أمجد ناصر في بيروته الصغيرة
ما أشبه اليوم بالبارحة
فيصل عبد الحسن
نقرأ في اليوميات عن حياة ذلك الشاب الأردني يحيى النعيمي، من مواليد 1955 الأتي من مدينة المفرق، الواقعة على إحدى طيات الصحراء الأردنية، الذي أنتقل من مناطق البداوة في المفرق إلى بيروت ” مدينة الأنوار العربية”، وعمل في صحافة وإذاعة المقاومة الفلسطينية فنصاب بالدهشة وتغمرنا روح المغامرة ونتفاعل مع السارد. فنجد في سيرة ” يحيى النعيمي ” الشاب الذي كان بعمر السابعة والعشرين، والذي عمل في جريدة الهدف وكذلك في إعداد البرامج الثقافية لإذاعة المقاومة الفلسطينية في بيروت، وعاش شهور الغزو الأسرائيلي الثلاثة من عام 1982 يوماً بيوم ولحظة بلحظة مما يمتع ويحزن القارىء في الوقت ذاته.
” يحيى النعيمي ” الذي انتقل بعد تلك الحرب إلى قبرص، ومن مدينة نيقوسيا انتقل إلى بريطانيا، ليستقر في لندن ويعمل في جريدة القدس العربي، وصار بعد ذلك شاعراً معروفاً وكاتبا ًعربياً مهماً بأسم أمجد ناصر. نقل لنا أمجد ناصر في يومياته ” بيروت صغيرة بحجم راحة اليد ” ما عاشه وغيره من شباب الثورة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية، خلال أيام المحنة التي أمتدت لثلاثة شهور من عام 1982، وأنتهت بترحيل ما تبقى من مقاومين فلسطينيين في لبنان إلى تونس عبر البحر. أن الكاتب نقلنا بلغته المدهشة، التي أمتازت بجملها القصيرة، وأستخدامه المميز للفعل المضارع بكثرة في الإشارة إلى زمن ماض، مما جعلنا نعيش وهم العودة إلى تلك الأيام الضاجة بالموت والدمار. لقد وضعنا الكاتب في أتون حرب حقيقية، أستخدم فيها الجيش الأسرائيلي كل أسلحة الدمار التي في حوزته، وسط صمت عربي حكومي مريب، وأستخدم فيها أعتدة مدمرة بما فيها القنابل الفراغية، التي كانت تحيل عمارات شاهقة في بيروت إلى أكوام من الركام والغبار.
وسجل أمجد ناصر لنا في هذه اليوميات التأريخ الإنساني للمقاومة الفلسطينية واللبنانية أثناء الغزوالإسرائيلي لبنان عام 1982.
وليمة مشتركة
يقول الكاتب عن ذلك، أن الحرب كانت تبدو كنهاية للعالم، وهرمجدون أخرى، ” الحرب الفاصلة بين الخير والشر لتحديد مصير العالم كما في الأساطير المسيحية ” وأن الطائرات لا تبدو كتلك التي تم أختبار تدميرها في حروب أسرائيلية سابقة مع العرب، فقد بدت في هذه الحرب كقلاع طائرة تلقي بحممها هنا وهناك. بعد ثلاثين سنة استعاد أمجد ناصر في يوميات ” بيروت صغيرة بحجم راحة اليد ” تلك الأوقات العصيبة، التي قال عنها ” فبين حين وآخر يتسلّل إليَّ بعض كوابيسها واحلامها ” ويضيف: ” تعود وجوه غامت، وكادت أن تمّحي، … أرى طائرات تسدّ السّماء، وشبّاناً يصوّبون رصاصاً يائساً على تلك القلاع الطّائرة “
الحرب التي أمتدت زمنياً بين الثامن من شهر حزيران ” يونيو” 1982 وتوقفت عند الرابع والعشرين من آب ” اغسطس ” من العام نفسه أشرت لأمجد ناصر، ولغيره من شباب المقاومة شكل المستقبل القادم. أنه مستقبل الحيرة، والغموض العربي، لا للمقاومة الفلسطينية وحدها بل وللحركة الوطنية والتقدمية في عموم الوطن العربي.
وما بدأ به أمجد ناصر كتابه، مما علق به ياسر عرفات أيضاً على مغادرة المقاومة لبيروت، وهو خير دليل على هذه الحيرة، التي جعلت الحد الفاصل بين النصر، والهزيمة يختفي في هذه المعركة مع إسرائيل، وتتحول هزائم العرب بعد تلك الحرب إلى هزائم دامية لإسرائيل وحلفائها أيضاً حيث لم تعد حروبها مع العرب نزهة.
فلم تعد هناك هزائم خالصة للعرب يلعقون بعدها جراحهم وحدهم، وسط شماتة اعدائهم بهم، لقد جعلها المقاومون في بيروت وليمة مشتركة يتقاسمها الطرفان، المعتدي والمُعتدى عليه، وكل منهما ينال ما قسم له فيها من عذاب.
ووضع الكاتب في مقدمة كتابه ما قاله ياسرعرفات عن ذلك الزمن المُحير ” “حين ألقيت النظرة الأخيرة على المدينة قبل أن أغادرها بكيت!! “
” كانت تلك من اللحظات النادرة في حياتي التي جرت فيها دموعي بهذه الغزارة.. إن حصار بيروت ومغادرتي لها قد فتحا جرحا عميقا في قلبي.. نظرت إلى المدينة وأنا على ظهر السفينة وشعرت كأنني طائر مذبـوح يتخبط في دمه. “
زمن الحيرة
لقد كان رأس المقاومة الفلسطينية هدفاً رئيسياً مطلوباً في هذه الحرب، التي حدثت بعد أن جعلت إسرائيل محاولة أغتيال سفيرها في برطيانيا شلومو أرغوف ذريعة لهذه الحرب، وقد إعلنت أن أحد أهداف هذه الحرب تصفية المقاومة الفلسطينية وقياداتها إلى الأبد. فلم تستطع خلال تلك الحرب من تحقيق هدفها ذاك بالرغم من الدمار الذي لحق ببيروت وأهلها، وكان لنجاة قيادة المقاومة الفلسطينة، وأكثر رموزها وكوادرها الفكرية والثقافية هو أنتصار ضمني لهذه المقاومة.
وأفشالها للهدف الستراتيجي، الذي وضعته أسرائيل لعدوانها ذاك، فكان ذلك سبب الحيرة، التي أشرنا إليها في تقييم النصر أو الهزيمة لدى المقاتلين الفلسطينيين. وأمجد عبر عن تلك الحيرة أجمل وأدق تعبير حين قال في يومياته ” أبطال الملحمة يتبعثرون في أوديسا جديدة، بعدما أوقفوا أعتى قوّة عسكرية في الشرق الأوسط على أبواب بيروت المقاتلة. بعدما انتصروا يُكافأون بالتّشتّت والبعثرة. بالنّفي. أشعر بشيء من فقدان الوزن
أن ما كتبه رشاد بوشاور في كتابه الذي نشر عقب حصار بيروت ” آه يا بيروت ” وكتاب ” بيروت صغيرة بحجم راحة اليد ” لأمجد ناصر سيبقيان وثيقتان حيتان، تعيدان إلى الأذهان ما دار على الناس في بيروت في ذلك الزمن الدامي.
وتنفرد يوميات أمجد ناصر بتفصيلات إنسانية عن الناس في غاية الأهمية، لأي موثق يريد أسترجاع مفردات البطولة والصبر لدى من عاشوا وقاوموا المحتل الأسرائيلي بآلته العسكرية الحديثة أثناء حصار بيروت عام 1982 .
لقد أثرى أمجد ناصر مشاهد يومياته، بكتابة نثره المميز، الذي لا تستطيع أن تفرقه عن شعره، فهو شعر حقيقي عن ناس حقيقيين يحلمون ويعيشون ويكتبون يومياتهم، وينظرون في لحظات التأمل إلى امرأة تبدو من خلال زجاج نافذة شقتها، وهي تضع المكياج على وجهها، متزينة في بيتها، دون أن تعبأ بما يحدث في بيروت من ترويع وقتل.
مدينة منضغطة
ويختار الكاتب نماذج أخرى من أهل بيروت والمقاومين، ويعدد الكاتب بعضهم بالأسماء كغسّان زقطان، زكريا محمد، ميشيل النّمري. غالب هلسا، فيصل الحوراني.
ويصفهم وهم يحاولون طيلة الوقت أن لا يظهروا خوفهم، الذي هو طبيعة إنسانية، وضعها الخالق تعالى فينا كبشر جميعا، لنحمي أنفسنا من الهلاك، خصوصاً حين تغير الطائرات حول مخابئهم، وتلقي بحمولاتها من المتفجرات، أو حين تقصف البوارج الحربية الإسرائيلية بيروت من البحر. وهم يتنقلون بين مكاتب إذاعة المقاومة الفلسطينية، أو جلسات سمر ونقاشات فكرية وسياسية في بيوتهم تحت القصف، وتصم آذانهم أصوات أنطلاق المقاومات الأرضية أثناء مواجهة الطائرات العدوة المغيرة، أو بسبب قصف الطائرات الأسرائيلية لمواقع في المدينة. وكان سلاح المقاومين الرئيسي في مقاومة العدو الكلمة والقصيدة، والتعليق الساخر والروح المعنوية العالية، والأصرار على المواجهة، والتحدي بالسلاح الخفيف والمتوسط بالرغم من الموت والدمار، الذي كانت تنشره آلات حرب العدو الثقيلة في بيروت. وفي الجزء الأخير من اليوميات تناول الكاتب رحلته عام 1996 إلى بيروت، وكان كمن يبحث عن وجه حبيبة قديمة، غادرها منذ أكثر من عشرين عاماً، فهو لا يصبر على رؤيتها من الأرض بل يحاول رؤية ما ألت إليه أحوالها من نافذة الطائرة، وهو لا يزال معلقاً بين الأرض والسماء. فيقول عن ذلك في يومياته ” لاحت المدينة منضغطة، بكثافة بين الجبل والبحر. ليس لبيروت عمق منبسط، فالجبل من ورائها والبحر من أمامها ” وخلال عودته لبيروت يكتشف كم تغيرت المدينة!! عمارات جديدة وفلل حديثة الطراز، ولوحات إعلان ضخمة تذكر بشركات الأستثمار الكبرى.
طاقة الشعر
ومن التغيرات التي اهتم بها صاحب اليوميات في بيروت، وهو يزور بيته السابق في ضاحية أبو شاكر اختفاء الأكواخ الصغيرة والبسطات في منطقة الروشة، التي كانت تحجب البحر، لصالح الرأسمال، الذي أزاح كل ما أمامه ليستثمر في تلك المنطقة ومناطق أخرى كثيرة من بيروت ويحولها إلى فنادق ومقاه ومطاعم سياحية. حتى المقاهي التي كان يرتادها في تلك الفترة أختفت، ومنها مقهى الغلاينيي الذي تحول إلى مطعم فاره بأسم الميريلاند، ولاحظ أرتفاع إعلانات السلع الأمريكية، هنا وهناك أبتداء من مطار المدينة، وإلى مركزها، أمرأة ترتدي الجنز وشاب أمريكي يدخن ” لاكي سترايك “.
صفعة التحولات الكبرى في شكل بيروت الجديد جعلته يفكر بواقعية عما مر به وعاشه، فكتب ” إنّ عودتي إلى بيروت هي عودة زائر فرد، بينما لم يكن وجودي فيها كذلك ؟. “
” يومها كنت جزءاً من حالة. كنت مواطناً. عالم انتهى تماماً: بناسه وإعلامه وشاراته وأسلحته وكتبه وتجاوزاته ومعجمه واحلامه. عالم اندثر دون أن يترك أطلالاً. فنحن أطلاله، ووشمه الحائل . “
وتزداد غربة أمجد، وهو يكتشف كم من المياه مرت تحت الجسر حين حاور شاعراً لبنانياً يمثل الأجيال الجديدة من الشعراء في لبنان، ليعرف مزاج الشعر الجديد، فإجابه:
” لا تنشغل الكتابة اللبنانية اليوم بسؤال الهوية، بل بسؤال اليومي والتّفصيلي في مكان متشظ…. نعرف هذه الحياة التي نباشرها كلَّ يوم في مكان مزّقته الحروب والعصبيّات. لا النّزعة التغريبية الفجّة، ولا صخب القومية العربية، بقادرين على اجتذاب الكتابة إلى أي من خندقيهما المتواجهين. فهما ببساطة لم يعودا موجودين. أن ما ركز عليه أمجد ناصر في يومياته، هي لحظات الأكتشاف، واليأس، والأمل، والإحباط والفرح والحزن، التي مر بها كإنسان وشاعر، ووضع في كلمات يومياته كل طاقة الشعر، لتشع لنا تلك اللحظات بتلك الحروف القليلة، المتصلة بينها، لتكون لنا كقراء وكما تبدو كلمات بريئة محايدة، لكنها ليست محايدة حقاً!!
كتابة أمجد ناصرعن الذي حدث وعاشه بالفعل عملية صعبة على الكثيرين غيره، ممن زعموا كتابة اليوميات أو النصوص الشعرية، فمن الصعوبة أن تجعل من الكلمة المحايدة موقفاً مشعاً يعبرعن رؤية جيل كامل، لما حدث على الأرض، ولكن أمجد ناصر في بيروته الصغيرة أعاد القول ما أشبه اليوم بالبارحة، وذلك ما نردده عند كل عدوان جديد تشنه اسرائيل على لبنان أو غزة أو أي بلد عربي آخر، لقد أستطاع الكاتب أن يعيد الماضي إلى الحاضر بجدارة الشاعر والقاص في يومياته، والتي – كما أزعم – ستغدو سجلاً إنسانياً لتأريخ الحرب، ووثق لما حدث على الأرض في بيروت عام 1982 .
{ كاتب مقيم في المغرب
-كتاب ” بيروت صغيرة بحجم راحة اليد ” / صدر عن الأهلية للنشر والتوزيع عام 2012/ عمان / 224 صفحة من القطع المتوسط .
























