أحمد بن بلة
عبد الله محمد القاق
ودعت الجزائر في الاسبوع المنصرم رجلاعظيما أضاء بحكمته وبصيرته الطريق إلى الحرية وبناء دولة الجزائر الحديثة.
فقد ولد بن بلة لأسرة من الفلاحين في الخامس والعشرين من كانون الأول 1916, ونشأ في غربي البلاد قرب الحدود مع المغرب، ويعد من أبرز الشخصيات في حرب الاستقلال ضد الاستعمار الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية وقضى سنوات عدة في السجون الفرنسية. ويعتبر بن بلة واحدا من الزعماء الكبار الذين عملوا في إطار دول عدم الانحياز مثل الكوبي فيدل كاسترو والمصري جمال عبد الناصر والهندي جواهر لال نهرو والصيني ماو تسي تونغ، ووقفوا بوجه الإمبريالية .
وفي 27 أيلول 1962, أصبح بن بلة رئيساً للمجلس الوطني للثورة الجزائرية ورئيساً للحكومة. وفي الخامس عشر من أيلول عام 1963 انتخب رئيسا للجمهورية ورئيسا للحكومة. واعتبر بن بلة واحدا من المجموعة الصغيرة التي أطلقت شرارة الثورة على فرنسا وأصبح أول رئيس للجزائر بعد استقلالها إلا أنه أمضى 24 عاما في السجن. ومع أنه أصبح رئيسا إثر انتخابات في 16 أيلول 1963، فإن بومدين أطاح به في 19 حزيران 1965 وزج به في السجن. وتأتي وفاة بن بلة في الذكرى السنوية الخمسين لاستقلال الجزائر، تتباين مشاعر كثير من الجزائريين في هذه المناسبة لأنهم يرون أن طموحات مؤسسي الجمهورية الجزائرية الذين يمثلهم بن بلة لم تتحقق بالكامل. وقد اشاد بدوره النضالي والوطني والقومي الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة مشيرا الى انه لعب دورا بارزا وكبيرا في الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي واسهم في بناء الدولة الحديثة.
بنا بلة الرئيس الجرائري الاسبق عميد حكماء افريقيا الراحل كما يحلو للرئيس كاوندا الزعيم الزامبي تسميته في الجزائر، اصبح رئيساً للجمهورية من عام 1963 ــ 1965 حتى تولى مكانه الرئيس الراحل بو مدين في انقلاب أطاحه. لقد قابلته عام 1994 بدعوة كريمة من الحكومة الجزائرية قدمها لي السفير الجزائري في الاردن والدبلوماسي المرموق سيدى محمد قوار الذى لعب دورا بارزا في تطوير العلاقات الاردنية ــ الجزائرية في شتى المجالات وهو موضع التقدير والاحترام من كبار المسؤولين لسياسته الحكيمة في تطوير العلاقات الاخوية بين البلدين الشقيقين الاردن والجزائر في ضوء حكمة القيادتين الاردنية الملك عبدالله الثاني والجزائرية بقيادة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة والذي ألقى الضوء في اكثر من لقاء صحفي وندوة عن الانتخابات التي ستجري في الخامس عشر من الشهر المقبل بكل حرية ونزاهة وشفافية وديمقراطية تكريسا للسياسة الديمقراطية التي ينتهجها الرئيس الجزائري بو تفليقة في كل المجالات.
أصدقاء احمد بن بلة الذين قابلتهم في الجزائر في العام قبل المنصرم ومن بينهم الاخضر الابراهيمي الزعيم الجزائري المعروف لا يخفون دوره الوطني وحبه لامته العربية والاسلامية، فقد ولد في مدينة مغنية وواصل تعليمه الثانوي في مدينة تلمسان وتأثر باحداث الثامن من ايار عام 1945 فانضم الى الحركة الوطنية باشتراكه في حزب الشعب الجزائري وحركة انصار الحريات الديمقراطية حيث انتخب عام 1947 مستشاراً لبلدية مغنية ثم اصبح مسؤولا على المنظمة الخاصة وشارك في العديد من العمليات العسكرية ضد القوات الفرنسية وخاصة في مهاجمة مكتب بريد وهران عام 1949 برفقة زميله حسن ايت احمد ورابح بيطاط.
بن بلة، كما قال لي وانا اجلس الى جانبه على طاولة الغداء في قصر الصنوبر يرى ايام نضاله وسجنه بأنها من اجمل الايام، حيث يقول ان النضال ضد المستعمر فيه حلاوة ورغبة في التحرير من هذه العبودية، لا سيما ان الفرنسيين كانوا قساة وعُتاة في تعاملهم مع الجزائريين سواء في القتل او التشريد او نهب الخيرات، فكان نضالنا واجبا محتوماً ومفروضاً لانهاء بلدنا من هذا الاستعمار البغيض. لقد حكم على بن بلة بعد سجنه بسنتين، سبع سنوات اخرى وهرب منه عام 1952 ليلتحق في القاهرة بكل من حسين آيت احمد ومحمد حيذر، حيث قبض على الوفد الجزائري لجبهة التحرير مرة اخرى في عام 1956 خلال عملية القرصنة الجوية التي نفذها الطيران العسكري الفرنسي ضد الطائرة التي كانت تقله من المغرب الى تونس والتي كان معه خلالها ثلاثة من قادة التحرير وهم محمد بوضياف، ورابح بيطاط وحسين أيت احمد، وبقي معتقلا في فرنسا حتى الخامس من تموز 1962 حيث اعيد ورفاقه بعد ذلك الى الجزائر بعد استقلالها، وتم انتخابه كأول رئيس لجمهورية الجزائر في 15 سبتمبر ,1963
الرئيس او الزعيم الجزائري كان يقابل في الندوة الاممية الخمسين لاعلان تطبيق القرار 1514 لانهاء الاستعمار والتي كان لي سرف حضورها مع قادة افارقة وعرب بتقدير كبير من المشاركين في الندوة، لانه يؤمن بعروبة الجزائر منذ نعومة أظفاره واسهم في تعريب التعليم يحث قام منذ توليه رئاسة الجمهورية باستدعاء الاساتذة العرب من مصر والعراق وسوريا والاردن للمساهمة في قطاع التعليم، وقد وجد هؤلاء الاساتذة بيروقراطية في اداء عملهم، لان انصار الفرنكفونية وضعوا العراقيل امامهم كي يواصلوا العمل باللغة الفرنسية حيث اختار العديد من الاساتذة العودة الى بلادهم الى ان الرئيس بن بلة الذي تشرب روح الوطنية العربية اصر على ابقائهم، لانه كان يحب العرب والعروبة ويشيد بالدعم القومي للرئيس جمال عبدالناصر ولغيره من القادة العرب والافارقة، لقد قال لي ــ بن بلة دائما أفتخر بأنني احد مناضلي جبهة التحرير الوطني الجزائري التي كانت تتويجاً للنضالات الجزائرية من الامير عبدالقادر الجزائري مروراً بأبناء سيدي الشيخ والمقراني والشيخ الحداد والزعاطشة ومذبحة الثامن من ايار 1945 في قالمة وسطيف وخراطة وهي سلسلة نضالات شعبية وانتفاضات عديدة نابعة من قيمنا العربية والاسلامية وانا سعيد انني انطلق من هذه القيم مجتمعة .
الجزائريون يعرفون عن الاردن الكثير ويشيدون بدور الاردن وانفتاحه على العالمين العربي والاسلامي بقيادته الهاشمية وذلك بفضل الانفتاح الكبير للسياسة الجزائرية بقيادة الرئيس بوتفليقة والدور البارز للسفير سيدى محمد قوار في تجسيد هذه العلاقات الاخوية في مختلف المجالات.
لقد سألت الزعيم بن بلة ونحن نتناول الغداء اثناء زيارتي لحضور هذا المؤتمر الاممي عن سر وفائه للرئيس الراحل جمال عبدالناصر فقال انا وفيّ لفكر جمال عبدالناصر لانني اعتبره رجلاً عظيماً ساهم في دعم الثورة الجزائرية اكثر من أي شخص آخر.. في الوطن العربي، والجزائريون مدينون لهذا الرجل.. وان خروج جميع الجزائريين يوم وفاته كان دليلا على وجوده في ضمائرهم ووجدانهم بالرغم من مرور اكثر من ثلاثين سنة على الثورة والاستقلال الجزائري.
لقد امن الراحل ببن بلة بإسلاميته، وكان يذهب الى المسجد في كثير من الايام لاداء الصلوات، ويلتقي شخصيات جزائرية، يسألونه عن الثورة واجمل ايام، واحلك المواقف ولكنه يرد عليهم ان أجمل ايام عشناها في الجزائر هي أيام النضال، ايام التظاهرات الحاشدة الرافضة للاستعمار الفرنسي، من حق شعبنا ان يفرح بهذا الاستقلال المجيد بعد نضال وكفاح مريرين ، ولعل من اقواله التي يرددها الجزائريون دائما قوله لم يكن سواه رفيقي في كل الفترات التي قضيتها في السجون، انه القرآن الكريم .
سيرة حافلة بالنضالات وبالروح الوطنية الوثابة الذي يسعد بها الرئيس الجزائري الاسبق الراحل وزعيم ثورة الجزائر، الذي ما ان يشاهد الجزائريون هذا القائد احمد بن بلة في اي محفل او لقاء قبل انتقاله للرفيق الاعلى كما شاهدت ذلك عن قرب ، الا ويهتفون بحياته وثورة الجزائر، لانها عنوان التضحية والفداء والكرامة، حيث سطر الجزائريون النضال الوطني والقومي وجسدوا بذلك التضحية التي بلغت المليون ونصف المليون شهيد على مدار 135 سنة من الاحتلال اروع الامثلة في التحرير والاستقلال. رحم الله بن بلة انه كان مثالا للتضحية والفداء واضاء سماء الجزائر بكفاحه ودوره الوطني الكبير كما قال ذلك الرئيس عبدالعزيز بوفليقة وهو يودع احد رجالات الثورة الجزائرية الذي قاد استقلال الجزائر من الاستعمار الفرنسي مع نفر من اخوانه بكل حكمة واقتدار.. فإلى جنات الخلد ايها القائد الراحل العظيم.
/4/2012 Issue 4175 – Date 16 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4175 التاريخ 16»4»2012
AZP07
























