أوهام بديلة:تشظي الهوية الوطنية في العراق ما بعد 2003- د. صالح السراي

ملخص‭  (‬Abstract‭ ‬‭ )‬

تتناول‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬أزمة‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العام‭ ‬2003،‭ ‬وتكشف‭ ‬عن‭ ‬الآلية‭ ‬التي‭ ‬حلت‭ ‬فيها‭ ‬الهويات‭ ‬الفرعية‭ (‬الطائفية،‭ ‬العشائرية،‭ ‬القومية‭ ‬الضيقة‭) ‬محل‭ ‬الهوية‭ ‬الجامعة،‭ ‬محوِّلة‭ ‬إياها‭ ‬من‭ ‬إطار‭ ‬للانتماء‭ ‬إلى‭ ‬سلاح‭ ‬للتفكيك‭. ‬تعتمد‭ ‬المقالة‭ ‬على‭ ‬المنهج‭ ‬النقدي‭ ‬التحليلي‭ ‬في‭ ‬تشريح‭ ‬خطاب‭ ‬هذه‭ ‬الهويات‭ ‬وتجلياتها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬استنتاج‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬العراقي‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬فراغ‭ ‬وجودي‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬صراع‭ ‬‮«‬الأوهام‭ ‬البديلة‮»‬‭. ‬تختتم‭ ‬الدراسة‭ ‬بتأكيد‭ ‬أن‭ ‬تجاوز‭ ‬هذا‭ ‬المأزق‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬بشعارات‭ ‬طوباوية،‭ ‬بل‭ ‬ببناء‭ ‬عقد‭ ‬اجتماعي‭ ‬جديد‭ ‬يعترف‭ ‬بالتنوع‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬المواطنة‭ ‬المتساوية،‭ ‬ويدعمه‭ ‬مشروع‭ ‬ثقافي‭ ‬وتعليمي‭ ‬جاد‭.‬

المفتايح‭: ‬الهوية‭ ‬العراقية،‭ ‬الطائفية‭ ‬السياسية،‭ ‬العشائرية،‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الصراع،‭ ‬المواطنة،‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭.‬

مقدمة‭: ‬من‭ ‬السؤال‭ ‬الوجودي‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة

‮«‬أخطر‭ ‬أنواع‭ ‬الاحتلال،‭ ‬هو‭ ‬احتلال‭ ‬الهوية‭.‬‮»‬‭ ‬مالك‭ ‬بن‭ ‬نبي

‮«‬حين‭ ‬تُقنّن‭ ‬الهويات،‭ ‬تُشرعن‭ ‬الحروب‭.‬‮»‬‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد

‮«‬الهوية‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تُولد‭ ‬من‭ ‬الصدفة،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬الوعي‭.‬‮»‬‭ ‬فرانتز‭ ‬فانون

لم‭ ‬يعد‭ ‬سؤال‭ ‬‮«‬من‭ ‬أنا؟‮»‬‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬العراقي‭ ‬الراهن‭ ‬مجرد‭ ‬تساؤل‭ ‬فلسفي‭ ‬ذاتي،‭ ‬بل‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬معركة‭ ‬تُحدد‭ ‬فيها‭ ‬الولاءات‭ ‬وتُوزع‭ ‬فيها‭ ‬الحقوق‭ ‬والموارد‭. ‬يشهد‭ ‬العراق،‭ ‬منذ‭ ‬التحول‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2003،‭ ‬عملية‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬قسرية‭ ‬للهوية،‭ ‬حيث‭ ‬اختطفَ‭ ‬المفهوم‭ ‬الوطني‭ ‬الجامع‭ ‬لمصلحة‭ ‬هويات‭ ‬فرعية‭ ‬مغلقة‭. ‬تتحول‭ ‬الهوية،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬من‭ ‬جذر‭ ‬يغذي‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬قيد‭ ‬يخنق‭ ‬الفرد‭ ‬والمجتمع‭ ‬معاً‭. ‬تهدف‭ ‬هذه‭ ‬المقالة‭ ‬إلى‭ ‬تشريح‭ ‬تشكل‭ ‬هذه‭ ‬الأوهام‭ ‬البديلة‭ (‬الطائفية،‭ ‬العشائرية،‭ ‬والقومية‭ ‬الأثنية‭ ‬المتطرفة‭) ‬وآلية‭ ‬عملها‭ ‬في‭ ‬تفكيك‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الفراغ‭ ‬الهوياتي‭ ‬تهدد‭ ‬فكرة‭ ‬الدولة‭ ‬ذاتها‭. ‬السؤال‭ ‬المركزي‭ ‬الذي‭ ‬نحاول‭ ‬مقاربته‭ ‬هو‭: ‬كيف‭ ‬تحوّلت‭ ‬الهوية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬إطار‭ ‬شامل‭ ‬للانتماء‭ ‬إلى‭ ‬سلاح‭ ‬للتفكيك‭ ‬الداخلي،‭ ‬وما‭ ‬السبل‭ ‬الممكنة‭ ‬لاستعادة‭ ‬وظيفتها‭ ‬الجامعة؟

1‭. ‬فائض‭ ‬الأقنعة‭: ‬الهوية‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬إلى‭ ‬الوصمة

لم‭ ‬تعد‭ ‬الهوية‭ ‬ذلك‭ ‬الانتماء‭ ‬العفوي‭ ‬الذي‭ ‬يتشكل‭ ‬عبر‭ ‬التفاعل‭ ‬التاريخي‭ ‬والثقافي،‭ ‬بل‭ ‬غدت‭ ‬سلاحاً‭ ‬أيديولوجياً‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬النخب‭ ‬السياسية،‭ ‬وأداةً‭ ‬لتبرير‭ ‬القتل‭ ‬الجماعي‭ ‬تُرفع‭ ‬باسم‭ ‬الطائفة‭ ‬أو‭ ‬الأصالة‭. ‬لقد‭ ‬بات‭ ‬كل‭ ‬عنصر‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬الثقافة‭ ‬مؤهلاً‭ ‬لأن‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬هوية‭ ‬قاتلة‭: ‬اللهجة،‭ ‬الطقوس،‭ ‬العادات،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬طريقة‭ ‬دفن‭ ‬الموتى‭. ‬نحن‭ ‬إزاء‭ ‬فائض‭ ‬هوياتي،‭ ‬وليس‭ ‬نقصاً،‭ ‬وهذا‭ ‬الفائض‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مقصلة‭ ‬تقطع‭ ‬أوصال‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ (‬الوردي،‭ ‬1965‭).‬

صار‭ ‬الفرد‭ ‬يُعرَّف‭ ‬بمذهبه‭ ‬قبل‭ ‬اسمه،‭ ‬وبعشيرته‭ ‬قبل‭ ‬كفاءته‭. ‬وكلما‭ ‬تعددت‭ ‬الأقنعة،‭ ‬تلاشت‭ ‬الملامح‭ ‬الإنسانية‭ ‬الأساسية‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الهوية‭ ‬تُبنى‭ ‬عبر‭ ‬الوعي‭ ‬النقدي‭ ‬والاختيار‭ ‬الحر،‭ ‬بل‭ ‬تُفرض‭ ‬كوصمة‭ ‬وجودية‭ ‬تحدد‭ ‬مصير‭ ‬الفرد‭ ‬منذ‭ ‬الولادة‭. ‬الأسوأ‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التشوّه‭ ‬يُسوَّق‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬وفاء‭ ‬للتراث‭ ‬وحماية‭ ‬للأصالة،‭ ‬فيغسلُ‭ ‬العقل‭ ‬بمزيج‭ ‬من‭ ‬الجهل‭ ‬المقدس‭ ‬والخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬المغذي‭ ‬حتى‭ ‬يرى‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬الانقسام‭ ‬شرفاً،‭ ‬وفي‭ ‬الانغلاق‭ ‬حصانة‭. ‬الهوية‭ ‬الجامعة،‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬وعاءً‭ ‬للضمير‭ ‬الجمعي‭ ‬ومجموعةً‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬والقواسم‭ ‬المشتركة،‭ ‬تتحول،‭ ‬عندما‭ ‬تُستبدل‭ ‬بهويات‭ ‬فرعية‭ ‬متصارعة،‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬رئيس‭ ‬في‭ ‬تمزيق‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وتهديد‭ ‬استقرار‭ ‬الكيان‭ ‬الوطني‭ ‬برمته‭ (‬غليون،‭ ‬1993‭).‬

2‭. ‬العراق‭: ‬مرآة‭ ‬مكسورة‭ ‬لتشظي‭ ‬الهوية

الحديث‭ ‬عن‭ ‬الهوية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬ترفاً‭ ‬فكرياً،‭ ‬بل‭ ‬مسألة‭ ‬وجودية‭ ‬ملحة‭. ‬في‭ ‬بلد‭ ‬تنخره‭ ‬الولاءات‭ ‬الطائفية،‭ ‬وتلتهمه‭ ‬النزعات‭ ‬القومية‭ ‬المتطرفة،‭ ‬وتُكمّم‭ ‬إرادته‭ ‬العصبيات‭ ‬العشائرية،‭ ‬يصبح‭ ‬سؤال‭ ‬من‭ ‬نحن؟‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحاً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭. ‬إنها‭ ‬ليست‭ ‬أزمة‭ ‬ثقافية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كارثة‭ ‬أخلاقية‭ ‬نلمسها‭ ‬كلما‭ ‬نظرنا‭ ‬في‭ ‬مرآة‭ ‬الوطن‭ ‬فلم‭ ‬نرَ‭ ‬وجهاً،‭ ‬بل‭ ‬خارطة‭ ‬نزاع‭ ‬دموي‭. (‬صالح‭ ‬السراي،‭ ‬2025‭)‬

الهوية،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬هي‭ ‬انعكاس‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬مرآة‭ ‬الوطن،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬صارت‭ ‬مرآة‭ ‬مكسورة‭. ‬يتشظى‭ ‬فيها‭ ‬الوجه‭ ‬بين‭ ‬انتماءات‭ ‬متضادة،‭ ‬فيغدو‭ ‬المواطن‭ ‬تائهاً‭ ‬بين‭ ‬هويات‭ ‬تسرق‭ ‬منه‭ ‬اسمه‭ ‬الإنساني‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تمنحه‭ ‬أية‭ ‬حماية‭ ‬حقيقية‭. ‬فأين‭ ‬تكمن‭ ‬هوية‭ ‬الوطن؟‭ ‬أفي‭ ‬الجغرافيا‭ ‬التي‭ ‬تماهت‭ ‬مع‭ ‬الوحل؟‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الذي‭ ‬حوّلته‭ ‬السرديات‭ ‬المتنافسة‭ ‬إلى‭ ‬سجل‭ ‬للانتقام؟‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬النشيد‭ ‬الوطني‭ ‬الذي‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬مرثاة‭ ‬بلا‭ ‬روح؟‭ ‬الهوية‭ ‬ليست‭ ‬راية‭ ‬ترفع‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬وعي‭ ‬جماعي‭ ‬يتجاوز‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة،‭ ‬ويستند‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرة‭ ‬مشتركة‭ ‬ذات‭ ‬معنى‭. ‬العراق‭ ‬اليوم‭ ‬يسير‭ ‬ككائن‭ ‬فقد‭ ‬ظله،‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬هو،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬الذي‭ ‬سرق‭ ‬منه‭ ‬اسمه‭ ‬الوطني‭ ‬ليستبدله‭ ‬بأرقام‭ ‬طائفية‭ ‬وعشائرية‭.‬

3‭. ‬تشريح‭ ‬الأوهام‭ ‬البديلة‭: ‬الطائفة،‭ ‬العشيرة،‭ ‬القومية

إن‭ ‬بروز‭ ‬هذه‭ ‬الهويات‭ ‬الفرعية‭ ‬بشكلها‭ ‬الصدامي‭ ‬ليس‭ ‬ظاهرة‭ ‬عفوية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬لظروف‭ ‬تاريخية‭ ‬وسياسية‭ ‬معقدة،‭ ‬أبرزها‭ ‬تراجع‭ ‬مشروع‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬المركزية‭ ‬وفشل‭ ‬النخب‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬التنوع‭ ‬وإنتاج‭ ‬عقد‭ ‬اجتماعي‭ ‬حقيقي‭ (‬الحيدري،‭ ‬2009‭). ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أُفرغت‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬مضمونها،‭ ‬تم‭ ‬صنع‭ ‬بدائل‭ ‬وهمية‭ ‬تتصارع‭ ‬على‭ ‬خرائط‭ ‬من‭ ‬دخان‭.‬

3.1‭. ‬وهم‭ ‬الهوية‭ ‬الطائفية‭: ‬الولادة‭ ‬السياسية‭ ‬المشوّهة

يولد‭ ‬الطفل‭ ‬العراقي‭ ‬اليوم‭ ‬ليُختن‭ ‬سياسياً‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُسمى‭. ‬يُسأل‭ ‬عن‭ ‬هويته‭ ‬الطائفية‭ ‬والمذهبية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُسأل‭ ‬عن‭ ‬صحته‭. ‬تُلقنه‭ ‬أجهزة‭ ‬التنشئة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬من‭ ‬أسرة‭ ‬إلى‭ ‬مدرسة‭ ‬إلى‭ ‬خطاب‭ ‬إعلامي،‭ ‬السردية‭ ‬الطائفية،‭ ‬وتُطعِّمه‭ ‬بكراهية‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف‭ ‬دينياً‭ ‬أو‭ ‬مذهبياً،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتعلم‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الخير‭ ‬والشر‭. ‬الطائفية‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬تدين‭ ‬شخصي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬هوية‭ ‬سياسية‭ ‬مغلقة،‭ ‬تحوّل‭ ‬الدين‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬قيم‭ ‬أخلاقية‭ ‬إلى‭ ‬بندقية‭ ‬انتخابية‭ ‬وعصا‭ ‬لتوزيع‭ ‬المنافع‭. ‬وكما‭ ‬لاحظ‭ ‬علي‭ ‬الوردي،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬الطائفة‭ ‬ليست‭ ‬ديناً،‭ ‬بل‭ ‬فتوى‭ ‬بالانقسام‮»‬‭.‬

3.2‭. ‬وهم‭ ‬الهوية‭ ‬العشائرية‭: ‬الدولة‭ ‬الموازية

في‭ ‬مواجهة‭ ‬ضعف‭ ‬الدولة‭ ‬وفساد‭ ‬مؤسساتها،‭ ‬عادت‭ ‬العشيرة‭ ‬لتقدم‭ ‬نفسها‭ ‬كمؤسسة‭ ‬بديلة‭ ‬توفر‭ ‬الأمن‭ ‬والعدالة‭ ‬والموارد‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬العهدة‭ ‬تأتي‭ ‬بثمن‭ ‬باهظ‭: ‬إذابة‭ ‬فكرة‭ ‬المواطن‭ ‬الحر‭ ‬في‭ ‬بوتقة‭ ‬التابع‭ ‬المطيع‭. ‬تُقمَع‭ ‬الفردية‭ ‬والتفكير‭ ‬النقدي‭ ‬لمصلحة‭ ‬الولاء‭ ‬الأعمى‭ ‬للشيخ‭ ‬حيث‭ ‬يحل‭ ‬العرف‭ ‬أو‭ (‬الدَّگَة‭) ‬محل‭ ‬الدستور‭ ‬والقانون‭ ‬الوضعي‭. ‬تتحول‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬ظلّ،‭ ‬بينما‭ ‬تصبح‭ ‬الخيمة‭ ‬ساحة‭ ‬للحكم‭ ‬والتشريع،‭ ‬مما‭ ‬يعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬أنماط‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الدولة‭ ‬ويعيق‭ ‬تكوين‭ ‬الولاء‭ ‬الوطني‭ ‬الأعلى‭. (‬صالح‭ ‬السراي،‭ ‬2025‭)‬

3.3‭. ‬وهم‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭ ‬المتطرفة‭: ‬الخريطة‭ ‬التي‭ ‬تحرق‭ ‬الأرض

يتخذ‭ ‬هذا‭ ‬الوهم‭ ‬شكلين‭: ‬قومية‭ ‬عربية‭ ‬ضيقة‭ ‬تنكر‭ ‬التنوع،‭ ‬وقومية‭ ‬كردية‭ ‬متطرفة‭ ‬تنغلق‭ ‬على‭ ‬ذاتها‭. ‬في‭ ‬كلتا‭ ‬الحالتين،‭ ‬تختزلُ‭ ‬الهوية‭ ‬المعقدة‭ ‬إلى‭ ‬بُعد‭ ‬إثني‭ ‬واحد،‭ ‬يُستخدم‭ ‬كمعيار‭ ‬للقبول‭ ‬والإقصاء‭. ‬هل‭ ‬أنت‭ ‬عربي‭ ‬أصيل؟‭ ‬أو‭ ‬هل‭ ‬أنت‭ ‬كردي‭ ‬خالص؟‭ ‬أسئلة‭ ‬تحرق‭ ‬الأرضية‭ ‬المشتركة‭. ‬يتم‭ ‬تصنيع‭ ‬هذه‭ ‬الهوية‭ ‬الإقصائية‭ ‬عبر‭ ‬خطاب‭ ‬إعلامي‭ ‬حاد‭ ‬وتربية‭ ‬متعصبة،‭ ‬وليس‭ ‬عبر‭ ‬وعي‭ ‬تاريخي‭ ‬نقدي‭ ‬أو‭ ‬انتماء‭ ‬حر‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬غنية‭. ‬النتيجة‭ ‬هي‭ ‬تحويل‭ ‬الوطن‭ ‬إلى‭ ‬خرائط‭ ‬متجاورة‭ ‬تستعد‭ ‬للتصادم،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فسيفساء‭ ‬واحدة‭.‬

4‭. ‬النتائج‭: ‬وطن‭ ‬من‭ ‬ورق‭ ‬وفراغ‭ ‬قاتل

لم‭ ‬تُسرق‭ ‬الهوية‭ ‬العراقية‭ ‬مرة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬قُطِّعت‭ ‬إرباً‭ ‬تحت‭ ‬سكاكين‭ ‬متعددة‭: ‬المحاصصة‭ ‬الطائفية،‭ ‬والنزعة‭ ‬العشائرية،‭ ‬والتطرف‭ ‬القومي،‭ ‬وتدخلات‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭. ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬انتماءً‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬وتاريخ‭ ‬ومستقبل‭ ‬مشترك،‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬سلعة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬السياسة،‭ ‬تُخاط‭ ‬على‭ ‬مقاس‭ ‬الولاء‭ ‬الحزبي‭ ‬الضيق‭ ‬وتُلوَّن‭ ‬بألوان‭ ‬الأجندات‭ ‬الخارجية‭.‬

أصبح‭ ‬العراق‭ ‬اليوم‭ ‬وطنًا‭ ‬من‭ ‬ورق،‭ ‬كياناً‭ ‬هشاً‭ ‬اسمياً‭ ‬تتحرك‭ ‬تحته‭ ‬كيانات‭ ‬صلبة‭ ‬متصارعة‭. ‬جملة‭ ‬أنا‭ ‬عراقي‭ ‬تُقال‭ ‬بخجل‭ ‬أو‭ ‬بوصفها‭ ‬مجرد‭ ‬معلومة‭ ‬إدارية،‭ ‬بينما‭ ‬تُقال‭ ‬جملة‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬من‭ ‬جماعتك‮»‬‭ ‬بفخر‭ ‬لتصبح‭ ‬جواز‭ ‬مرور‭ ‬للحماية‭ ‬والمنفعة‭. ‬الوطن‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬خريطة‭ ‬ممزقة،‭ ‬كلّ‭ ‬فريق‭ ‬يشدها‭ ‬نحوه،‭ ‬ولم‭ ‬يبقَ‭ ‬منها‭ ‬سوى‭ ‬الفتات‭. ‬

هذا‭ ‬التشظي‭ ‬يخلق‭ ‬فراغاً‭ ‬قاتلاً‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المستويات‭: ‬فراغ‭ ‬قانوني‭ (‬حيث‭ ‬تسود‭ ‬الأعراف‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الدستور‭)‬،‭ ‬وفراغ‭ ‬أخلاقي‭ (‬حيث‭ ‬تُقدَّم‭ ‬المصلحة‭ ‬الفرعية‭ ‬على‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭)‬،‭ ‬وفراغ‭ ‬تربوي‭ (‬حيث‭ ‬تربي‭ ‬المدرسة‭ ‬الطائفي‭ ‬لا‭ ‬المواطن‭). ‬المواطنة‭ ‬تصبح‭ ‬مجرد‭ ‬حبر‭ ‬على‭ ‬بطاقة‭ ‬هوية‭ ‬لا‭ ‬تحمي‭ ‬صاحبها،‭ ‬والوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مسرحية‭ ‬موسمية‭ ‬ممولة‭ ‬من‭ ‬أطراف‭ ‬النزاع‭ ‬أنفسهم‭. ‬هذا‭ ‬الفراغ‭ ‬هو‭ ‬البيئة‭ ‬المثالية‭ ‬لاستمرار‭ ‬دوامة‭ ‬العنف‭ ‬والفساد‭ ‬والتبعية‭.‬

5‭. ‬الخاتمة‭:‬‭ ‬نحو‭ ‬استعادة‭ ‬الهوية‭ ‬كاختيار‭ ‬ومسؤولية

إذا‭ ‬كانت‭ ‬الهوية‭ ‬قد‭ ‬ذُبحت‭ ‬في‭ ‬الساحات‭ ‬العراقية،‭ ‬فإن‭ ‬إحياءها‭ ‬مهمة‭ ‬شاقة‭ ‬ولكنها‭ ‬ليست‭ ‬مستحيلة‭. ‬هذا‭ ‬الإحياء‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬عبر‭ ‬الخطب‭ ‬الرنّانة‭ ‬والأناشيد‭ ‬العاطفية،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬ثورة‭ ‬مؤسسية‭ ‬وثقافية‭ ‬تعيد‭ ‬تعريف‭ ‬شروط‭ ‬العيش‭ ‬المشترك‭.‬

1‭. ‬بناء‭ ‬عقد‭ ‬اجتماعي‭ ‬حقيقي‭: ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يعترف‭ ‬الدستور‭ ‬والنظام‭ ‬السياسي‭ ‬بالتنوع‭ ‬العراقي‭ ‬ثروةً‭ ‬وليس‭ ‬نقمة،‭ ‬ويؤسس‭ ‬لمواطنة‭ ‬كاملة‭ ‬متساوية،‭ ‬تفصل‭ ‬بين‭ ‬الهوية‭ ‬الدينية‭/‬الثقافية‭ ‬للفرد‭ ‬وبين‭ ‬حقه‭ ‬السياسي‭ ‬والمدني‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬بناء‭ ‬هوية‭ ‬جامعة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬عدالة‭ ‬تُشعر‭ ‬الجميع‭ ‬بالانتماء‭.‬

2‭. ‬إصلاح‭ ‬أدوات‭ ‬صناعة‭ ‬الوعي‭: ‬تحتاج‭ ‬المناهج‭ ‬التعليمية‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬العامة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬هندسة‭ ‬جذرية‭ ‬لتعزيز‭ ‬قيم‭ ‬المواطنة‭ ‬والتسامح‭ ‬والهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬الجامعة،‭ ‬ونقد‭ ‬خطاب‭ ‬الكراهية‭ ‬والتعصب‭ ‬بجميع‭ ‬أشكاله‭.‬

3‭. ‬تقوية‭ ‬دولة‭ ‬القانون‭: ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الدولة،‭ ‬بمؤسساتها‭ ‬الأمنية‭ ‬والقضائية‭ ‬والخدمية،‭ ‬الحامي‭ ‬والضامن‭ ‬والموزع‭ ‬العادل‭ ‬للخيرات‭. ‬فقط‭ ‬دولة‭ ‬القانون‭ ‬القوية‭ ‬والعادلة‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تنافس‭ ‬الولاءات‭ ‬الفرعية‭ ‬وتستعيد‭ ‬شرعيتها‭ ‬في‭ ‬أعين‭ ‬المواطنين‭.‬

4‭. ‬تشجيع‭ ‬الخطاب‭ ‬الثقافي‭ ‬النقدي‭: ‬دعم‭ ‬المشاريع‭ ‬الفكرية‭ ‬والفنية‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬قراءة‭ ‬التاريخ‭ ‬والهوية‭ ‬بمنظور‭ ‬نقدي‭ ‬جامع،‭ ‬يكسر‭ ‬الأطر‭ ‬الطائفية‭ ‬والإثنية‭ ‬الضيقة،‭ ‬ويبحث‭ ‬عن‭ ‬القواسم‭ ‬الإنسانية‭ ‬والوطنية‭ ‬المشتركة‭.‬

الخلاصة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬جاهزة‭ ‬نقفز‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬الماضي،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬هوية‭ ‬مستقبلية‭ ‬نختارها‭. ‬هوية‭ ‬لا‭ ‬تُلغى‭ ‬فيها‭ ‬الخصوصيات،‭ ‬بل‭ ‬تُحترم‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الخاص،‭ ‬ولكنها‭ ‬تذوب‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬بوتقة‭ ‬الانتماء‭ ‬الوطني‭. ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬هوية‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الاعتراف‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬إنسان‮»‬،‭ ‬تتجذر‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬مواطن‮»‬‭ ‬تحققت‭ ‬حقوقه‭ ‬وواجباته،‭ ‬وتتوج‭ ‬بمسؤولية‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬مسؤول‮»‬‭ ‬عن‭ ‬بناء‭ ‬وطني‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬هوية‭ ‬معطاة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬مشروع‭ ‬تحرر‭ ‬دائم‭ ‬من‭ ‬الداخل‭.‬

‮«‬الوطنية‭ ‬ليست‭ ‬أن‭ ‬تكره‭ ‬الآخر،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬من‭ ‬أنت‮»‬‭.‬

‭ ‬

قائمة‭ ‬المراجع‭ ‬

‭. ‬السراي،‭ ‬صالح‭ (‬2025‭) ‬شذوذ‭ ‬الوقاحة‭: ‬قراءة‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬العراقي

الحيدري،‭ ‬ع‭. (‬2009‭). ‬طقوس‭ ‬العشيرة‭: ‬الثأر‭ ‬والقرابة‭ ‬والهوية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬المعاصر‭. ‬دار‭ ‬الجمل‭.‬

الوردي،‭ ‬ع‭. (‬1965‭). ‬لمحات‭ ‬اجتماعية‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬العراق‭ ‬الحديث‭. ‬دار‭ ‬كوفان‭.‬

غليون،‭ ‬ب‭. (‬1993‭). ‬المسألة‭ ‬الطائفية‭ ‬وصناعة‭ ‬الأقليات‭. ‬دار‭ ‬الطليعة‭.‬