الفتيت المبعثر : المبالغة في التكسير والتقطيع
أنموذج مصغّر للمجتمع العراقي – اضواء – جاسم الحبجي
الفتيت المبعثر ،، هي رواية للروائي العراقي محسن الرملي صدرت في طبعتها الثانية عام 2014 عن دار مسعى للنشر والتوزيع في المنامة البحرين وهي حائزة على جائزة اركنسا الامريكية عام 2002 في إهدائه للرواية يهديها الكاتب الى ،،روح شقيقه حسن مطلك لانه كما يقول بعض من هذا الفتيت المبعثر في أشارة الى عنوان الرواية والفتيت هو الشيء المقطع الى اجزاء صغيرة جدا وهو المبالغه بالتكسير او التقطيع الى اجزاء صغيرة جدا اما كلمة المبعثر وهي الجزء الثاني من عنوان الرواية فهو المفرق فالعنوان هو تفريق المكسر الى اجزاء وتفريقه وقد ربط الروائي بين العنوان والإهداء فاعتبر ان أخاه الأديب حسن مطلك جزء من هذا الفتيت المبعثر وإذا ماعرفنا ان المهدى اليه العمل هو حسن مطلك 1961-1990 كاتب ورسام وشاعر من الأصوات الأدبية الحداثية التي ظهرت في ثمانينات القرن الماضي وانه اعدم شنقا في 18-7-1990 لاشتراكه في محاولة لقلب نظام الحكم في العراق ستتضح لنا الصورة بان المقصود من العنوان هو الشعب العراقي الذي اصبح فتيتا مبعثرا نتيجة للدكتاتورية والحروب والسجون والإعدامات استطاع الروائي محسن الرملي من خلال روايته الفتيت المبعثر ان يسلط الضوء على مايجري في العراق من خلال حقبة الثمانينات من خلال روايته لما يجري في احدى العوائل العراقية حيث جعل منها حالة روائية مصيره لما يحدث في المجتمع العراقي واستطاع ان يجعل كل فرد من هذه العاءله نموذجا لما يجري في المجتمع العراقي وانعكاسات ذلك سياسة الدولة وتفاعلها معها يبدأ الروائي واصفا نفسه كإحدى الحالات العراقية المراد بيانها في الرواية بقوله ،،غادرت متبعا خطوات محمود باحثا عنه حالما بان نفعل شيئا ما ونصبح رجالا يستحقون الاحترام كي تبحث عنا النساء مثل وردة ابنة عمي التي تنقلت بين الازواج حتى انتهت تحت اسماعيل الكذاب ص9 كانت الهجرة احدى سمات المجتمع العراقي بعد الحروب الطاحنة التي شهدها العراق خلال عقدي الثمانينات والتسعينيات ولم يكن كل مهاجر يعرف عنه أهله شيئا فهناك من يذهب ويختفي ولا احد يعرف عنه شيئا يقول الروائي ،، لم يكن محمود يعني شيئا لأحد حين كان في القرية ولما غادرها وغادر البلاد متسللا عبر الشمال الى الخارج حيث لاخبر وحيث ينساه الجميع تماما باستثناء والدته ،،المكروة المهضومة ،، ،، لم يكن غياب محمود يعني شيئا لأحد مثلما لم يكد وجوده شيئا اتبعت طريقة فانتهيت مثله ص10 كانت الهجرة تعني الاغتراب والقطيعة مع الوطن والنسيان ها انا وحيد اجنبي وسط الأجانب الهواتف مقطوعة والرسائل لا تصل دائما وليست ثمة اخبار عن اهلي في الصحف الاسبانية هل شفيت اختي ربية ؟ ماذا حدث لابن عمي المحاصر في الجنوب ؟ كيف يعيش جارنا الذي قطعت ساقة في الحرب ؟ أين اصبح اصدقائي ؟ ،،ص11 لكن الروائي يسترجع لنا ذاكرته ما حل بالعراق من خلال قريته الصغيرة ،، وحدي هنا من يعرف كل شى هناك في قريتي الساكنة على شاطى دجلة في موضع اول اول شجيرة سدرة نبتت صدفه وقيل بأنها تضى ليلا لذلك سرقتها الحنافيش لكن قريتي مازالت على ضفة وجبل مكحول على الضفة المقابلة حيث ترتفع قلعة أشور اعلى من كل شيء وفيما بينهما وسط النهر جزيره صغيرة مكتظة ببنات اوى والذئاب وأعشاش طيور الدراج بين أشجار الطرفة ،،ص12يبدأ الروائي بوصف الصباح في قريته ،، صباحا إفطارنا بقرتنا التي أهداها جدي لامي عند زفافها الممزوجة ببعض من زبدة البقرة الهولندية الوحيدة في القرية عند خالي البيطري صباحا يتم تلاقي الأمهات على تنانير الخبز يتبادلن الاخبار ويعدن أرغفة الخبز الساخنة وأقداح الشاي عمشه قالت وهي تنشر فراش نومها المبلل على سطح الدار من قبل زوجها بان الأطباء لم ينفعوه ولا الدراويش ابن عدله العرجاء وجد ابنة العريف عبد الرحمن مع ابنك سعيد العطار ليلا في ألجزيرة والشيخ صالح يأمر بتزويجهما وستر عرض الناس وإبراهيم المغني يولف عنهما أغنية يرددها في الاعراس فيكرمانه عنزا حمار وضحه اقتلع وتدا ربطه بأسنانه فوجدته صباحا يأكل الشعير في كعلف حماره غازي عند اخر بيوت القرية جوار المقدّرة حسيبة ركلات قاسم ليلا اثناء تناول العشاء ثريد باميا والطماطم والبصل نعرف ان بيت العجاري قد تعاركوا مع بيت الفهد حول دورهم في الساقية لري القطن وسعيد اخذالاولاد الصغار الى الوادي وإسماعيل تنبأ بان القرية تستقبل غدا جثثا اخرى لخمسة من ابنائها قتلوا في الهجوم الأخير على الجبهات فرحان يفكر بالزواج من عائشة امرآة رابعة يجدد بها فراشة وقد صبغ شيب راسة ولحيته بالحناء حال سماعه بمقتل زوجها في الحرب وحليفه أنجبت ولدا أسمته عبدالصمد أخذته الى الطهارة ص13 هكذا كان الروائي يصف قريته ومايحدث فيها ،، الأبواب في القرية مفتوحة والكلاب لاتنبح الا على الغرباء والغيوم للاشياء اسماء خاصة الحيوانات والتلال والأواني والأحجار والغيوم للناس اسماء كثيرة منها مايطلق بعد حادثة ويشتهر او يقال مزحة ويستمر منها مايعرف فجاة ويختفي عند حلول غيره منها مايطلق رمزا ويصبح واقعا ومن الناس من ينسى الناس اسمه ويدمنون على مناداته بابن فلان او فلانة او زوج فلانة العجانة ص14اختار الروائي نماذج من قريته ليصف لنا مايحدث في العراق بطريقة ميكروسكوبية مصغرة ،، ثمة شاب كردي يرسم على حيطان وأكواخ الدواب قلبا يخترقه سهم كلما لمح في الدار التي يرشها فتاة جميلة وكانت وردة ابنة عمتي اجمل من فتيات الإعلان عن الصابون فوسع الكردي من دائرة القلب ثم انزل سهما طويلا من اعلى السقف ،،،،ابتسمت ورده لراسم القلب ودخلت تعد الشاي ،،ص18-19 شخصية قاسم الذي امتاز بهدوء طبعه الا انه تزوج ابنة عمه سليطة اللسان القادرة بشتائمها على تهجير مدينة ذلك انه لم يستطع مقاومة بياض ذراعها التي رَآه فجاة ذات فجر مفاجئ حين ايقظته مثانته فنفض لغطائها وهرول خارجا باتجاه المرحاض ص20فابصر ابنة عمه من خلف السور الواطى وهي الاخرى تهرول باتجاه المرحاض فأبصرا بعضهما وابتسمت كانت تلك اول مرة فيها ذراعا عاريا لامرأة فصعقه بياض اللحم ،،،،ايعقل ان يكون لون اللحم ابيض لهذا الحد ؟؟!ص21،،لا يدري كيف مر النهار ولكنه كان نهارا ابيض كبياض ذراع حسيبة التي استعاد صورتها آلاف المرات ،،آه ياحسيبة لم أكن اعلم انك تكنزين كل هذه الأنوثة وراء استرجالك المخيف كان يخافها مثل الجميع الذين يتحاشونها ان لم يكن تجنبا لبذائة لسانها فلتجنب تخميش أظافرها الذئبية ،،ص22 لقد كان قاسم يريد ذراع حسيبة تحديدا وليست حسيبة ثم بعد ذلك يأتي الكتف الشعر وتاتي حسيبة كانت تشتمه حينما يكونان وحدهما اما امام الناس فتتصنع انقيادها له ولا تناديه الا با ابو شيماء او ابو ابراهيم ،،هذا ما صرح به قاسم نفسه بعد مايقارب خمسة وعشرين عاما من زواجهما فسألته مالذي جعلك تتوارط معها كل هذه السنين ؟ قال انها رائعه يابن خالي انها امرأة دائمة الاشتعال دائمة التحفز دائمة الاقتتال دائمة التوهج دائمة الخضري وانا فنان أحب المغامرة ولا اجد لذة الحياة الا في تلك الأجواء الخطرة بجمالها ص24-25الحاج عجيل عرف بثلاث علامات اثنتان منهما لا يشبهما اي كان بالعالم فعدا نظارته الطبيه كان ينفرد ببحة صوته تذكر السامع بإبرة القنفذ التي انغمست ببلعومه ثم هوسه الوطني الذي يكاد يكون عبادة بل هو كذلك كما صرح به بصوت خطابي عال في مجلس قهوة القرية حين استل ذراعه من عباءته ووقف على ركبتيه بصلابته فيما انتصب إصبعها علامة النصر بلا دراسه ص27 تلكأت في بعلومه جملة قوية كادت تخنقه لانه حا بها تعبيرا ولذلك صرخ بها مهتزا حين شعر بانه قد وجدها فصاح ،،اني اعبد وطني اني اعبد وطني ،،ص28. المُلا صالح مؤذن الجامع وأمامه الذي كان نقيضا لشخصية عجيل فقبل ان يكرر للمرة الثالثه اني اعبد وطني قطعها عليه المُلا صالح بنهوض مباشر وصرخت غضب زاجرا مزمجرا سربت لحيته بالرذاذ ،،اخرس اعوذ بالله منك ومن وطنك الذي تعبد ،، وبنبرة اهدا ردد مرة اخرى اعوذ بالله لا اله الا الله استغفر الله ،،،،انها وثنية جديدة والعياذ بالله ص28-29 لقد حفلت الرواية بشخصيات استطاع الروائي من خلالها رسم الخطوط العامة للمجتمع العراقي في عقد الثمانينات قاسم الذي غرق في تعلم الخط العربي وأخذته جماليات فن نت حد ابتكار ما أسماه بـ،الخط القاسمي ،،والذي هرب من الجيش واعدم في وسط سامه القرية ،،ص31 سعدي الذي كان لديه جوابان فقط حين يطلب راية إبدأ بطعم الشاي وبلا انتهاء عند الحرب او الدين فهو انا يقول ،،هذا الشيء حلو ،،او غير حلو ،، وكنت آنذاك اسمي طريقته في ابداء الرأي هذه التي يشترك فيها معه ملايين الناس بانه نقد نسائي وأحيانا نقد حريمي اما احمد فقد أنقذته وظيفته من السوق الى الى الحرب حيث كان قاضيا ص31-32 ومحمود كان صغيرا منسيا لم يبلغ سن الحرب آنذاك في حين ان عبود لم يعرف عنها الا مره. ضبابي ومقاطع من اناشيد الحرب التقطها في لحظات الصحو وكانت أمه تحمد الله احيانا لانه خلقه من بطنها مجنونا وأحيانا اخرى تلوم الله على ذلك ثم تسارع الى الاستغفار دامعة العينين ص33 ان رواية الفتيت المبعثر هي رواية اجتماعية – سياسية سلطت الاضواء على المجتمع رقي خلال عقد الثمانيات وهو عقد الحرب العراقية الايرانية اتخذ الروائي من احدى القرى ومجتمعها ومن احدى العوائل انموذجا مصغرا استطاع من خلاله تسليط الاضواء بمنهج ادبي سلس ممتع على ما كان يجري من ماسي اجتماعيه سياسية في المجتمع العــراقي


















