750ديناراً سعر الطبيب (1)
وقائع من الميدان
لا يخفي على احد ان كلما ازداد الفساد السياسي اثر سلبا على الحياة الاجتماعية حيث تتفاقم حجم المشاكل و تتعمق اثارها على كيان المجتمع. فالسياسة الفاسدة اشبه بسرطان الرئة الذي ينخر الجسد و ليس له اي علاج سوى الموت . كذلك حالنا يزداد سوءا الى ان يُقضىَ علينا. فكل يوم تتوغل الآثار السلبية على شخصية الفرد مما يعمق آثارها فتجد المشاكل الاجتماعية تتشعب و تؤثر على حياة الانسان وتطوره. لذلك لابد ان نسلط الضوء على القضايا التي من شأنها ان تصدع جدار المجتمع. فعند القاء الضوء على مشكلة ما ليس لاسباب شخصية او للاشهار بها انما لايجاد حلول جذرية لها والوقف معها بحيادية تامة كي نقطع الايدي الخفية التى تحاول نشر الذعر وانتشار الافكار المسمومة. فقضيتنا التي نطرحها اليوم لا تمثل فئة بحد ذاتها بقدر ما هي تمثل كيان المجتمع العراقي وتطور الطب فيه. فاليوم وسط صمت رهيب من الحكومة نجد الكثير من عامة الشعب تتطاول على الاطباء المتمثلين بملائكة الرحمة و اقامة حرب نفسية عليهم من خلال المجتمع العشائري الذي يعطي الحق لمن لا حق له .
و من الانصاف ان نسلط الضوء على قضية يحاول الكل تظليلها و الباسها ثوب الخطأ رغم ان التفكير المنطقي والعقلاني يجعلنا ندرك ان الدكاترة والاطباء هم الذين يمثلون اعلى طبقة علم مضطهدون مظلومون من مجتمع لا يعي طبيعة عملهم و مدى الضغوطات و الصعاب التي يمرون بها. فهم حتى يتخصصون في مهنة الطب كان مشوارهم العلمي طويل .فمنذ نعومة اظفارهم قضوا حياتهم سهرا لطلب العلم . فالطبيب لابد ان يحصل على المعدل العالي في مرحلة الثانوية ولابد ان يثبت نجاحه خلال الجامعة فعدد الساعات المبذولة يوميا تتجاوز 16 ساعة متواصلة من الدراسة والابحاث والحرمان من الحياة بشكلها الطبيعي فهم اقل فئة تهتم بالترفيه والحفلات والسهرات. لاجل ان يتخرجوا من الكلية كاطباء لهم منزلة واحترام ويخدمون مجتمعهم بكل تفاني . لكن لماذا كل هذه التضحية منهم ؟ لماذا يستمرون بالعطاء؟ ستجيب انهم يعيشون على ظهر الشعب فهم لديهم راتب و حوافز وأنهم يمثلون الطبقة الأرستقراطية . لكن الحقائق غير ذلك فما يعانيه الأطباء من مشاكل وانتهاكات و خوف و تهديدات و خطف و قتل اكثر بكثير من اي عائد مادي. ما نفع المال اذا مات الجسد؟
الاطباء يعملون كخلية نحل بكل تفان فهم يعملون بأكثر وظيفة تأكل الاعصاب بسبب طول ساعات العمل و قلة اوقات الراحة . اضافة الى عدد الحالات التي تتطلب ان يبذل الطبيب كل جهده لانقاذها و ايصالها لبر السلام ، كل تلك الضغوطات تجعل الطبيب تحت ضغط نفسي شديد يعاني الأرق و اكثر عرضة للمرض . اضافة الى ذلك مهنة الطب اقل المهن راتباُ فالطبيب يعمل لساعات عمل طويلة براتب اقل من سائر الدوائر الحكومية الاخرى كونها وزارة خدمية وليست وزارة انتاجية. يجب ان نميز بين الطبيب المقيم والمختص ومن قضى سنين طويلة لكي يبني له اسماً و عيادة ، لكن الحقيقة الجزء الأكبر ذوو دخل محدود الذي لا يتجاوز دخله 890 الف دينار اي لا يتجاوز ال 713$ و بعد مضي السنتين او اكثر يزداد راتبه الي 923 الف دينار اي انه يساوي 738$ بينما المضمدة الهندية يتجاوز راتبها 1500$ اضافة لمصاريف السكن و الاكل . ومع هذا نجد الكثير من فئات الشعب التى لا تقدس هذه المهنة و دون مبالغة في القول إن هناك عدداً يحتقرون الطبيب و يعاملوه انه اقل مستوى منهم لعقدة النقص التي يعانون منها. و يكونون ناقمين عليه ظناً منهم انه يأخذ خمسة ملاين او اكثر ، فتجد الكثير منهم يتهكمون على ذاك العامل باخلاص و يحملوه كل تقصير رغم انه ليس بيده اي شيء .
فهو يخدم بالامكانيات التى توفرها الحكومة فما ذنبه هو اذا كانت الحكومة تعاني فساداً ادارياً لا تهتم بالمؤسسات الخدمية و ليس لها اي تخطيط لتطوير المستشفيات و المعدات الطبية. فالاطباء يعملون ضمن اطار متهالك من جميع النواحي ، لكنهم يسعون الى الافضل و بذل المجهود الاقصى لعلاج كل المرضى فحسهم الإنساني يقودهم الى بناء الوطن ومحاولات إعطاء الأفضل ، لكن الثمن الذي يتقابل به هو قلة الاحترام والاهانة والضرب .
قد تتجاوز الأحيان ان يُتهم بالقتل لاجل ان الله اراد اخذ امانته فيجعلوه محل الله يطالبوه باحياء المريض او يقاضونه عشائريا. لا تستغرب فكل ما ازداد الجهل في مجتمع ما اصبح التفكير عدوا له.
وما يثير السخرية حقاً حينما يفرض المريض نوع العلاج الذي يريده من الطبيب دون العلم بحالته او ما قد يحتاجه فعلا وان حصل له مضاعفات يبدأ بشتم الطبيب و الغريب بالامر يعاملون الطبيب على اساس انه ليس له ادنى علم . اذا كان كذلك لما تلجأون له ؟ لما تحملوه مسؤولياتكم اذا انتم لا تثقون به ولا بتشخيصه الطبي.
واضافة لذلك فهو منبوذ حتى على مستوى الاقارب كما يقول المثل ( مطربة الحي لا تطرب) فالدواء الموصوف من قبله لاقاربه لا يتم الاعتراف به فهو دائما منظور له بانه الاقل فهمًا.
لكن حينما يخبرك دجال الحي انك بحاجة لذبح ثلاث دجاجات ثم تلطخ بدمهن فأنت تهرول لما يقوله مختل العقل ، لا باس فالجهل يولد جهل.
وفي ظل ازمة فقدان الثقة والضمور الأخلاقي الواضح نلاحظ ان الطبيب المثقف اصبح منبوذاً من المجتمع ويعامل علي انه مجبر على شفاء جميع الامراض و ان كان المرض مستعصياً و ليس له علاج سوف توجه له جميع التهم بالفشل ، وانه سبب لوفاة ذاك المريض او انه متسبب في الحاق الضرر به. فيبدأ حينها مسلسل الاعتداء بالضرب او القتل او مقاضاته عشائريا. وحينها لابد ان يلوذ الطبيب بالفرار من هذه المهنة ليحافظ على احترامه و كيانه او يلجأ الى الهجرة لبلد يحترم فيه العلم ومن سهر الليالي لاجل مهنه نبيلة.
والاكثر اسفا والما حينما يهمس شخص همجي جاهل بأذن الطبيب (ما نخسر عليك بس 750 دينار فلوس طلقة) ومن واقع المستشفيات قصة مؤلمـــــــــة حدثت في زمن غياب الحكومة المبجلة لتحل محلها الاعراف القبلية والعشائرية محل لحل النزعات حتى لو كان بدون دليل او اثبات يقيين.
قصة الطبيب “ع.خ” حينما كان خافراً ليلة وفاة الرجل المسن الذي ناهز عمره التسعين عاما ووالد لاثنين من المنتسبين في سلك الداخلية.
فاطمة ابراهيم الخرساني – بغداد



















