ولادة

ولادة

جبار هادي الطائي

كل المُعطيات تشير الى حدوث حالةٍ من الغثيان ستصيب الشوارع المؤدية الى مدخل المدينة القديمة ، الّا انَّ ذلك كلّهُ لم يقفْ عائقاً أمام الأطفال إذْ لم يدركوا خطورة الأمر بعد … الأكفُّ تلوّحُ إستغاثةً ، و طيورُ السنونو تغادرُ خلسةً الى المجهول تاركةً وراءها أسرابا من الذكريات المؤلمة ، ربّما ستجد لها مأوى أكثر أمناً ، هكذا يبدو … ، لا خلاصَ ، الأمهاتُ في بيوتهنَّ يمسدْنَ شَعْرَ الصّبرِ الممزوجِ بالمرارةِ مما سيأتي ، قد تحدثُ فوضى في أيّةِ لحظةٍ … مَنْ يدري ؟ فاللصوصُ يتربّصونَ بين الفينةِ و الأخرى لسلخِ ما تبقّى من الإبتسامة العالقة في عيونِ الأطفال ، لعلَّهم سيكبرون يوماً ما فلا يجدونَ ملاذاً آمناً أو سقفاً يقيهم برد اللصوصِ أو حر المتآمرين على أرواحهم ، … النّوافذُ مغلقة لم يلجها ضوءَ الشّمسِ قرابةَ نصفِ قرنٍ أو يزيد ، و الفوانيسُ المعلَّقة في الشّوارعِ نفد زيتُها ، و قوافلُ الجرادِ تأتي من بعيد لتغزو حقولَ الحنطة التي تعبَ الفلاحون بزراعتها و سقيها و حراستها ، فلم تجد نفعا تلك الفزاعات الموزعة ما بين المزروعات بخداعِ ذلكَ الجراد الجائع المدرَّب على العبثِ و الإستيلاءِ على آخرِ حبّةِ حنطة …، الليلُ يخيّمُ على بيوتات المدينة القديمة كلَّها ، مساحاتٌ شاسعةٌ من الألم و الحزنِ و الظلامِ تستحوذُ على سقوفِ المنازلِ ، النّوافذُ تعبتْ ، و الأبوابُ الخشبيّةُ لم تعدْ قادرةً على الوقوف ، و الكلُّ يترقَّبُ هلعاً ، و ريبةً من وراء زجاجِ النوافذِ الموصدة والتي تغيَّر لونها … ضوءٌ خافتٌ يكادُ يخترقَ نافذةِ احد البيوتِ من الدّاخل الى أحدِ الشّوارعِ المُؤدَّية الى مدخل المدينة ، كفُّ طفلٍ يفتحُ النّافذةِ ليخترقَ الضوء بإنسيابٍ تامٍ ، ليؤذنَ للنوافذِ الأخريات بالشروع الى فتح مصاريعها ، فكلُّ المُعطيات تشيرُ الى حالةٍ من الهدوءِ التام سوى صراخ طفلٍ وليد يملأُ الشوارع المُصابةِ بالغثيانْ