أخلاقيات ضاعت في الشؤون الثقافية –  نادية هناوي

أخلاقيات ضاعت في الشؤون الثقافية

–  نادية هناوي

قبل عدة شهور، طَلب مني الرئيس الحالي لتحرير مجلة الأقلام الكتابة في موضوع السرد العراقي إسهاما في عدد خاص تصدره المجلة بمناسبة (مئوية السرد العراقي)، وفعلا أرسلت بحثاً بعنوان( قرن من السرد العراقيّ :عالميّة تجريب محكي التّاريخ سرديّات جهاد مجيد أنموذجاً)؛ ولولا تقديري للمناسبة وأهميتها واستجابة للدعوة المباشرة لما فعلتُ؛ لأني لا أرسل كتاباتي إلا لمؤسسات أثق بمصداقيتها وأتاكد من أهليتها المهنية والمعرفية.  وطال انتظار صدور العدد، فاستفسرت ممن طلب مني الكتابة في الموضوع: هل ما زالوا على نيتهم في إصداره وما مصير بحثي؟ فأكد لي نيتهم السابقة وأن بحثي( على رأس البحوث)هذا هو نص عبارته التي ما كان لي إلا الوثوق بها جرياً على ما ألفناه من تعاملنا مع رؤساء تحرير المجلات المحترمة التي تحرص على إثبات مصداقيتها تعزيزاً لعراقة تلك المجلات.

صدر العدد ولم أجد بحثي منشورا لا (على رأس البحوث) ولا في ذيلها؛ ولما اتصلتُ واستفسرتُ عن الأمر ردَّ عليَّ بعذر لا يمتلك أساسا من الصحة، مفاده أن في البحث تقليلاً من شأن أحد الباحثين وهو ادعاء مختلق، فلم يرد ذكر هذا الباحث في بحثي البالغ سبعة الاف وخمس مئة كلمة إلا في جملة واحدة اذكر فيها اختلاف أحد القصاصين معه في مناقشة بينهما ضمتها مقالتان منشورتان في مجلة الاقلام نفسها في تسعينيات القرن الماضي علما بأن اسميهما لم يسبقا أو يشفعا بأي نعت من قِبلي لا سلبا ولا ايجابا، بل هي جملة إخبارية حسب(اختلف فلان مع فلان ) فمن أين أتوا بتقليل شأن الباحث ؟! ولنفترض أن لهذا الباحث قدسية لديهم، فالمتعارف عليه عند حصول اختلاف يصعب على المجلة تمريره أن يُصار الى الاتصال بالباحث والطلب منه أما حذف الفقرة المحرجة !! أو تبديلها أو أن يرفض ويسحب بحثه إن ارتأى ذلك. ولكن أنّى للقائمين الجدد التمتع بهذه الأعراف التي درج على احترامها والعمل بها كل من تشرَّب أخلاقيات النشر التي اكتسبها بالدربة ورصانة الوعي، ويدرك معنى التكليف ومعنى الاستجابة لهذا التكليف مبادئ وتقاليد لن تتوفر لمن لا يمتلك خبرة  ولا دراية ولا تاريخا في إدارة المؤسسات الثقافية.

  وإذ أطرح الموضوع بهذا الاهتمام فليس من باب الاكتراث بعدم نشر بحثي؛ إذ يعلم القاصي والداني من أصدقائي وزملائي المحبين ويعلم الحساد والحاقدون أيضا بأني أكثر الكتاب نشرا في كبرى المجلات والصفحات الثقافية ويصدف أن تظهر لي مقالتان أو ثلاث في اليوم الواحد داخل العراق أو في المغرب العربي أو الخليج أو في المجلات التي تصدر في عواصم غربية. وتشرفت بعضوية لجان استشارية لمجلات محكمة في جامعات عربية واجنبية بل كلفت بالاشراف على اصدار اعداد خاصة بالسرد لمجلات محكمة لجامعات في المغرب العربي فضلا عن عضويتي في مراكز بحث دولية لجامعات في تركيا والهند وأوزبكستان وايران يحلم بالوصول اليها الطارئون وإداريو الصدفة في المؤسسة الثقافية، لكنني بكل الحماسة انتفض للدفاع عن مبادئ وقيم التعامل الراقي السليم مع الباحثين والكتّاب وفضح كل محاولة للتجاوز عليها من لدن الطارئين والمبتدئين الذين تتعثر خطاهم وهم يتسلقون بها سلالم الوظائف التي اُوجدوا فيها فجأة. وأحمد الله وأشكره لأن بحثي لم ينشر في عدد يستحق أن يوصف بالهزيل قياسا إلى تلك الأعداد الخاصة التي أصدرتها مجلة الأقلام في العقود الماضية أوان تولي أدباء كفاة مسؤولية إدارتها وأضافوا إليها من خبرتهم وإبداعهم ومعارفهم مثل طراد الكبيسي وعلي جعفر العلاق وحاتم الصكر وأحمد خلف حيث صدرت أعداد خاصة في القصة والرواية والمسرح والشعر والنقد،  تركت آثارا مهمة في الثقافة العراقيةـ، واشَّر باحثون معتبرون التحولات التي أحدثتها في بنى الإبداع العراقي ولا تزال جذوتها متقدة على الرغم من مرِّ العقود عليها مع أنها أعداد سنوية وليست ( مئوية ) !!!