أيام الآمال العريضة – محمد عبد المحسن

أيام الآمال العريضة – محمد عبد المحسن

يا عشگنا فرحة الطير اليرد لعشوشه عصاري

يا عشگنا وبصوابيط العنب ونحوشه عصاري

گاعنا فضة وذهب واحنا شذرها

وشْحَلات العمر لو ضاع بعمرها

خذني للمرواح عود

خذني سن لمنجلك

وخل يوج ضي الخدود

شمعة وبديرة هَلَك

أخذتني كلمات الراحل زهير الدجيلي هذه التي اقترن فيها الغزل بالطموح والعمل والتفاؤل وصورة المستقبل وترنمت بها شوقية العطار وفؤاد سالم ذات يوم ، وأعادتني عربة قطار الزمن إلى الوراء ، إلى سنوات منتصف السبعينيات حين كانت الآمال ذهبية كسنابل القمح التي تملأ الحقول في موسم الحصاد ، وكانت السواقي تمتلئ بمياه الخصب والحياة فترتسم على وجه الماء زرقة السماء ونجومها ، وتندفع السواعد والعقول بهمّةٍ وقودُها حماسٌ وإيمان فتصلح الأرض في الشحيمية والدواية والدلمج وسواها فتزهر الآمال في النفوس وينتعش تفاؤلٌ لا يرى خطاً للنهاية .

بجانب إصلاح الأرض كانت سواعد وعقول أخرى تخطط وتعمل ، وعجلات إنتاج تدور في مصانع تتزايد وتتطور ، ومعها يتضاعف الأمل وينمو الطموح .

في تلك الأيام كان كثير ممن تغرّبوا يعودون لبناء وطن يفتح لهم ذراعيه ويجدون فيه غدهم الواعد ؛ وكنا ، نحن الذين لم نكن نعرف من العالم سوى هذا الوطن الذي كان لنا عالماً وحيداً عزيزاً ، نجتهد من أجل مستقبل في هذا العراق ولا تمتد أبصارنا إلى ما وراء حدوده ، ولا نتخيل أطفالنا يلهون ويدرسون في غير ملاعبه ومدارسه ولا يبنون مستقبلهم إلّا فيه .

لم نكن نتوقع أن نرى المستحيل يحدث بيننا وعلى أرضنا ، وأن تتبدد بيادر الخير وتتهاوى صروح البناء ، وتجف منابع الخير وتتصحر الحقول ويصبح هجر الوطن أمنية العقول والسواعد الشابّة بفعل يأس لم يكن في الحسبان .

الأسباب معلومة لا تحتاج إلى إمعان تفكير، وعلاجها لا يتوقف على خبرة جهبذ.