آثار إنزال الحلفاء في نورماندي عرضة لاجتياح الماء

كالفادوس‭ (‬فرنسا‭) (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬80‭ ‬عاماً‭ ‬على‭ ‬إنزال‭ ‬نورماندي‭ ‬الذي‭ ‬سرّع‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬يشكّل‭ ‬ارتفاع‭ ‬منسوب‭ ‬المياه‭ ‬المرتبط‭ ‬بالتغيّر‭ ‬المناخي‭ ‬خطراً‭ ‬على‭ ‬الشواطئ‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬التاريخي،‭ ‬وعلى‭ ‬الآثار‭ ‬الموجودة‭ ‬فيها،‭ ‬مما‭ ‬يدفع‭ ‬المعنيين‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬حلول‭ ‬جديدة‭ ‬لصون‭ ‬هذه‭ ‬المواقع‭.‬‮ ‬

على‭ ‬مسافة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬100‭ ‬كيلومتر،‭ ‬من‭ ‬ويستريام‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬كالفادوس‭ ‬إلى‭ ‬رافنوفيل‭ (‬منطقة‭ ‬المانش‭)‬،‭ ‬تتوزع‭ ‬على‭ ‬ساحل‭ ‬نورماندي‭ ‬البقايا‭ ‬الأثرية‭ ‬لإنزال‭ ‬6‭ ‬حزيران‭/‬يونيو‭ ‬1944،‭ ‬كالتحصينات‭ ‬التي‭ ‬أقامها‭ ‬الجيش‭ ‬الألماني‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬الشاطئ‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‭”‬الجدار‭ ‬الأطلسي‭”‬،‭ ‬وحطام‭ ‬السفن‭ ‬التي‭ ‬استُخدمت‭ ‬في‭ ‬العملية،‭ ‬وسواها‭ ‬مما‭ ‬يستهوي‭ ‬السياح‭ ‬الراغبين‭ ‬في‭ ‬عيش‭ ‬أجواء‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬التاريخية‭ ‬المهمة،‭ ‬وينعش‭ ‬بالتالي‭ ‬الحركة‭ ‬السياحية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

لكنّ‭ ‬البحر‭ ‬الذي‭ ‬حملت‭ ‬مياهه‭ ‬بشرى‭ ‬تحرير‭ ‬فرنسا‭ ‬من‭ ‬الاحتلال‭ ‬الألماني‭ ‬وهزيمة‭ ‬النازية،‭ ‬يُهدد‭ ‬اليوم‭ ‬الإرث‭ ‬‮ ‬التاريخي‭ ‬لهذه‭ ‬المنطقة،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬المنحدرات‭ ‬والكثبان‭ ‬معرضة‭ ‬للتآكل،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ن‭ ‬المياه‭ ‬قد‭ ‬تغمر‭ ‬المستنقعات‭ ‬والوديان‭ ‬والأراضي‭ ‬المستصلحة‭.‬

ولاحظ‭ ‬نائب‭ ‬مفوض‭ ‬المؤسسة‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬حفظ‭ ‬ساحل‭ ‬‮ ‬نورماندي‭ ‬ريجيس‭ ‬ليماري‭ ‬أن‭ ‬شاطئَي‭ ‬يوتا‭ ‬وأوماها‭ ‬اللذين‭ ‬شهد‭ ‬إنزال‭ ‬القوات‭ “‬الأميركية‭” ‬وهما‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬بري‭ ‬أكثر‭ ‬ويقعان‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الغربي‭ ‬من‭ ‬ساحل‭ ‬نورماندي،‭ “‬يتعرضان‭ ‬‮ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬للتآكل‭ ‬وخطر‭ ‬الغمر‭”.‬

وفي‭ ‬القطاع‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬إنزال‭ ‬القوات‭ ‬البريطانية،‭ ‬أي‭ ‬على‭ ‬شواطئ‭ ‬غولد‭ ‬وسوورد‭ ‬وجونو،‭ ‬يسجّل‭ ‬وضع‭ ‬مماثل‭. ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬المقابل،‮ ‬فإن‭ “‬الواجهة‭ ‬البحرية‭ ‬محصّنة‭ ‬من‭ ‬كورسول‭ ‬إلى‭ ‬أويستريام‭ ‬بإنشاءات‭ ‬أقيمت‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬ومنها‭ ‬جدران‭ ‬بحرية‭ ‬وكواسر‭ ‬للأمواج،‭ ‬ووحده‭ ‬الغمر‭ ‬سيكون‭ ‬مشكلة‭.‬

ويُتوقع‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬ذلك‭ ‬بسرعة‭.‬

وأوضح‭ ‬الخبير‭ ‬الجغرافي‭ ‬أن‭ ‬مواقع‭ ‬الإنزال‭ “‬لم‭ ‬تعد‭ ‬لها‭ ‬أي‭ ‬علاقة‭ ‬بما‭ ‬عاشه‭ ‬جنود‭ ‬الحلفاء‭ ‬في‭ ‬6‭ ‬حزيران‭/‬يونيو‭ ‬1944‭”. ‬واضاف‭ “‬نحن‭ ‬ننتقل‭ ‬من‭ ‬أماكن‭ ‬تاريخية‭ ‬إلى‭ ‬أماكن‭ ‬لتفسير‭ ‬التاريخ‭”.‬

‮ ‬وفي‭ ‬المناطق‭ ‬المنخفضة‭ ‬مثل‭ ‬مستنقعات‭ ‬غولد‭ ‬بيتش،‭ ‬في‭ ‬فير‭ ‬سور‭ ‬مير،‭ “‬ستتحول‭ ‬البيئة‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬تقريباً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ظاهرة‭ ‬الترشيح‭”.‬

فمياه‭ ‬البحر‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬الرمال‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تحت‭ ‬السدود‭ ‬أو‭ ‬الصخور،‭ ‬لترتفع‭ ‬خلفها‭ ‬وتغمر‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬استصلحها‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬في‭ ‬القرنين‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬والتاسع‭ ‬عشر‭.‬

وقال‭ ‬رئيس‭ ‬بلدية‭ ‬سانت‭ ‬ماري‭ ‬دو‭ ‬مون‭ ‬ومدير‭ ‬متحف‭ ‬شاطئ‭ ‬يوتا‭ ‬شارل‭ ‬دو‭ ‬فالافيي‮ ‬وهو‭ ‬يحدق‭ ‬نحو‭ ‬بحر‭ ‬المانش‭ “‬رأيت‭ ‬المحاربين‭ ‬يحيّون‭ ‬البحر‭ ‬وهم‭ ‬يبكون،‭ ‬يوتا‭ ‬يختصر‭ ‬الشاطئ‭ ‬كله،‭ ‬وهو‭ ‬يمثّل‭ ‬عاطفة‭ ‬الشاطئ‭”.‬

أمام‭ ‬المتحف‭ ‬الذي‭ ‬أسسه‭ ‬والده‭ ‬عام‭ ‬1962‭ ‬على‭ ‬الكثبان‭ ‬الرملية،‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬أمتار‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬الشاطئ‭ ‬الشهير،‭ ‬أقرّ‭ ‬رئيس‭ ‬البلدية‭ ‬بوجود‭ “‬صعوبات،‭ ‬ينبغي‭ ‬عدم‭ ‬نكرانها‭”.‬

وقال‭ ‬فالافيي‭ “‬لا‭ ‬يحق‭ ‬لنا‭ ‬وضع‭ ‬حجارة،‭ ‬وليس‭ ‬لدينا‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬شيء‭. ‬القانون‭ ‬يحمي‭ ‬السدود‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬الكثبان‭ ‬الرملية،‭ ‬وليس‭ ‬لدينا‭ ‬أي‭ ‬مساعدة‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬مشكلة‭” ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬الساحل‭ ‬بأكمله‭. ‬واضاف‭ “‬إذا‭ ‬تمت‭ ‬حماية‭ ‬نقطة‭ ‬واحدة،‭ ‬ستنتقل‭ ‬المياه‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬أخرى‭”.‬

وقليلة‭ ‬هي‭ ‬المجالس‭ ‬البلدية‭ ‬المستعدة‭ ‬للنظر‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬القريب‭.‬

فمن‭ ‬بين‭ ‬البلديات‭ ‬الخمس‭ ‬عشرة‭ ‬التي‭ ‬اتصلت‭ ‬بها‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬في‭ ‬الأشهر‭ ‬الأخيرة،‭ ‬أجاب‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬نصفها‭. ‬ورأت‭ ‬ثلاث‭ ‬بلديات‭ ‬أخرى‭ ‬أنها‭ ‬لن‭ ‬تتأثر‭ ‬أو‭ ‬تتعرض‭ ‬للخطر‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬القريب‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬البحر‭ ‬ينفذ‭ ‬عمليات‭ ‬تخريبية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬إلى‭ ‬هدم‭ ‬تحصينات‭ ‬أثرية‭ ‬بأكملها‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬غراي‭ ‬سور‭ ‬مير،‭ ‬وهي‭ ‬بلدة‭ ‬مجاورة‭ ‬لكورسول‭.‬

‮ ‬ولاحظ‭ ‬رئيس‭ ‬البلدية‭ ‬باسكال‭ ‬تيبيرج‭ ‬أن‭ “‬قسماً‭ ‬من‭ ‬الآثار‭ ‬أصبح‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬تماس‭ ‬مباشر‭ ‬مع‭ ‬المياه‭ ‬المرتفعة‭”‬،‭ ‬بينما‭ ‬تمت‭ ‬حماية‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬‭”‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط‭ ‬بإنشاءات‭ ‬استُخدِمت‭ ‬لتنفيذ1ها‭ ‬تقنيات‭ ‬غير‭ ‬مؤذية‭”.‬

وبين‭ ‬قطاعّي‭ ‬إنزال‭ ‬القوات‭ ‬الأميركية‭ ‬والبريطانية،‭ ‬لم‭ ‬تسلم‭ ‬منحدرات‭ ‬بيسين‭.‬

‮ ‬فعلى‭ ‬هذه‭ ‬المرتفعات‭ ‬التي‭ ‬يصعب‭ ‬الوصول‭ ‬إليها،‭ ‬نصب‭ ‬الألمان‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬عدداً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬بطاريات‭ ‬المدفعية،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬بوانت‭ ‬دو‭ ‬أوك،‭ ‬وهو‭ ‬منحدر‭ ‬صخري‭ ‬يبلغ‭ ‬طوله‭ ‬30‭ ‬مترا‭ ‬تسلقه‭ ‬200‭ ‬جندي‭ ‬أميركي‭ ‬صباح‭ ‬يوم‭ ‬6‭ ‬حزيران‭/‬يونيو‭.‬

‮ ‬فهذا‭ ‬الموضع‭ ‬التابع‭ ‬لهيئة‭ ‬حفظ‭ ‬الساحل‭ ‬ولكن‭ ‬تتولى‭ ‬إدارته‭ ‬لجنة‭ ‬نُصُب‭ ‬المعارك‭ ‬الأميركية،‭ ‬تعرّض‭ ‬لتصدعات‭ ‬عميقة‭ ‬بسبب‭ ‬القصف‭ ‬عام‭ ‬1944،‭ ‬وأثّره‭ ‬عليه‭ ‬سلباً‭ ‬مذّاك‭ ‬عوامل‭ ‬عدة،‭ ‬كالأمواج‭ ‬والجريان‭ ‬السطحي‭ ‬والملح‭ ‬والذوبان‭ ‬وإعادة‭ ‬التجمّد‭…‬

وإدراكاً‭ ‬منها‭ ‬للمشكلة،‭ ‬تولت‭ ‬لجنة‭ ‬نُصُب‭ ‬المعارك‭ ‬الأميركية‭ “‬تأمين‭ ‬المنطقة،‭ ‬وتمتين‭ ‬70‭ ‬مترا‭ (…) ‬بجدران‭ ‬خرسانية‭ ‬مسلحة،‭ ‬وتركيب‭ ‬أعمدة‭ ‬صغيرة‭ ‬لتثبيت‭ ‬الأرض‭ ‬وشبكة‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬أجهزة‭ ‬الاستشعار‭ ‬التي‭ ‬تراقب‭ ‬باطن‭ ‬الأرض‭ ‬للكشف‭ ‬عن‭ ‬أية‭ ‬حركة‭ ‬مهمة‭”.‬

‮ ‬وتم‭ “‬إرجاع‭” ‬الممرات‭ ‬بمقدار‭ ‬20‭ ‬مترا‭ ‬لضمان‭ ‬السلامة‭ ‬العامة،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أوضحت‭ ‬الهيئة‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬المقابر‭ ‬والنصب‭ ‬التذكارية‭ ‬العسكرية‭ ‬الأميركية‭.‬

ويشهد‭ ‬مستوى‭ ‬سطح‭ ‬البحر‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ ‬ارتفاعاً‭ ‬قدره‭ ‬بضعة‭ ‬ملّيمترات‭ ‬سنوياً،‭ ‬لكنّ‭ “‬ملاحظة‭ ‬البشر‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭” ‬صعبة،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أوضح‭ ‬ريجيس‭ ‬ليماري‭. ‬وأضاف‭ “‬نلمس‭ ‬ذلك‭ ‬مدى‭ ‬جيلين‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة‭ ‬أجيال‭”.‬

وختم‭ ‬قائلاً‭ “‬لقد‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬نهاية‭ ‬مواقع‭ ‬الإنزال‭ ‬كما‭ ‬عرفناها،‭ ‬وستستعيد‭ ‬الطبيعة‭ ‬حقوقها‭”.‬