آناء اللَّيل الطويل

قصة قصيرة                    (1)

آناء اللَّيل الطويل

هل أنا أنسان متجبر يفكر في ذاته فقط وملذاته على حساب الأخرين.؟أيعقل أن اكون لصا أو قاطع طريق يسرق سعادة من وثقوا بهِ . أقف أمام ذلك الجسد والعيون النائمة على سريري وأنفاسها المتسارعة تشكو ليّ التعب من مشاغل البيت وطلبات الأولاد التي لا تنتهي .. أرفع رأسي أجد صورة من كانت عالقة في مخيلتي، أينما التفت اجدها تبحلق بيّ وتعاتبني: لماذا تركتني في منتصف الطريق وأنا من أخلصت اليكَ بكل مشاعري وجعلتني كالشجرة الواقفة تأكلها السنين.

تدوي في رأسي الأفكار وليّ رغبة بالبكاء. احتاج إلى من يطبطب على يدي ويقودني إلى راحة البال. هل ابوح بما يعتمرني من ألم إلى شخص أثق فيه علني أجد الحل لديه ، أو أزور طبيباً يمكن أن يساعدني على النوم.

نظراتي الحارقة تخترقني .. واحساس نفسي العارية الذليلة تبحث عن أنسان أبوح لهُ بهذا العذاب أقلب قاموس ذكرياتي أبحث عن أصدقائي الذين أطمئن لهم ربما أجد الحل عندهم . ابعدت تلك الفكرة من رأسي لا أرغب أن اكون مهزوما امام الاخرين فالصمت والبحث وحدي أجدى نفعاً من البوح عن الحب المنبعث من جديد. ربما قد يتهموني بالجنون وقد قاربت على الخمسين من العمر .. أو المراهقة بعد سن الأربعين التي قرأنا عنها . الابتعاد عنهم وعن فلسفتهم وأراهم الفضفاضة والنصح كأنهم جنتلمان الأخلاق الحميدة أنفع واجدى ليّ.

اتعرض إلى خطرٍ شديدٍ ، أهملت عملي وربما أفصل من وظيفتي لتقصيري في العمل والنوم أثناء الدوام باستمرار. يتملكني الغضب وأنا أرى الأخرين ينظرون إليه بشفقة، أكره ذلك التعاطف الغبي . يتهامسون فيما بينهم: الرجل لديه مشاكل عائلية وأطفال كثيرون يحتاجون إلى الرعاية؟ يحاولون مساعدتي من خلال طرح فكرة الاشتراك بسلفة وإعطائي الاسم الأول متصورين أن مشكلتي هي المال وليس مشكلة حب قديم أندثر فيما مضى ونهض من جديد. يتملكني الغضب بين فترة وأخرى وأبدأ بالصراخ وخلق المشاكل التافه والوذ بغرفتي وحدي استشيط غضباً ما الذي يجري كيف أفقد فراستي وصبري بتلك السرعة غير المعهودة عني والمعروف بأني صبور وأتحمل المشاكل والمحب للبيت وزوجتي وأطفالي .ألف علامة استفهام تضعها زوجتي على تصرفاتي . فأحتج بإرهاصات العمل ومشاقه التي لا تنتهي .  تزحف أبنتي كلّزار (أخر العنقود) وتجلس في حضني تتملكني السعادة كأني أمتلك الدنيا وبما فيها وابقى في أغلب الاوقات أداعبها وترتسم على محياها ابتسامات تبعث في نفسي الطمأنينة والارتياح، تلتصق بيّ وترفض بشدة الذهاب إلى أمها حتى تغفو على يدي . فأجد البراءة في وجهها الملائكي . فكانت ملجئي الذي أطمئن إليه واترك أسلحتي في عهدتها مستسلماً لها.

الرياح تجتاحني و الحلم يدغدغ انحاء جسدي أفزع من نومي : اهو حلم أم وهم ربما ؟ تترقق عيناي وتتوضح صورتها في ذلك الركن وفي كلّ مكان.. اذهب إلى الرفوف المنسية أزيح عنها التراب أبحث عن ضالتي في كتب الدراسية أيام الجامعة لربما اجد هوامش ذكرياتي معها او كتابتنا ، أقلب البوم الصور مع أصدقاء الجامعة وصورتها تطفو في مخيلتي .. من الصعوبة أن أجد لها صورة، لكن هناك بصيص أمل على الرغم من مرور سنوات طويلة .

لقد حمل هذا المساء ربيعاً سعيداً ليّ لقد وجدت صورة لها ..كم كنت سعيداً وفرحت كثيراً بها .. آآه ما أجمل تلك اللحظات .. كم كانت جميلة كقطعة ثلج ،عيناها أرجوحة فرح والشفاه المتوردة تضفي ألقاً باسماً على محياها وعيناها النديتان تحاكي عيون المها تربكني وتثير خجلي كلما نظرت إليها . اشعلت الصورة فؤادي وبداء اللهيب يسعرني .. وتصبب جبيني عرقاً من شدة حرارة جسدي . وأخذت أطرح طرق الوصول إليها والبحث عنها . بحثت في كلّ كتبي والاوراق الجامعية عن رقم هاتف استدل عليها من خلاله أو عنوان سكن لها .

وجدت نفسي اغمض عيني واغوص في ذاكرة الأيام لم اختر الأشياء وانما رتبت لي ترتيبا حتى الجامعة والكلية جاء بها المعدل الذي تحصلت عليه من خلال امتحانات البكلوريا. هكذا قضيت سنتين في الكلية وقد نجحت بتفوق إلى المرحلة الثالثة . أيام قليلة ونلتحق للدراسة وأكون قد قطعت نصف الطريق نحو التخرج والحصول على الشهادة . وبعد التحاقي بالدوام واثناء مواظبتي على الدراسة وبينما كنت جالس في الحديقة مع زملائي ، مرقت من جانبي فراشة زاهية ، لم استطع ان أغض بصري عنها. فرأيت انني اتتبع خطواتها بنظراتي الثاقبة كالصقر. من تكون تلك الطالبة الجميلة.. تولدت لدي رغبة تكبر وتتمطى على التعرف عليها . ادعيت أني أقلب اوراق كتبي .. بينما كانت نظراتي تراقب خطواتها . لم أفكر في تلك اللحظة هل الصدفة وحدها من جعلتها تمرق من جانبي .

تحيرت ووقعت فجأة في الحب واجتاحتني شلالات بللت جسدي المتيبس. أنها لحظة الانتقال الأجمل. وأنفاسي المعذبة التي تخفق في صدري حد الانفجار. لطالما شدتني إليها لمساتها السحرية البسيطة على ما ترتديه من زي رغم أننا كنا في الجامعة مقيدين بالزي الموحد(الأبيض والرصاصي) ، لكن يبقى ذلك الزي يضفي رونقاً جميلاً جذاباً متناسقاً مع التسريحة البسيطة لشعرها الطويل المائل الى الخيوط الذهبية الشقراء والألوان الطبيعية التي لا تكاد ترى على وجنتيها الا من أمعن النظر بتمعن إليها ودبيب أقدامها يطرب حتى مملكات النمل المنتشرة بثقوب جدران البناية القديمة وعلى جنبات الممرات.

ساعدني على التقرب منها دعوة احد الزملاء للحضور إلى حفلة التعارف المقامة في كليتهم . وعلى الفور وافقت ليتسنى ليّ رؤيتها. انتظرت بفارغ الصبر موعد حفلة التعارف .. هناك في قاعة الاحتفال شاهدتها بحلتها الجديدة خارج الزي الموحد عزمت على التعرف والتكلم معها.. ولكن خانتني شجاعتي وبقيت وأقفاً كالعمود المتحجر لا أحرك ساكناً . من أين جاءني الخوف لا أدري. لن أغفر لنفسي الصمت المطبق الذي حاصرني مرة أخرى يأتيني الانقاذ من زميلي الذي عرفني على مجموعة من الطلاب والطالبات ومنهم الفراشة الزاهية . نعم تعرفت على أسمها( كلّزار) استغربت من الاسم في بادئ الأمر .. وبادرت على الفور بالسؤال عن معنى ( كلّزار) ؟

تصدت للإجابة وكنت سعيداً بسماع صوتها : أسم كلّزار، أسم مركب ذات شقين . كلّ معنى الشمول و زار هي الحفلة الراقصة التي تطرد الارواح الشريرة التي تمس الاجساد الأنسية هكذا تكلمت وكان وقع كلماتها كالسحر. همت في أحلامي معها . تبادر في ذهني سؤال : هل تكن ليّ نفس المشاعر.. ام انهُ حب من طرف واحد ؟ لماذا الصمت وأي خوف انتابني .. لماذا لا أبوح لها بمكنونات صدري.. كثيرة تلك الأسئلة التي شغلتني. وقد استأسد عليّ الخجل

تكررت لقاءتنا الجماعية مع الزملاء والانفرادية. احسست أنها تريد التقرب أكثر فأكثر ، وكانت تتحين الفرص عند وجودي في النادي او الحديقة. نخوض في أحاديث كثيرة عن الدراسة .. والبيت والمستقبل .. وعن الافلام .. والروايات.. والقصص.. والمسلسلات واخبار النجوم . جميل الحديث معها أنهٌ يسرق الوقت مني وكلما اصدرت على مفاتحتها بحبي يتملكني الخوف من خسارتها . ارادتني أن أبوح لها .. انتظرت كثيراً .. مهدت الطريق ليّ وعبدتهُ لكن دون جدوى سيطر أله الخرس وشل لساني وتطايرت مني الكلمات وضاعت في بحر عميق من الخوف ، احاول أن الملم شتات أحرفي دون جدوى.

رسول يحيى هاني – بغداد