
أين الاستهزاء مِنَ المزاح ؟ – حسين الصدر
-1-
جاء في التاريخ :
” أنّ رجلاً تقدّم الى عبيد الله بن الحسن – وهو قاضي الكوفة – فمازحهُ عبيدُ الله فقال :
جُبُتُكَ هذه مِنْ صُوفِ نَعْجَةٍ أوصوُفِ كبش ؟
فقال له :
لا تَجْهل أيّها القاضي .
فقال له عبيد الله :
وأينَ وجدتَ المِزاح جهلاً ،
فتلا عليه قوله تعالى :
{ أَتَتَّخذونا هُزُواً } البقرة /67
فأعرض عنه عبيد الله لأنّه رآه جاهلاً لا يَعْرفُ المَزْحَ مِنَ الاستهزاء..!!”
لقد كان القاضي رقيقا شفافا أراد مداعبة صاحب الجُبّةِ الصوفيّة، ولكنّ الأخير كان صخريَّ المزاج ، بعيداً عن التفاعل المطلوب في مثل هذه المواطن ..!!
-2-
وأمثالُ أصحابِ الجُبّةِ الصُوفيّةِ موجودون في كل زمان ومكان
انهم يحرمون أنفسهم من متعة التلذذ بما أباحه الله تعالى من ألوان الترويح عن النفس، كما أنَّ أمثال القاضي المذكور موجودون في كل زمان ومكان ولا يكفون عن المزاح في أصعب الظروف .
سمعتُ احد الاعلام وهو ينقل عَنْ أهالي كربلاء المقدسة أنَّهم اصطفوا سماطين لتوديع العلماء الذين صدر القرار بتسفيرهم من البلاد في عشرينيات القرن الماضي وكان على رأسهم المرجع الاعلى السيد ابو الحسن الموسوي، واية الله العظمى الشيخ النائلي، وجملة مِنْ أفاضل العلماء وأعيانهم، وكان منهم السيد حسن الخراساني – المشهور بِظَرَفهِ – والذي لم يتمالك نفسه حين راى الناس يودعون ويبكون وينادون :
يا حسين ، فقال
أما فيكم مَنْ ينادي يا (حسن) ..!!
-3-
ليس المزاح بِدْعَةً ينفر منها الصالحون ، بدليل أنَّ أصحاب السير وجميع المؤرخين لحياة الرسول المصطفى محمد (ص) ذكروا مزاحه وأوردوا الأمثلة عليه .
كقوله (ص) للعجوز (لا تدخل عجوزٌ الجَنَّة) فَلَمْ تَفْهَمْ حقيقةَ ما أراده (ص) فأخذت تبكي وتندب حظها ثم قيل لها :
انّ الجنان لن تدخلها العجائز لأنَّ الله سبحانه يُدْخلهُنَّ الجنَّةَ وَهُنَّ في أحسن الأوضاع …!!
-4-
وقالوا عن امير المؤمنين الامام عليّ بن ابي طالب (عليه السلام) (انه ذو دُعابة( وما دَرَوْا انّ هذه الدُعابة هي من أروع سمات الطيبة والسمو النفسي والأخلاقي .
وبالتالي فهي منقبةٌ وليست بمثَلَبة .
-5-
والمزاح هو مِلْحُ المجالس عند فريق كبير من العلماء والأدباء والظرفاء في محادثاتهم وحواراتهم اليومية حتى لكأنّه الخبز اليومي للكثيرين منّهم…
قدّم أحد المؤمنين الوصية التي تركها أبوهُ الى أحد العلماء في النجف الأشرف فبادره العالم سائلا :
ألم يُوصِ أبوك لنا بشيء ؟ ..!!
في منحى بالغ الدلالة على الرقة والشفافية في التعامل مع الناس .
-6-
واذكر اننا تسلمنا برقية من (دراويش اصفهان) يباركون فيها قيام المجلس الأعلى فقلتُ مازحاً :
إنّ الدراويش باصفهانِ
قد بَعَثُوا برقيةَ التهاني
وبَاركُوا مَجْلِسَنَا المعظّما
صلّى عليهِ رَبُّنا وَسَلّما
وَنَشَر أحدُ الأصدقاء أبياتا له في العيد، ولم تكن حائزة على المواصفات المطلوبة – فعلقّت عليها مازِحَاً بالقول :
يا ناظمَ الشعرِ بيومِ العيدِ
نَأَيْتَ عَنْ مرافئِ التجديدِ
شَتَان بَيْنَ القَصْدِ والقَصيدِ
أينَ (الفسنجونُ) مِنَ الثريد ؟
وكان لنا صديق لا يمل من المكرّرات ، والناس – كما تعلمون – يُعادون المُعادات، فقلنا بصيغة المزح بمكرراته :
سلامٌ على رَبّةِ الحُسْنِ ليلى
صَباحاً وظهراً وعَصْراً وليلا
وأورد الاديب الكبير الاستاذ جعفر الخليلي في كتابه الممتع (هكذا عرفتهم) عن ظريف نجفيّ خاطب أحد أصحابه بالقول :
لَوْنُكَ كالوردِة أحمرْ أصفَر
لكنّكَ ( بحامضِ حُلو ) تُتِقَشْمَرْ !!
وهذا غيض من فيض …
والسلام على الظرفاء والمازحين الذين لا يخرجون من المزح الى ما لا يليق ولا يجوز.
وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربِ العالمين .
























