
أمجـد توفيـق.. المغامر الشجاع في إصدار جديد – عبد المطلب محمود
هذا إنجاز آخر لأمجد توفيق، الروائي/ السارد/ المتجدد، الداخل في فضاء روائي آخر غير فضاءاته المتعددة السابقة، والخارج علينا ابتداءً بعقد أن “ينال قفز من فعلٍ مضارع إلى اسم لشخص” ومن ثم سيكون مدخله إلى الرواية “دعوة مفتوحة لا تطعنها رؤية مسبقة أو خريطة للفهم” (مدخل/ ص9). ولكثرة الأسماء والأقلام التي كتبت عن الرواية، وهي أسماء وأقلام بلغت العشرات، بينها عديدون ممن مارسوا النقد الأدبي وعُرفوا به، أو ممن تخصص بقراءة هذا الجنس الإبداعي (الرواية) تحديداً، وجدتُني أمام سؤال مُحيِّر مفاده : كيف يمكن الكتابة عن (ينال) التي صدرت قبل أسابيع ضمن منشورات الإتحاد العام العام للأدباء والكتّاب في العراق؟ ثم سؤال متفرع عنه مفاده : هل يخطر في البال أن ما سأكتبه يمكن أن يضيف مزيداً من الكشف و”الاكتشاف” إلى ما سبقني إليه الآخرون، مما أظهرته الرواية أو أخفته في بواطنها من أفكار وعلاقات و.. و..؟ ثم لسؤال ثالث مفاده : ما الذي يهم أمجد توفيق مما كُتب ويُكتب عن روايته هذه، وقد صدرت في كتاب والتحقت بأخواتٍ لها مما أنجزه ـ سارداً ـ منذ أواسط سبعينيات القرن الفائت، قصصاً قصيرة وروايات أصابت اهتماماً واسعاً، وجعلت لصاحبها موقعه بين الساردين الكبار في العراق ودول عديدة عربية وأجنبية؟!
سطور ختامية
لكنني بعد طول تفكّر بهذه الأسئلة؛ قررت أن أعمد ـ وقد تأخرت بقراءة الرواية ـ إلى أسلوب قراءة آخر ربما لم يكن مسبوقاً، بأن أقرأ (ينال) من سطورها الختامية، وأن لا أدخل المداخل التقليدية المعتادة في القراءة، أي الغوص في ملاحقة شخوصها الرئيسين والثانويين وفضاءيها الزماني والمكاني، ما دام كثيرون ممن سبقوني إلى قراءتها والكتابة عنها، سلكوا فيما كتبوا المسلك المعتاد فبدأوا من ثريّاها (العنوان) وقدّموا فيه وفي فضاءات الرواية الأخرى ما قدّموا من تحليل لدوالّها ومداليلها، فقرنوا بين بطل الرواية (ينال) وابنته (تنال) وإحدى شخصياتها الثانوية النسوية (منال)، وخرجوا بما خرجوا به من تعالق مداليل هذه الأسماء الثلاثة بنتائج محددة، وجدتها لا تخلو من إغراء بسلامة القصد وصحة المقصود، وهذا ما كان نصيب شخصيات الرواية وأحداثها وعلاقاتهم المؤدية إلى بناء كيان الرواية وبنيتها، ولاسيما إذ وجد بينهم أن الشخصيات النسوية (الشابة الفنلندية الأصل سانا) وموظفة شركات تجارة الأسلحة وتهريبها (روكسانا ـ رومانية الأصل) وزوج ينال (سميرة التونسية الأصل ـ الفرنسية الولادة)، كنّ الأوفر حظاً في الحصول على ما رغبن/ أو لم يرغبن به حتى مما يمكن أن “يُنال” مالياً وجسدياً وأخلاقياً أو بالعكس، من دون أن يعني هذا أن شخصيتي الرواية الرئيستين كانتا أقل حظاً منهن. أما فضاءا الرواية الزماني والمكاني فبدَوا فضاءين “سياحيَّين” صديقَين في الغالب، ما عدا جزء أساسي وإن بدا عابراً تمثّل بزمن اختطاف (ينال) ومكان إخفائه وتعذيبه، اللذين شكّلا فضاءين معاديين زاد وجود ما يماثلهما في عراق ما بعد الإحتلال، منذ سنة 2003 حتى اليوم.
والآن؛ ماذا بشأن ما قررته وعزمت على تنفيذه من أمر القراءة غير التقليدية لرواية (ينال)؟!
بعيداً عن دموع إحدى شخصيتي الرواية الرئيسة (عبد الله) التي أثقلته بعد تنفيذ وصية صديقه (ينال)، الذي ترك كل شيء وراءه ومضى منتحراً، سأتوقف على آخر ما سجله الروائي الصديق أمجد توفيق من سطور ختم بها روايته هذه، إذ اختار شكلاً مما يصلح للشعر غالباً لينقل إلينا ما جال في ذهن (عبد الله) :”ينـال/ كنتَ تفخر أنك لم تخُن وعداً/ فوعدك كان دَيناً/ يا ينال/ الصقور والنسور والشواهين تحلّق عالياً/ ولكنها أبداً تعود لتحطّ على صخرة أو شجرة أو مرتفع/ واُدرِكُ أنك حلّقتَ عالياً بجناح واحد مفرد/ ولأنه كذلك، أخذتكَ الدوّامة/ فارقد بسلام/ ولتهدأ جمرة أسئلتك/ فظلام القبر ماء” (صص 171 ـ 172). غير إنني سأُخالف قراري هذا وأعود لأتوقف على آخر أسطر مدخل الرواية، التي وردت على النحو الآتي :”فكما إن ينال قفز من فعل مضارع إلى اسم لشخص، فسيكون مدخلي إلى الرواية دعوة مفتوحة لا تطعنها رؤية مسبقة أو خريطة للفهم. إنه دعوة لتأمّل الحقوق التي لم تقرَّها البشرية يوماً، الحق قي مناقضة الذات والحق في الرحيل بمعناه المطلق والحق في الصمت. ما أضيَق الطريق ما أصعب الوصول لمن لا يكون قلبُه دليلَه” (ص 9)!
ذلك؛ إن الروائي الصديق أمجد توفيق حاصرني ـ شخصيّاً ـ بين العبارات المقبوسة من أسطر الخاتمة، وبين العبارات المقبوسة من أسطر مدخل الرواية، وقد تعمّد ـ أُسجّل هذا واثقاً ـ عدم فصل عبارة “الحقوق التي لم تقرَّها البشرية يوماً” بفارزة منقوطة ضرورية، عمّا سيحدده بعدها من هذه الحقوق التي قصَرها على ثلاثة فقط :”الحق في مناقضة الذات والحق في الرحيل بمعناه المطلق والحق في الصمت”، من دون أن يفصل بينها بعلامة الترقيم (الفارزة)، الضرورية للفصل بين الحقوق الثلاثة، التي أحسب مطمئناً أنه لم يفعل هذا واعياً، مطمئناً إلى أنها بمجموعها تتعالق مع بعضها لتشكّل (أقانيم) الإرادة البشرية، التي يجهد غلإنسان طوال حياته لبلوغها، لكنّ “ضيق الطريق” و”صعوبة الوصول لمن لا يكون قلبُه دليلَه” يحولان غالباً دون بلوغها، ومصداق هذا إن الروائي الصديق سجّل على لسان بطله (عبد الله) الذي ظلّ حيّاً ليسرد لنا حكاية (ينال)، ما عرفه عنه وتعلّمه منه ووثق به من أقواله وأفعاله، ضميراً وروحاً وقلباً وسلوكاً، وما هذا الذي سجله إلا ما أراد أمجد إيصاله إلى قارئه : أولاً/ الوعد دَين على المرء، وثانياً/ حتمية عودة الطيور الجارحة تحديداً “لتحطّ على صخرة أو شجرة أو مرتفع”، وهي طيور معروفة بتحليقها في فضاءات مرتفعة لقوّة قلوبها، فهي ليست كالطيور الضعيفة القلوب : العصافير والحمام واليمام وغيرها، التي ألِفت الطيران الواطئ المتقطّع والنزول في أي مكان قريب من الأرض، وشتّان ـ بالطبع ـ بين النوعين، وثالثا/ استحالة التحليق بجناح واحد مفرد”.
لقد عاش (ينـال) بعد محنة اختطافه في بغداد وتعرّضه لأشد أشكال التعذيب وأقساها، حياة جديدة تماماً في مغترَبه، وسلك سلوكاً مغايراً في كثير من تفاصيله لما تربّى عليه وورثه من قيم وأخلاق تقليدية يمكن وصفها بـ “السكونية”، من دون أن يفقد هذه القيم والأخلاق الموروثة أصلاً، بل جعل من أقنوم : الوفاء بالوعد ـ مهما يمكن أن يُعرّضه إليها من متاعب ـ أقنوماً ثابتاً في عقله وقلبه يُصرّ على التمسّك به، فهو ـ مثلما أحسب ـ معادِل عنده لـ “الحق في مناقضة الذات”، ولاسيما إذ تحوّل من مجرّد مترجم أخبار في قناة تلفزيونية إلى واحد من كبار تجّار الأسلحة وتهريبها لدول ومنظمات إرهابية، مما مكّنه عمله هذا من الإثراء الفاحش وانتزاع مكانة اجتماعية ووجاهة وقدرة على البذخ، لم يكن ليحصل عليها من عمله السابق، وإن كان وارثاً لبيت كبير ومعمل للحلويات، بحيث راح “يؤثث” في أعماقه شخصاً آخر بنفس طالما قرنت بعرى وثيقة بين البذخ والكرم والبذل ـ بلا مِنّة ـ لمن يجده أهلاً لهذا، (سانا/ الطالبة فنلندية الأصل) التي تعرّف عليها في أحد النوادي الليلية بباريس، في لحظة إفلاته من مطاردة أقلقته.
أما الأقنومان الثاني والثالث (الحق في الرحيل بمعناه المطلق والحق في الصمت)، فظهرا واضحَين في اختياره وضع حدّ لحياته بالانتحار، بعد قضائه أوقاتاً سعيدة مرحة مثلما ستُخبر زوجه (سميرة) ابنة الوزير التونسي المتقاعد، عرّابه في تجارة الأسلحة، بطل الرواية السارد (عبد الله) يوم فتح وصية (ينال)، فكان انتحاره بصمت ومن دون ضجيج، تعبيراً آخر عن كرم نفسه وقوة قلبه وشجاعة صار يحملها في ضميره مرتاحاً، بما جعل من هذين الأقنومَين يبدوان معادِلَين لما قد يكون أضناه كثيراً من أن تحليقه المالي والاجتماعي لم يتحقق إلا بـ (جناح آخر مستعار)، مثّله والد زوجه الذي أدخله في مجتمع تجّار السلاح المُهرَّب، مثلما أعلمنا أمجد توفيق في روايته هذه، فضلاً عن توصيته بأن يعود قسم كبير من ممتلكاته (مزارع وشركات ومال) إلى زوجه وابنته الوحيدة، وأن يوضع مبلغ مالي كبير تحت تصرّف صديقه (عبد الله)، لإنشاء دار ومدرسة للأيتام في بغداد يكون رئيس مجلس إدارتهإ ومديرها المسؤول (ص 168)? بما يعني أنه (أعار) هؤلاء مثلما فعل مع الطالبة الفنلندية (سانا) أجنحة للتحليق عالياً، وقد عرف فيهم ومعهم صدق المحبة والسعادة والثقة، وفي هذا لا أحسب أن الروائي الصديق وقع في التناقض نفسه الذي وقع فيه (عبد الله)، عندما خاطب صديقه (تنال) بعبارة :”وأُدرِكُ أنّك حلّقت عالياً بجناح واحد مفرد”، وأسس عليه فرضية ذكره عبارة :”ولأنه كذلك، أخذتك الدوّامة”، بل أرى أنها من (المُسلّمات) التي وظّفها الروائي الصديق أمجد توفيق، لكي يعزز في الأذهان صورة الشخصيات التقليدية (النمطيّة) البعيدة عن المغامرة ومسالكها، لعدم وثوقها من إمكاناتها وقدراتها الشخصية. ذلك؛ إن (عبد الله) الذي عرفنا أنه مدرّس متقاعد، وأنه سبق أن اصدر رواية وحيدة، بدا معدوم الثقة بنفسه غابناً لها لعدم اعترافه بإنجازها وأهميتها، حتى لقد عرفنا من حواره مع زوجه (أم فيصل) بعد تعرّفه على (ينال) مباشرة، أنه لم يكن واثقاً من دخوله ميدان الأدب وأن روايته :”إن هي إلا خربشات، لا أذكر أني تحدثت عنها، كانت رغبة آنيّة وانتهت في وقتها” (ص 14)? فإذ تؤكد له زوجه أنها صارت كتاباً موجوداً، يُجيبها :”نعم؛ إنه يحكي خيبتي”، فتوصل إلى القارئ ما يُشبه الشعور بالأسى من جانبها :”لم أسمع يوماً أن هناك مَن يتحدّث بالسوء عن نفسه سواك” (ص. نفسها)، ثم إخبار (ينال) له بعد صفحات بما كانت زوجتا الاثنين تتحاوران فيه :”سمعتها تشكو من طريقتك في غُبن نفسك، فأنت أديب ترفض الإعلان عن ذلك” (ص 20)? وسيتكرر هذا الإعلان عن غبن (عبد الله ) لنفسه في حوار لاحق بين (ينال) وبينه بعد أن طلب الأول منه مساعدته في إكمال أوراقه (ما يُشبه سيرته التي كان بدأ بتسجيل بعضها)، فأجابه :”أنا مدرّس متقاعد، ولي تجربة روائية واحدة…”، ليردَّ عليه (ينال) :”إنك تصرّ على غبن نفسك” (ص 61)? ويحاول أن يُشعره بالثقة لاحقاً عندما يدّعي (عبد الله) أنه :”رجل خالٍ من أية قوة مزعومة”، فيقاطعه قائلاً :”تلك هي قوّتك الحقيقية حين لا تشعر بها، أو الحاجة إليها” (ص
138).
تحليل رواية
ولابد لي أخيراً من الإشارة غلى ما سبق وأعلنته ابتداءً، أعني عدم الدخول في تحليل للرواية سبقني إليه عشرات من النقدة المتخصصين والمتلقّين الأفاضل، لكنّ الأمر لا يخلو من خاتمة تليق بالصديق الروائي المبدع (أمجد توفيق) وبرواية (ينال) هذه، وسأختم بالتقاط ما قرأته فيها مما يشكّل مداليل على الدوالّ التي أصبتها من ثلاث قراءات لها، فهذا ـ مثلما أرى ـ أفضل نفعاً مما يتحصّل عليه القارئ، من قول (ينال) :”كنتُ محض كائن بجناح واحد، لم أكن قادراً على الطيران، والاعتراف أن الجناح المفرد لا يحقق الطيران” (ص 26)? ثم قوله :”كل ما في الأمر أن صدقي الشديد هو ابن لحظته ولا يمكن أن يستمر خارج زمنه” (ص27)? ومن ذلك أيضاً قول (عبد الله) :”الروائيون ليسوا مؤرّخين، والصدق لا يعني لهم سوى صدقهم الفني” (ص56). إنها رواية تدفع قارئها إلى التخلّص من الخوف والضعف وغبن النفس، والتحليق بقلب صقر أو نسر أو شاهين، وإكرام الروح بالثقة والشجاعة والعطاء، لتجاوز معادلة الخير والشر، التي سيصفها (تنال) بـ “خرافة الأبيض والأسوَد” واثقاً (ص 50).























