وقائع من الميدان

750ديناراً سعر الطبيب         (2-2)

وقائع من الميدان

يروي الطبيب: على الرغم من تخصيص غرفة الإنعاش للحالات الخاصة والنادرة لمحدودية عدد اسرتها كانوا قد ارغموا ادارة المستشفى على تحويل الرجل المسن الى الانعاش بأمر من المسؤول الاعلى..!! وبقي قرابة الثلاثة ايام وبالرغم من الرقابة على قدم وساق والعناية بهذه الغرفة ووجود الاجهزة الالكترونية للمراقبة الا ان كل هذا لن يحول دون معاد الاجل .

الطبيب: قمت باعطاء المريض الادوية المطلوب اعطاؤها لدى توقف عضلة القلب العاجزة واستعنت بالصاعق الكهربائي الا ان جميع المحاولات لم تنجح فارق الرجل الحياة، خرجت من الردهة وعلى وجهي علامات الاسف وبدأت امهد لهم بتوحيد الله وساعة الاجل وهذا يوم الرجل… الا اني لم اكمل حديثي حتى سحبتني يد غليظة واخرى شدتني باتجاه اخر وبدء السباب والشتم والصراخ انت قتلت ابونا..! تدخل الموظفون والناس حاولوا ان يحجبوهم عني لكن لم تنفع المحاولات دون نيلي نصيباً من الأذى استمرت العنتريات وابراز العضلات والتلويح بالأسلحة(التي يفترض ان لاتدخل الى المستشفى) الى ساعات متأخرة من الليل والكل ينادي “طلعوا هذا كتال ابونا” عجزت القوى المكلفة بحماية المستشفى عن التدخل واكتفى عناصرها بأخذ دور المتفرجين، وبعد ساعات حضرت قوات التدخل السريع “الطوارئ العسكرية” وحظر معهم ضابط رفيع المستوى، نادى لاحد ابناء المتوفي باسمه..! وكأنه على معرفة به وبدأت الأمور تستتب شيئا فشيء أرسلوا لي ليحضروني ويستفهموا مني بوجود عدد من الاطباء والضابط الرفيع وضابط المركز المكلف بحماية المستشفى وعدد من رجال الامن، عندها لفظت انفاسي وشرحت التفاصيل بألاسماء العلمية وانا ادرك لم يفهم سوى الاطباء ماقلت واختصرت لهم الحديث بجملة (عضلة القلب توقفت لان الرجل كان لديه رجيف اذيني فيها)، عندها طلبت تسجيل دعوى ضدهم على اثر الاعتداء الذي تعرضت له.

ما ادخل الريب في نفسي ضابط المركز يخاطب المتهم سيدي..!!

“لازم ندون اقوالكم بمحضر”، المتهم لم يبارح مكانه وينظر للضابط بنظرة زجر..! الضابط في حيرة.. انا متعطش لمن ينصرني ويذود عني ويدفع ما لحقني من ظلم .. حظر لي احدهم جذبني من زندي وهمس بأذني((كتلتك ما تكلف 750دينار فلوس طلقة)) احسم الموضوع وتنازل ، عندها ايقنت مدى ترهل القائمين على حمايتنا والذين بدورهم يدركون الاذى الذي سيلحقهم فيما لو سارت الإجراءات وفق القانون حسمت الموضوع بالتنازل عن شكواي.

وجه الصباح يزيل زملائي أثار الكدمات ويطببوني بأياد ويتحمدون لي على السلامة الله دفع عنك الشر. هنا الطبيب يهمس و يتساءل عن اقصر الطرق للهجرة هروبا من واقعه البائس المكدس بالجهل. طبيب يعتزل و آخر يهاجر ليبقى العراق بجهله فهل تعلمون ان العراق يعاني من عجز بالاطباء و الكادر الطبي و تصل نسبة الاطباء فقط الي 23 بالمئة  و مع استمرار الهمجية ضد الاطباء كونوا على يقين تام لن يبقى لكم سوى المشعوذين و الدجالة و حكومة تعيش على امتصاص دمائكم. حقا باتت هذه القضية تتفاقم مؤخرا و تزداد لتعكس جانب سلبي آخر على وجه المجتمع العراقي.

الطامه الكبرى حينما يظن الشعب انه يمتلك اسوآ نظام صحي وان الأطباء القائمين على مراعاته هم الاسوأ على الإطلاق دون ان يعلم ان دول العالم الاوربية و الأجنبية تظل تنتظر اشهراً حتى تجد موعداً  لمقابلة طبيب المركز لكي يحولك فقط الى مختص و هنا انتظار آخر قد يطول بضعة اسابيع او اشهر فحسب الحالة انت تنتظر ولا يوجد مهدئات الم في الصيدليات لان الصيدلية لا تتعامل الا مع بريد الكتروني مرسل من قبل طبيبك. اضافة لذلك فالمستشفيات ليست مجانية لابد ان يكون لديك تأمين صحي و التأمين لا يغطي كل انواع الأدوية او انواع العمليات فتضطر ان تدفع من جيبك الخاص الآف مؤلفة من الدولارات .

من الجنون ان لا تحمد ربك على نعمة انت فيها و تظن ان العالم اجمع افضل ، لكن الحقيقة انت افضل بكثير على الأقل متى ما شعرت بالالم استطعت عمل التحاليل اللازمة . كفاكم ضغط على الكادر الطبي فهو يومياً يقابل 250 مراجعاً خلال اربع ساعات فكيف بباقي اليوم ؟؟ مدوا ايديكم لهم و ابتسموا في وجههم بدل التهجم و الهمجية التي تبدونها على ملامحكم.

لا ننكر ان هناك اطباء غير محترمين لمهنتهم لكن بالاساس هم اقل من 1 بالمئة و قد يكون سلوكهم ناتجاً من عدم احترامهم لهم و انتقاصهم فلا بد ان ندرك ان كل فعل لها ردة فعل مساوية لها بالمقدار ومعاكسة بالاتجاه. اذا اردتم ان ترتقوا يجب ان تنظفوا عقولكم من اوهام ان الطبيب لا يفقه من علمه شيئاً وان تعطوه الثقة دون ان تجبروه على كتابة الدواء الذي تفضلوه فهو قد قضي سنين عمره بالعلم والدراسة دون كلل او ملل . لذلك فهو يستحق منكم الاحترام دون انتقاص منه او من قدره . اذا اردتم مقاضاة احد عشائريا فلا بد ان تكون المقاضاة ضد الحكومة الفاسدة التي تعتبر سبباً كل عجز حاصل داخل الدوائر الحكومية بجميع افرعها. فالحكومة فاقدة كل شيء حتى سيادتها فلم تعد تقوى بسن قانون يحمي ابناءها و مفكريها و علماءها . إذاً لابد ان يثور الشعب ضد الاساس حتى يبلغ صوت الثوره اصقاعا بعيدة و ليس العكس نثور على الضعيف المغلوب على امره فهو مجرد بشر يعمل جاهدا لاجل راحتكم و انتم تسلبوه راحته و احترامه و تقديره. كونه مثالاً للتعايش الايجابي بالاحترام و الفكر لا بالجهل و الغرور فالسنابل الفارغ ترفع رأسها اما الممتلئة تنحي للارض و الاواني الفارغة هي من تصدر الضجيج الاعلى.

تفكروا و اتقوا الله في انفسكم قبل ان تجدوا انكم وقعتم في وحل لا احد يستطيع اخراجكم منه . بالعلم والثقافة و الاحترام نصل الى الشعوب المتقدمة و بالجهل سنعود الي عصر اكلي لحوم البشر لنقتات على جثث بعضنا العض.

فاطمة ابراهيم الخرساني – بغداد