أسيجة

أسيجة

شيماء الدباغ

عش مهشماً يسقط بين أصابع قدمي؛ أتنفس:

– حمداً لله لم تكن الأفراخ به..

أراها باسطة أجنحتها للسماء تحلق، كان العش في فجوة من إحدى زوايا البيت التي أطلت على السطح بين مزاربه المائلة وقد تدلت منها بعض الأعشاب، تلك الطيور أحسدها؛ حرة تتأرجح بين السماء والأرض، لا يد تطالها، ولا صوت يعصف بها، ولا سياط تحيطها كي تغير فطرتها، أنظر ما حولي، أربعة جدران تستنطقني، تخرز سمعي:

هو حرامي..

رغبة ملحة للبكاء، لا جدوى من محاولة هروبي، أبحث عن جيوبي، أقلب أوراق النسيان، علّه لم يسرق بعد تلك السنين المشلولة بصمتي، أشك أن الفصول تستقبل الربيع؛ أشك أن محفظتي تملؤها أسئلة عقيمة وأجوبة حيرى، هو لم تشغله هذه الحواجز ولم يعدّها يوما أسوارا لغربتي، تتخبط أفكاري بأحد الجدران، وآخر يلقمني القول:

– سارق .. سارق ..

كنت بين مثيلاتها الأربع، ولكن شتان بين جدران بيضاء تقطر نصاعة؛ يرقد فيها قلب نقي مشكول بالبراءة بحروف فطرية، وبين تلك التي كبلتني؛ و تنبّ مرة أخرى:

– حذار من اللص!

أنظر إليه وذهول يستوطن وجهه:

– أنا أقرب منك لتداعبي تلك الجمادات وتحاوريها؛ أبلهاء أنت؟

أعلم أنه انتزعني من حيطاني العتيقة ليحكم قبضته عليّ بين أربع ينهشها الفراغ وتأكلها الغربة، أسقط وسط حروفي أشلاء، أجزّ الأسى مني علّ الكلمات تلملم بعثرتي، أعاقر أحلامي كي أقتلعني من يأسي؛ أنظره هنا وهناك، أجدني في أسره، بعيداً عن ملامحي، قريبا من وحشتي، أقتنص حلماً أملاً بما تنبئ به الأيام بعد الطوفان؟ يحملق فيّ وعيناه تقدحان شرراً وشراً:

– هات الكتب ..

ترتجف حبات دمع تفيض من مقلتي جازمة أن الصبر بَرَكَ مع توقف الزمن واشتعل الرأس شيباً، لحظة فزع وهو يشدني بقوة من كتفي يؤزني أزّا:

– لا تدّعي البراءة!

أصرخ بوجهه:

– ما أبقيت شيئا، هي أُنسي ..

يردف مزمجرا:

– الدنيا فانية..

كمن يلوك سما زعافا:

– هل انفردَتْ بي؛ وهل تتوقف عند فنائي؟

أزيد:

– حسنا لا بأس خذها ودع روحي تفر بلا قيد أو شرط..

لحظة صمت منه معزياً حاله:

– أين القصد؟

جارتي تشق سكون جداري، وهو على مضض يُفلت كفي من قبضته، تعد العدة لجلسة قهوة مُرة كأيامنا التي كحلتها الأحزان، تقرأ الفنجان، تشهق بوجهي وتنوح بين أصابعي القهوة اندلاقا؛ قبل الشرب بقعة بنية لطخت كفي، بصعوبة تفك أصابعي الملتوية:

يا(للبخت) يلزمك حجاباً ومنديلاً وأثراً من ملابسه لنثبت العمل!

يا للحماقة.. يا لعجزي لأحيل أمري بين يدي تلك الشمطاء المشعوذة، لن تكف تتحرى بنظرة وأخرى طمعا لإرضاء جيبها، صرخت نفسي:

تبا لها، سألتزم الصمت علّها تمل وتخرج؟

الجارة لا تلوي تبرم ممتعضة لِصدِّي لها؛ لملمتْ محاشي الكلمات ومقتنياتها التي أفسدها الدهر وخرجت تترنح كفاها يمينا وشمالا، هو منتظر خروجها مستنداً للحائط يتذمر ليعيد كرّة النزاع ثم أشرد منه، ينغز رأسي بأصبعه كرصاصة تخترق سكوني:

كفي عن أحلام الخائبين..

تبتسم مخيلتي؛ ويزعم أنه لا يفهمني؛ يزعم أن بيني وبينه أميالاً لا تعد وحدوداً بأسوار عالية، وصمتي سوط يجلده، تصرخ الجدار مجتمعه:

حاذري يسرق!

يملأ جسدي بكدمات سنين عجاف، وما عاد الجلد يستجيب للألم، فقلبي مثخن بالجراح؛ سرحت بعيداً خارج حدود اليقظة، اعتليت صهوة حلم كسر أغلال الماضي واقتفى أثر سحابة بيضاء نثرت الشوق رحيقا حطت عليه فراشة السكينة تجتذب الهدوء لنفسي، تبسمت مروج الفرح غصناً داعبت أجنحة قلبي وهو يحلق بعيدا.. بعيداً وشفاه رفيفة أخرست كل الجدران:

أيتها الدخيلة ..

ونظرة إشفاق إليه:

– أيها السارق.