
أمريكا تغيّر قواعد اللعبة في المنطقة – منقذ داغر
لأسابيع مضت،دارت تساؤلات وتكهنات كثيرة عن سبب أرسال أمريكا لمزيد من قواتها القتالية الى منطقتنا . زيادة الحشود الامريكية ذكرت الكثيرين بعمليات سابقة،بعد أن تميزت السياسة الأمريكية منذ عهد أوباما بالتقليص المستمر للقوات القتالية وفق عقيدة الانسحاب من الشرق الاوسط وتركه لدوله كي تتصرف به بموجب اتفاقاتها وترتيباتها الاقليمية. وبعد ان أحتاج السعوديون والايرانيون عقد من الزمن لينفذوا ما اوصى به اوباما في نهاية عهده بضرورة جلوسهما معاً وترتيب الأوضاع الاقليمية بينهما،هاهي الادارة الامريكية تعود لمقاربتها القديمة القائمة على سياسة الطرف الضامن لأمن المنطقة بالاصالة وليس بالوكالة كما اعتادت على فعله طوال العقد الماضي. فما الذي جرى لجعل البيت الابيض يغير من سياسته بارسال كل هذه الحشود التي جعلت البعض يعتقدون ان هناك عملية أعادة غزو للعراق؟!
لقد حدثت تغيرات استراتيجية كبرى في منطقتين مهمتين تحيطان بالعراق،هما سوريا والخليج العربي ،أجبرت أمريكا على مراجعة أستراتيجيتها العسكرية في المنطقة. لقد بات التحالف الروسي-الايراني-السوري في منطقة دير الزور يثير قلق الجيش الامريكي(واسرائيل)على حد سواء. فقد تصاعدت الاحتكاكات العسكرية بين الجيش الامريكي المتحالف مع قوات سوريا الديموقراطية وبين الميليشيات المدعومة ايرانياً والتي تساندها القوات السورية والروسية. فلاكثر من مرة كانت هناك مواجهات بين المسيرات الامريكية والطائرات الروسية المحلقة في المنطقة مما اجبر الجيش الامريكي على ارسال طائرات قتالية متطورة لتضمن لمسيراتها طيران آمن.كما ان الميليشيات المدعومة ايرانياً أسقطت طائرة مسيرة امريكية مما دفع الجيش الامريكي للرد بقوة وقتل ثمانية عناصر على الأقل من تلك الميليشيات.
مواجهة عسكرية
من جانب اخر فقد عبر القادة الامنيون(لإسرائيل) لاكثر من مرة عن خشيتهم من مواجهة عسكرية منسقة على ثلاث جبهات مع قوات المقاومة الفلسطينية،وحزب الله في لبنان،والميليشيات في سوريا.لذلك فان (إسرائيل)تستمر بمهاجمة الميليشيات بين فترة واخرى وهذا ما يدفع تلك الميليشيات للرد على القوات الامريكية قليلة العدد(900 عنصر فقط)المتواجدة في سوريا. لذا تبدو هناك ضرورة عملية لزيادة عدد القوات الامريكية في سوريا ليس فقط لحماية نفسها بل لطمئنة إسرائيل ايضاً من قدرتها على الحد من خطر الميليشيات المدعومة سورياً،وروسياً،وإيرانياً.
أما في الخليج العربي،فيبدو التغيير في السياسة الامريكية أشد وضوحاً وأكثر حدةً.لقد ارسلت امريكا 3000 عنصر من البحرية الأمريكية(الوحدة 26) مع مجموعة سفن حربية عبرت قناة السويس بداية هذا الشهر من بينها سفينة صواريخ موجهة وحاملة طائرات تحمل طائرات ثابتة الجناح واخرى سمتية مخصصة لعمليات الانزال على السفن التجارية،لتنضم الى حشود القوات الأمريكية وطائرات F16,35 و A10 الموجودة أصلاً في المنطقة. في نفس الوقت فان وزارة الدفاع الامريكية ارسلت مقترحاً قانونياً للبيت الابيض يجيز لها في حالة اقراره من الرئيس الامريكي ان تتدخل قواتها في عمليات حماية السفن التجارية في الخليج العربي بعد ان تعرضت حوالي 20 سفينة تجارية سابقاً للاحتجاز او التفتيش،من بينها سفينة تابعة لشركة شيفرون الأمريكية العملاقة ،من قبل البحرية الايرانية دون وجود رد أمريكي عسكري، مما هدد حرية الملاحة في اهم ممر بحري عالمي لتجارة النفط.ويتوقع الان ان تقوم البحرية الامريكية بوضع جنود امريكان على متن ناقلات النفط التجارية ليتيح لها ذلك الرد بقوة على اي عمليات احتجاز او مصادرة مماثلة لتلك الناقلات. كما ان جلب الوحده 26 والسفن التي رافقتها سيتيح للبحرية الأمريكية ان تقوم بعمليات إنزال لتفتيش السفن التي يُشك في نقلها لمواد محظورة بموجب العقوبات الامريكية او الدولية على ايران. ومما يثير الاهتمام ان هذه التحركات البحرية وزيادة الحشد الأمريكي في مياه الخليج تأتي مع أقتراب موعد رفع كثير من العقوبات الدولية عن ايران في أكتوبر القادم.
هنا يثار التساؤل عن الأسباب التي دفعت الأدارة الأمريكية لتغيير سياستها غير المهتمة بالمنطقة وأبداء هذا الأهتمام بالعودة لممارسة دور شرطي الخليج. يبدو أن الأدارة الأمريكية بدأت تأخذ مؤخراً التهديدات الأستراتيجية التي تتعرض لها مصالحها في المنطقة بجدية أكبر،بعد أن تخلت عن دورها الحارس فيه.
هجمات مدمرة
لم يكن مخفياً أن دول الخليج العربي وفي مقدمتها السعودية والأمارات أبدت تذمرها الواضح من عدم رغبة أمريكا بحماية مصالحها التي باتت تحت المرمى والهجمات الإيرانية و/أو وكلائها في المنطقة.لقد كانت الهجمات المدمرة على ناقلات النفط الإماراتية ثم مصفاة نفط أرامكو السعودية هي ثالثة الأثافي التي أقنعت دول الخليج بأن أمريكا لم تعد حليفاً يمكن الإعتماد عليه لحماية مصالحها. ومما زاد في الطين بلة موقف الإدارة الأمريكية المتساهل (من وجهة النظر السعودية) مع الحوثيين في اليمن وكذلك العقبات التي وضعها الكونغرس في وجه صفقة طائرات F16 للأمارات. صحيح ان هذه السياسة غير المبالية ،أو المتساهلة، للادارة الامريكية تجاه تهديدات ايران ووكلائها للمنطقة أجبرت دول الخليج على التقارب مع(إسرائيل) وهو هدف لطالما سعى الأمريكان سواءً الجمهوريين منهم أو الديموقراطيين لتحقيقه منذ مدة طويلة،لكن هذه السياسة فتحت الباب واسعاً أيضاً للصين وروسيا لملء الفراغ الأستراتيجي الأمريكي. هذا بالنتيجة سيؤدي الى خسارة كبرى للأستراتيجية العالمية للولايات المتحدة في منافستها للصين وروسيا. وفعلاً،لم تفوت الصين هذه الفرصة فسارعت لعقد صفقات إستراتيجية كبرى في أعقاب زيارة الرئيس الصيني للسعودية هذا فضلاً عن رعاية الصين للمصالحة السعودية الإيرانية والتي أحدثت تغيراً أستراتيجياً آخر في وجه الأمريكان، قلل من فرصها في مواجهة إيران.لقد تجسدت هذه التغيرات بأوضح صورها بعد ان تحالفت السعودية (ومن وراءها أوبك)مع روسيا ضمن ما سمي بأوبك بلس Opec Plus للسيطرة على أسعار النفط ورفض السعودية لمطلب أدارة بايدن بزيادة ضخ النفط(كما كانت تفعل دوماً)لتخفيض أسعار النفط العالمية والتي أضرت كثيرا بالأقتصاد الأمريكي والعالمي المنكمش أساساً. وجاء قرار منظمة البريكس أمس وهي المنافس القوي للتحالفات العالمية التي تقودها أمريكا عبر العالم، بأنضمام السعودية والأمارات لها ليضيف دليلاً آخر على الأستدارة الإستراتيجية لدول الخليج العربي في تعاملها مع أمريكا. معلوم أيضاً أن السعودية سواء في اتفاقاتها التجارية مع الصين أو في أنضمامها لمجموعة البريكس أيدت أستخدام عملة أخرى عدا الدولار في التعاملات التجارية الدولية وهو ما يشكل تهديداً أستراتيجياً خطيراً للهيمنة الأمريكية على أقتصاد العالم.
ضمن هذه الرؤية الاستراتيجية الشاملة يمكن فهم محاولة أمريكا الآن لأستعادة ثقة الخليج بها من خلال أستعراض القوة وممارسة دور الحامي التقليدي لمصالح دول الخليج في مواجهتها مع إيران.
لقد حذر الكثير من الخبراء الأستراتيجيين الأمريكان أدارتهم من اللعب بالنار وترك فراغ أستراتيجي ستستغله الصين حتماً في هذه المنطقة التي ما زالت مهمة لأقتصاد العالم،وقد حدث ما توقعه هؤلاء الخبراء الذين كانوا محبطين جداً حينما زرتُ ثلاثة منهم آخر مرة في واشنطن في آذار الماضي. لقد قال لي أحدهم وهو يرأس أهم مركز أبحاث للسياسة الخارجية الأمريكية:لقد أستثمرت أمريكا منذ عقود طويلة كثير من الدماء،والأموال،والجهد والعلاقات في المنطقة وسيكون من الحماقة تركها لتقع تحت وصاية الصين.أن من الواضح أن هناك إختلال واضح في موازين القوى الإستراتيجية لصالح إيران في الخليج العربي، وأن دول الخليج (بخاصة السعودية والامارات) باتت تُحكَم من قيادات شابة تعي متغيرات السياسة الدولية وهي أكثر براغماتية وأكثر جرأة في أتخاذ انعطافات أستراتيجية لم يكن بأمكان القيادات الخليجية حتى أن تفكر بها سابقاً.
أن الشهور القادمة على ما يبدو ستشهد تحركات عسكرية أمريكية أكثر جرأة وأقل تحفظاً في مواجهة إيران ووكلائها في المنطقة. هذه التحركات لن تشمل العراق،بخاصة وان الامريكان ما زالوا على ما يبدو راضين عموماً عن حكومة السوداني.لذا فأن التكهنات عن عمليات عسكرية أمريكية في العراق لا تعدو كونها قراءة خاطئة لما يجري في المنطقة،أو محاولة من البعض لتزييف الحقائق أو تحقيق أحلامهم بأعادة أحتلال العراق وإسقاط الطبقة الحاكمة الحالية. صحيح ان التحركات العسكرية الأمريكية تقع على حدود العراق الغربية والجنوبية لكن بغداد تقع خارج دائرة الأهتمام العسكري الأمريكي وان كانت ما تزال بؤرة للأهتمام السياسي بسبب علاقتها المتشابكة مع إيران.الا أن كل ذلك ممكن ان يتغير إذا أختارت بغداد،أو الميليشيات المسلحة فيها، الاصطفاف مع من تعدّهم أمريكا أعداء لها سواء في ساحة العمليات السورية أو الخليجية.
























