أيها الولد الرسالة الأربعون – مقالات – ناجي التكريتي
اعلم ان المجتمع- كل مجتمع- يزخر بالمشكلات، وكل مجتمع يتكون من اناس مختلفين في المشارب، وربما في العقائد، حتى لو كانوا يدينون بالدين نفسه، وهم ينتسبون الى أرومة واحدة. لا بد اني ذكرت لك في رسالة سابقة، ان كل فرد هو عالم قائم به وحده، له نوازعه الخاصة ورغباتة التي قد لا يشاركه فيها أحد. هناك عوامل كثيرة تخلق هذه الاختلافات، وتكون سبياً مباشراً في ما تراه امامك من مفارقات. الحياة الاقتصادية لكل شخص تضعه في موضع معين ينطلق منه في نظره الى الآخرين امامه، كما ان المكانة الاجتماعية تؤثر في الفرد، من حيث يدري ام لا يدري. ايها الولد– اعلم ان الانسان كائن محاور، وهو الكائن الوحيد من بين المخلوقات التي تميز بالعقل، الذي يدفعه الى الجدل في ما يراه امامه من قضايا طارئة، او في ما يكتشف من رؤى، يود ان يفسرها او يستمتع الى من يفك له مغاليقها. ايها الولد– اذا وجدت نفسك تقع في حوار مع احد، سواء آكان هذا الحوار مقرراً من قبل، ام انه استحدث عفو الخاطر في جلسة طارئة. ايها الولد– ترفق بنفسك، أي نعم ترفق بنفسك، هكذا اوصيك منذ البداية، قبل ان تكون هادئاً متأيناً مع الآخر. انك ان ثرت في كلامك، او اذا اردت ان تربح المسألة المطروحة على بساط البحث، في الصياح والزعيق، او اذا صرت حاد الكلام، فانك لن تكون رابحاً حتى لو كان الحق بجانبك. ايها الولد– اعلم ان لك عقلاً، فاتخذ منه معياراً عادلاً متوازناً، في اصدار الاحكام، من دون انحسار ولا اندفاع. وهل انت بحاجة ان اضيف، فاذكرك بان لك لساناً واحداً واذنين. اسمع اذن ما يقوله المقابل وما يطرحه من حجج، وانت تتأمل آراءه بكل روية واناة، بعد ذلك، يمكنك ان تدلي بما عــندك بكل حزم وثــــــــقة واقتدار. ايهــــا الولد كن دمـــــثاً متعففاً، حين تجابه جليسك، واختر ارق الكلمات واجمل العبارات، وانت ترفدها بالحجج الدامغة، بحسب اجتهادك واعتقادك. البساطة مطلوبة بالحديث في هذا المقام، من غير إدعاء ولا تظاهر بالكبرياء. هل يرضيك، اذا ما اوصيتك ان تشعره بانه اعلم منك واوسع مدى واكثر معرفة، ثم حاول ان تظهر له خطأ اعتقاده وزيف افكاره. حاول ان تجعله يثق بنفسه، ولا بأس ان تبدي امامه صفة المتعلم الذي يريد ان يستفيد منه، ولكن حاول ان تفحمه بالتلميح اكثر من التصريح. اظهر تواضعك ما استطعت، واطرح مدركاتك العقلية دون تبجح، واشعره بمقدرتك دون كبرياء، وافهمه انه على خطأ، من غير ان تشعره با لانكسار.


















