قصة قصيرة (2-2)
آناء الليل الطويل
كنت أذكر جيداً وأنا أقف فِي ركني القصي ، احضر مبكراً قبل الطلاب جميعاً انتظر قدومها ، كم أعشق النظر إليها ومراقبة سيرها وهي تدخل باحة الجامعة. يهتز قلبي كلّ صباح ويصدح بعفويتها وخفة ظلها. أراقبها بسري وهي تبحث عني .. أخرج من ركني وأدخل الجامعة مدعياً حضوري الأن . سلامها ليّ ( صباح الخير) تتفتح فيه أزاهير حياتي وتتطاير أنفاسي متراقصة في الفضاء . اقتحمت حياتي المكبلة بالقيود التي تأبى التكسر.
لم أكن رجلاً غارقاً في البحث عن الحب. ولم يخطر في بالي أنني سأغرم بتلك الطريقة. كانت لدي مشاريع دراسية تشغل وقتي وأني اتردد كثيراً في أتخاذ قراراتي وتساورني الشكوك ولديي الكثير الكثير من الأسئلة لم اجد لها أجوبة شافية. كان هناك صوت يأتيني من أعماقي القلقة: أنتظر وأتأنى بالموضوع وادرسه جيداً ؟ لم أكن أعرف أن العشق يأتي بغتة هو ليس موضوع محط الدراسة .. أنما مشاعر تتملك الأنسان .. لم أكن أفهم معنى الحب بمعناه الحقيقي الأن . كنت احس بمشاعر جياشة نحوها .. ولن أكون العابث بالمشاعر كالريح المداعبة لأوراق الشجرة المترنحة، لكنها ومضات تنمو في صميم قلبي وتكبر حد الانفجار .
لقد قارب الفجر على البزوغ وأنا لم أذق طعم النوم .. ونفسي تهرب من أكفانها. لا أدري كم الساعة الأن ولكن كانت هناك أمور كثير تدور في رأسي تشابكت عليّ الأفكار وأنا اخوض في تلك الأيام التي بدأت واضحة المعالم بكل تفاصيلها.. صادف في احدى سفراتنا التي تقام سنوياً في الجامعة الحدث الذي هز كياني وافقدني توازني واخذتني العزة في الآثم . كنت أسير معها على ضفاف بحيرة الحبانية، اخترنا أن نبتعد وحدنا فقط عن بقية الزملاء . سما الجبن والخوف على أفكاري. بينما هي انتظرت كثيراً وكانت تبدي المرونة والتقرب أكثر وترتسم على وجهها ابتسامه حزينة . لم تمتلك الصبر معي .. هزت برأسها وأخذت تتلاعب بشعرها عندما رأتني صامتاً: ونطقت متى يخرج من قلبك السر ويبوح بمكنونه الذي دفنتهُ؟
هل أبوح أنا بدلا عنك واترك قدسية النساء تتساقط تحت قدميك؟
أي الرجال أنت .. بصمتك الرهيب هذا ستخسرني؟
ألم تفهم بعد ماذا تريد ، وماذا أريد أنا. وولت هاربة مهرولة وأطرا ف الماء يلحف قدميها . . ونطقت بصوتها أنني أحبك.. أحبك .. أيها الأخرس وتركتني أهيم على الأرض .
ارتميت على الرمال الناعمة كأن صاعقة من السماء ضربني وافقدني توازني. لا أستطيع أن اغمض عينيَّ الحزينة وهي تتوارى عنيَّ بين جموع الطلبة وقد بان عليها الفرح والسعادة . ولا أعرف بماذا فرحت بانتكاستي وخرسي المطبق أم حبها ليّ . كيف لا أكون أنا المبادر والمصرح بحبي لها. وتتلاشى من رأسي افكار وأسئلة محيرة ماذا بعد ذلك.. تملكتني العصبية والشعور بالرجولة الشرقية. تركتني بعد أن احسست أن وجهي قد تمرغ بوحل الضعف والوهن . أين رجولتي بعد أن صارحتني بحبها .. وهل أنا ضعيف إلى تلك الدرجة . أي خطيئة ارتكبت كيف تجرأت وباحت بحبها ليّ قبل أن أنطق بكلمة واحدة.
لم يكن المفترض بها البوح هذا لا يليق بأمراء .. أنهُ غاية الانفلات بالنسبة للفتيات. لا أستطيع اعتناق مبادئ ومعتقدات غير معتقداتي الشرقية. لن أكون مادة دسمة لثرثرة ومزاح الطالبات والطلاب .. لو انتظر قليلا ربما صارحتها بحبي .
نظراتها تترقب خطواتي وبان عليها الشحوب والخجل وتزرع ابتسامات مصطنعة على محياها . تنتظر مني إشارة أو كلمة . . تحدثني نفسي أنني لم أبتغي المتعة والشهوة أو تمضية الوقت بحبي و أنما كنت أختار من تشاركني الحياة وتكون زوجة ليّ ويجب أن تكون ليّ الحظوة في الاختيار وليس هي من تختارني. سأكون ضعيفاً أمامها أن قبلت .
كلماتها الحزينة قالتها ليّ بطريقة الأسيرة التي أرهقتها الدموع وصوتها الضعيف تحاول أن تلملم أنفاسها المتبعثرة تنتظر مني أن أجمع شتات نفسينا لم اسمع صدى صوت توسلاتها وابتعدت وتركتها هائمة معذبة لم تهدهد كلماتها وعيناها المليئتين بالدموع غروري ..هكذا خسرتها بسبب شموخي وكبريائي وجبني وتخاذلي. تركتها وأخذت العصبية مني وتغلبت عليّ : ماذا سأقول للأخرين هي من فاتحتني بحبها وحاولت الارتماء في أحضاني .
لماذا أنبش الماضي الأن هل أكفر عن خطاياي أم اعتذر أم عاد الحب وانبعث من جديد ؟ دبيب زاحف يلعق في قلبي الأن.. تنتابني مويجات اللهفة. أحاول أن اتمدد وأنا مغمض العينين مستجدي النوم دقائق معدودات حتى شروق الشمس ويكون نهاري كالليل الحالك وتهامس الموظفين وثرثرتهم عن أسباب ذبولي وانشغالي في عالم آخر. وأن لم استطع النوم فيجب التظاهر بأني نائم . ما أشد بؤس قلبي عندما توقفت كلماتي. وصارعني الحزن وتأنيب الضمير .
كيف تسنى ترك من كانت تملأ قلبي فرحا وسعادة وكانت نسيجاً أبديا ليّ أي غباء وحقارة مارستها . يجب أن أمتلك الشجاعة واعتذر يجب أن اعترف لها أنني أغبى وأجبن رجل على سطح الكرة الأرضية.
فهل هناك بؤس أشد مما أنا فيه لقد تجاهلتها وعيني تترقبها كلّ لحظة وأكثر ما يوجعني أنه في المياه الهادئة تتساقط النجوم لامعة نشاهدها بوضوح وعندما نرفع رؤوسنا نجدها هناك ساطعة النور في السماء الصافية .. فنتجاهل بريقها وسطوع ضوئها ونلجاء إلى الظلام.
كلّزار كانت توحي بالحقيقية الصادقة.. وأنا من السفالة تعاليت بشموخ زائف مثل السراب عند منتصف الطريق في صحراء لاهبة . والأن بعد خمس وعشرون سنة عبثاً احاول البحث عن خيط يدلني عليها حتى أداوي الجراحات التي غرزتها بالسكين الشرقية التي ما زالت بيدي تقطر دماً.
رسول يحيى هاني – بغداد



















