل مكان سوفياتيا كان أم امريكياً، شرقياً أم غربياً، حيث أصبح الصراع دائراً حول تسديد هذه الحاجات.
وأصبح الفكر الصحيح في خطر بحيث أصبحت الحاجة الى رجل الكهرباء وعامل المجاري أهم من الحاجة الى الفيلسوف وهذه كارثة تضاف الى كارثة فقدان الهوية. والولاء للوطن والقومية والانسانية.
ومن بين من تعرفت عليهم الناقد السينمائي أبو علي سرنا معاً وحدثني عن أسمهان كثيراً وأراني فيما بعد صوراً مع الممثلة المصرية سعاد حسني عندما كانت مشتركة في فيلم- القادسية- في العراق، وكانت الصور تبديه شاباً أنيقاً ووسيما أسعفنا بمعلوماته الغزيرة، جلسنا في مقهى الشابندر وكان هناك الشاعر لعيب الطاولي والدومينو الذي يدعي انه يقرأ خمس عشرة ساعة في اليوم حيث لا يتبقى في يومه ما يكفي للعب والاكل والنوم شيئاً، وقد علمت ان صاحبي الناقد السينمائي وهذا الشاعر متخاصمان.
كما رأيت بعض النساء وحيدات أو بصحبة أزواجهن، ولم أجد في هذا دلالات مما يقال عن تحرير المرأة إلا اذا اعتبرما الجانب الشكلي من الموضوع.
بعد هذا لا انكر ان صاحبي أبا مازن كان لي خير دليل وخير مفتاح أو كوة إطلعت من خلالها على مقاهي منطقة الفضل ومطاعمه الشعبية، وقد عرفني على مطعم شعبي لا ينقص طعامه إلا الديكور وملابس- السموكن- ودفتر الاسعار المجلد.
أما خليط الناس خارج المقهى يؤلفون في الغالب لوحة ناطقة بالفقر، إذ كانوا يأتون بحاجات يدعون انها ذات قيمة، وما هي الا من سقط المتاع، يفرشون تحتها البطانيات التي ينامون عليها ليلاً، وينادون حاجة بربع، فاذا مرت على ذلك ساعات، أخذوا ينظرون الى بعضهم بعضاً، ثم يمضون في سبيلهم، حيث، يأوون الى تبقى من بناية متروكة وقد يلجأ بعضهم الى الاستجداء في مناطق عدة من بغداد من بينها شارع الشيخ عمر حيث ان الميكانيكيين هناك كرماء.
وبين هذا وذاك كنت التقي بفتاة شاحبة، عمرها لا يتجاوز العشرين سنة ولكنها تبدو في الخامسة عشرة بسبب نحولها وهي من الجيل الثالث من أسلافها بائعات الهوى من سكنة الميدان، اللائي قد رحلن قبل أكثر من خمسين عاماً الى منطقة تدعى- الكمالية-، وكانت تعرض للبيع أسمالاً.
وفي إحدى المرات قطعت زقاقاً كنت أتحاشى النفاذ منه بسبب مياه المجاري، وكدت أغير طريقي راجعاً، فنادتني وهيأت لي موطئ قدم على طابوق وضعته حيث عبرت.
سألتها من أنت؟ فقالت: أنا لا أسم لي يناديني أهل المنطقة باسم جدتي فاتن، وقد أعطيتها ما قد يوفر لها- لفة- وقدح شاي. كانت تحمل عدداً قديماً باليا من مجلة الكواكب المصرية.
هذه هي المرة الثانية التي أخرج فيها مع صديقي أبي مازن الى الجامع الكبير ملتقى الجوعى والفقراء، كان المصلى بارداً بحيث يشعر الفرد انه قد انتقل الى واحد من أشهر الشتاء، وكان يعمد البعض للخروج أحياناً للجلوس في الظل الخارجي الذي تتجاوز حرارته 45 درجة مئوية، ثم يعود ليتبرد، وكان يفعل ذلك العديد من الرواد، حيث يشربون الماء البارد من الحنفيات العشر المتصلة بالخزانات المبردة تبريداً جيداً، وكان الداخل يمر يومياً بنساء متسولات أكثرهن عجائز ما بين الستين والسبعين من العمر، بينهن واحدة تجلس على كرسي متحرك بعجلات تدخن أحياناً، كانت التكبيرة الى الصلاة قد بدأت قبل قليل، فاحتشد الناس في المغاسل المهيئة تهيئة مناسبة وجيدة، فهم يتوضأون وبعضهم يغسلون ملابسهم وأجسامهم في نفس الوقت ثم يخرجون الى الشمس، وهؤلاء جلهم من الفقراء الذين لا مأوى لهم غير الجوامع يلجأون اليها من حر الصيف وزمهرير الشتاء.
نادى المؤذن قد قامت الصلاة بعد التكبيرة الاخيرة.
فاصطف الناس وراء الامام ذلك الشيخ الرهيب ذو اللحية المتروكة منذ سنين والنظرة الغاضبة، وكان المصلين يعمدون الى الكراسي يجلسون عليها لأن القيام والعقود يتعب أجسامهم أما بسبب السمنة وتجمع الشحم لدى البعض منهم وأما بسبب كبر السن، وكان ذلك أحد أيام رمضان حيث يوزع التمر واللبن قبيل الصلاة، فكنت ترى خليطاً من الناس من مناطق عدة تأتي من الصدرية وفضوة عرب وباب الشيخ وقنبر علي والفضل، بينما تتكاثر العوائل خارج الحضرة قبيل الفطور وهن يفترشن الارض بفرش مهيئة لهذا الغرض وقد تزودن بالفطور من بيوتهن، مثل إلشوربة والتمر واللبن والدولمة التي جيء بقدرها والكبة والدجاج المشوي في انتظار أذان المغرب.
حاشية
1- تعقيب مأخوذ من كتاب (درس القرن العشرين) وهو مقابلة أجريت مع- كارل بوبر- تكلم عن أمكانية الاتحاد السوفيتي عام 1962 بتدمير أمريكا بواسطة القنبلة الهيدروجينية التي اخترعها العالم الروسي- سوخاروف- علماً ان قوة هذه القنبلة ثلاثة ألاف ضعف القنبلة التي القيت على هيرو شيما.
والملاحظة التي ألقاها بوبر: أعتقد ان لا أحد من فريق القادة السوفييت، كان يأخذ الماركسية مأخذ الجد، فلم تكن إلا وسيلة لتدعيم النظام وإطالة بقاء الاشياء.
الكتاب: ترجمة وتقديم وتعليق د. الزواوي بقورة بالاشتراك مع خضر مذبوح.
الدار العربية للعلوم ناشرون- منشورات الاختلاف
2- وفي تعقيب آخر، قال لمور ليفي شتراوس من الدروس التي تعلمتها من ماركس هي- ان الوعي يخادع نفسه فالوعي يقترح طريقاً ويفضي الى طريق أخر.
وبسبب ذلك يظل الانموذج النظري مجزوء التحقق ذلك ان اللامتوقع يمكر بالمتوقع والمتنبأ به لا يتخفف من المفاجأة).
المرجع- أ.د. أفراح لطفي عبد الله- كلية الاداب/ جامعة بغداد قسم الفلسفة.
دراسات فلســـــفية- بيت الحكمة. العدد 23/ لعام .2009
























