أشجار النخيل تغسلها الدموع- مقالات – ثامر مراد

نتعثر في الطريق من شدة التعب . عند بيت العم عبد الجبار كان الهدوء يرسم تاريخاً محملاً بالحزن وسكينة كأنها سكينة ألأموات في المقابر البعيدة. أختفت جميع النسوة وعادت شقيقاتي الى دارنا الصغير المتواضع الطيني قرب بيت راضي المحمود رحمهُ الله. لم أعد الى البيت فالنهار لازال طويلاً وعلي أن أشبع رغباتي الكثيرة في اللعب مع الصغار أو نذهب لسرقة بعض الفواكه من هنا أو من ذاك البستان عند الطرف ألآخر من منطقة الحدث. إعتدنا نحن الصغار أن نفعل أي شيء يوفر لنا قليلاً من السعادة والضحكات التي تعبر عن البراءة في زمن الطفولة. من بعيد شاهدتُ هيكلاً بشريا ملتفاً بعباءة سوداء يفترش ألأرض وحركات ماساوية تصدر منه. تركتُ ألأطفال  ولاأدري لماذا  وذهبت لأستطلع سر ذلك الجلوس الحزين تحت أشجار النخيل. لأنني طفلٌ صغير في معايير الحياة ألأجتماعية في ذلك الزمن ,لم يتحرك المخلوق البشري حينما جلستُ قربه ورحتُ أتطلع في نظراتٍ قدسية الى أعماق العينانِ الصافيتان صفاء السماء في ذلك اليوم المشمس. كانت  شقيقة العروس فطومةتبكي بحرقةٍ شديدة وتلطم خديها وتقول بالحرف الواحدهداوي..منوا بعد يستقبلني من أجي الى البيت؟ هداوي رحتي وعفتيني؟ كانت تأخذ من ألأرض  حفنات من التراب وتنثرها على شعرها بهمجية مفرطة كأنها ودعت إنسان عزيز الى المقبرة في يومٍ أسود. لم أتحرك من مكاني. كان قلبي هو الجزء الوحيد في جسدي ينبض بالحياة. لا أعرف ماذا أفعل؟ هل أبكي معها أم أهرب الى الطرف ألآخر من البستان كي أفرغ دموعي بعيداً عن المارة بين الحين وألأخر؟ حنينٌ مفرط لذلك المشهد قبل أكثر من خمسين عاماً . صراع في داخلي ظل يلازمني طيلة العمر أستفسر من خلاله عن سر تلك الدموع المتفجرة في البستان؟ أدركتُ بالفطرة أن من تخرج كعروس من بيت أهلها يبكون عليها , والمرأة التي تأتي كعروس يزغردون لها وينثرون الحلوى في كل ألأتجاهات. شقيقتها كانت بالنسبة لي تمثل رعباً طفولياً . كانت تضربني وتلاحقني ولم أفعل أي شيء. حينما سألت والدتي رحمها الله ” لماذا تقرصني وتضربني فطومة مرات؟” ضحكت والدتي قائلة ” هي تحبك مثل طفلها الصغير وتتمازح معك” . نهضتْ وعدلت وضع شعرها ومسحت دموعها وعادت الى بيت والدها. لم أتحرك من مكاني ورافقتها نظراتي من بعيد وأسئلة كثيرة تفور في داخلي ” لماذا كانت تبكي وتلطم خدها؟” . عند الليل سالتُ والدتي عن سر تلك الدموع التي كانت تذرفها فطومة؟ من خلال حديثها البسيط عرفت أنها فارقتها لتكوين عائلة في مكانٍ بعيد ولن تراها في أي وقتٍ تريد وهذا هو سر دموعها المتفجرة في البستان. خمسون عاما أو أكثر مرت ولم أشاهد تلك العروس التي سببت لي عقدة طفولية إسمها البكاء عند الرحيل الى بيتٍ آخر. راحت وذهبت مع الريح . شاء القدر لأتعرف على ولدها بعد كل تلك السنوات وراح يوجه لي سؤالاً ” أين كنت تعيش مع الجنابيين؟” . عجيبٌ هذا الزمن ؟ سلاما تلك الدموع المتفجرة في البستان.”