هتلية شوقي كريم بخطاب سري

هتلية شوقي كريم بخطاب سري

الإشارات الرؤيوية المستلة من الواقع

علوان السلمان

الخطاب السردي..نتاج ذاتي يكشف عن وعي جمالي ينطلق من الحكائية واللحظة ليعيد تشكيلها عبر منطق داخلي متفرد بوظائفه ومكوناته وازمنته..

و(هتلية)التي مفردها(هتلي).. اللفظة التي تستعمل لاغراض التحقير والاهانة..كونها كناية عن الشقي المنفلت اخلاقيا وادبيا.. النص الروائي الذي شكل و(شروكية وخوشية..) ثلاثية مجتمعية بابداع نسجته انامل القاص والروائي شوقي كريم حسن بعد خوضه في محطات الوجود المجتمعي وحركة شخوصه على امتداد 290 صفحة مهداة الى( التوابيت التي سالت دما ذات ظهيرة)..والتي تعالج حركة الوجود بكل مكوناته التي كان من مفاصلها فئة الـ (الهتلية) التي شكلت اجتماعيا جزء من فئات متفاوتة في  تصرفاتها  وعلاقاتها كـ (شروكية وخوشية..)..التي هي ميدان البحث في  ميثولوجية بشرية شكلت بعضا من مهيمن ثقافي مكتنز بالوجود الشعبي اليومي.. كونها تخوض في محطات مجتمعية بكل مكوناتها وجزئياتها.. وتؤسس بنيتها على انسانية متفردة بممارساتها اليومية..فضلا عن انها تتكىء على المكان كرابط جدلي لميداني السرد الافقي والعمودي بابعاده المكتظة بتنوعها الثقافي والاجتماعي..اضافة الى اعتباره عنصر فاعل ومكون اساس من مكونات السرد.. اذ يسهم في تطوير الاحداث ويرسم معالم الشخصيات وابراز خصائصها النفسية..مما يخرجه من حيزه الجمودي الى شخصانيته المتحركة..المشاركة في الفعل السردي الشاغل لحيزه الذي يحتضن تاريخ الانسان وعلاقاته وتفاعلاته مع الطبيعة مما يخلق تعالقات بينه والشخصيات وبينه والاحداث.. بلغة تميزت بانعطافاتها المعتمدة على الخبرية البعيدة عن المحسنات والمجازات..مع تركيز على الحبكة الروائية..اضافة الى استثمار اللهجة العامية الدارجة للكشف عن البيئة وانتماء الشخوص..

(لا.. يابه..لا.. نسولف وامرنه للواحد القهار..يابه يكلون….

ان ملكا حكيما من ملوكنا اراد ان يفض بكارة الحكمة ويقض مضاجع الارباب وسلطة الكهنة وجبروت البغايا صواحب الحانات..فدرب قردة على الرقص..وان هذه الحيوانات هي الاجدر من يقلد الناس..قد تعلمت توا ورقصت بعد ان تزينت بالارجوان..وصنعت من القصب نايات عزف..ووضعت على رؤوسها الخوذ..ظل هذا المشهد يثير اعجاب الجهات الاربعة.. ويقدم لموائد الناس وكوانينهم حكايات مسلية..حتى جاء يوم شاء فيه احد النظارة وهو سومري أملح يلعب بالسر وغاياته..ان يلهو..فراح الى السوق واشترى جوزا ليلقيه في حلبة الرقص.وما ان شاهدته القردة حتى نسيت الرقص وعادت الى طبيعتها الاولى..قردة لا راقصين..فحطمت خوذها ومزقت ثيابها..وتقاتلت في سبيل الحصول على الجوز فاختل نظام الرقص..وراح اهل سومر يضجون بالضحك…)  ص7..

    فالنص يتميز باشاراته الرؤيوية المستلة من الواقع..ابتداء من اشارة الروائي(ليست رواية) يقصد من هذا(نص خيالي)..بل احداثه سجلت لحظتها خيالات المنتج(الروائي) من القاع الاجتماعي والسياسي وملاحقتها حتى انتقالاتها ونزوحها.. ايام الطائفية المقيتة وشخوصها التي ميزتها علامات(الهيتلة) وكان العنوان شاهدا وعلامة سيميائية  دالة على المتن النصي..

  (تمتليء ذاكرتي بحطامات الطفولة التي غادرت باتجاه الحرمان الذي كان والدي يتركه عمدا بين ايدينا..محاولا لملمة كراهيته..نجلس القرفصاء عند حد الباب نصف الموارب مراقبين كفيه المغسولتين بعطر الالوان السائحة.بالثلج يوميء اليهم فينحدرون مثل قطط المزابل..دشاديش مقلمة وخطوات تكره ريادة الاحلام..عيون الاناث تبرق ماطقة الحياء..لائذة باذيال الاجابات التي تهيم في فيافي الرؤوس الدكناء..يتلمس البرد حواف الوجع وتتلمس اللحظة حواف قلقي الصغير مثل فارة..ليس ثمة ما يربطني وهذا الاب..الصاخب بعنف ذكورته..المانح لاكاذيب ايامه رجاءات يعتقدها البعض سر(خيوريته) وامتنان طيبته التي لا يعرف عنها سوى الاندلاق في لب عقول الاخرين..) ص114ـ ص115..

  فالمكان ياخذ دلالة ثقافية ومجتمعية تحيط بفضاء النص باعتباره الخلفية التي تقع عليها احداث السرد وتتفاعل في اطار الشخصيات والافكار والرؤى مما منح المسار النصي منظورا متجاوزا لتجريده الساكن ليتحول الى عنصر  حامل للدلالات(النفسية والاجتماعية والمعرفية..)عبر بناء لغوي ايحائي خالق لصوره المازجة ما بين الواقعي والتخييلي.. فتتجاوز الصورة الفنية عنده حدود الرؤية الشكلية للمكان بعناصره ومكوناته وملامحه المتخيلة او الواقعية ما زجا اياها باحساس الشخصية..

فالروائي يعتمد المكان ويشاركه مشاركة شعورية وبصرية من خلال تقنية الوصف ببعديه(المغلق والمفتوح) كفضاء انساني مكتنز بالرموز ومنسجم والاحدث باعتماد اسلوب سردي متكىء على تقانات فنية كالاسترجاع والاستباق والتذكير والتذكر..فضلا عن اعتماده الحوار بشقيه(الخارجي/الموضوعي)و(الداخلي/الذاتي/ المنولوجي) محاولا الكشف عما يختمر دواخل الشخصية وما يثير تفاعلها والمكان في ذهن المستهلك(المتلقي)..

قلت له.. تعال اقول لك حكاية..

قال:ما هذا وقت حكايات..

قلت:بل لابد لك من السماع..والا ستجد نفسك خارج رضاي..

قال: وانا لا ارغب بغير رضاك..ولكن لنؤجل الامر…

قلت:بل  لابد لك من ان تنصت الى كل ما يجب ان تنصت اليه..

قال: وهو يغوص في وحول انكساره..

ـ أمصرة انت؟

قلت:نعم

عدل من قعوده بعد ان لم دشداشته المغسولة بالبياض اللامع الى جسده..وبغتة اخذت يده الشاعرة باهتزاز علبة السجائر التي كان قد رمى بها بعيدا قبل هنيهة وقت..)ص122 ـ ص123..

   فالسرد يتجاوز الاسماء للدلالة على العموم كما في بطله المنفذ لمحاولات الاعدام والذي يقترن بعلاقة حب مع امراة ترفضه بعد ان تعرف انه رجل امن من جهة وتناقض افكارهما من جهة اخرى..حتى انها حين تتقدم لينفذ فيها حكم الاعدام يدعوها قبالته ليكشف لها عن نفسه البشعة والتي تنتهي بالعوق بعد ان يتم القاء  القبض عليه من قبل بعض ممن يعرفونه ويرمى به في ساحة نفايات فيعايش الكلاب ويعاني الجوع..حينها يحاور الكلب ويطلب منه كلبيته مقابل انسانيته..ويتم ذلك فيتحول الى كلب يظل يعوي كلما رأى جثة تلقى في المزابل..

  فالسرد الروائي في (هتلية) يتشظى وينتظم في تشكيلات حكائية متنوعة على وفق البنية الاطارية التي لا تتوقف عند حكاية مركزية…اضافة الى ذلك التنوع في الزمن السردي ومحاولة الافادة من منجزات(السينما والفنون التشكيلية..) بلغة مركزة على الحبكة الروائية المتعالقة واستثمار اللهجة العامية المنقذة للغة السردية من البلاغات التي ترهقها والمتلقي..  (ينظرها الاب بعينين جاحظتين امتلأتا برعب السؤال وارتباك الاجابة يشعل سيجارة ويمصها بعصبية من وجد نفسه محاطا بدوائر من الثعابين المطلقة لاجراس سمومها..تراقب امي سحابات غيوم روحه التي جللها الانهزام وتلوذ ارواحنا عند جدار هلعنا الباعث على التصور..كنت احاول رسم صور الابتعاد عنها..والكيفية التي يمكن ان اساعدها من اجل الشفاء..لكن عوالم ابي وقصصه كانت تعيدنا الى حيث الرعب والتخيل..) ص158..

فالنص يركز على الهم الانساني الذي يصب في الدائرة الاجتماعية مع هيمنة الواقعي والتخييلي رؤيويا مع جمالية لغوية تميزت بشعرية العبارة وتشكيل المشهد..فضلا عن سيطرة الجو النفسي على اجواء السرد وهو يتسم بالقلق والتساؤل الذي منحه طابعا دراميا يغلب عليه التوتر والثنائيات الضدية المتصارعة التي تمنحه حركية دينامية تسهم في خلق التشويق واستفزاز الذاكرة..من خلال توظيف الاشكال البلاغية والفنية كالرمزية والانزياحية بلغة شعرية تستعير من النص الشعري امكانياته التي تجعل المتلقي يتعامل مع الموجودات النصية تعاملا يمنح النص غنائية شفيفة يطفو على سطحها البوح الوجداني..فضلا عن تماهي لغة النص ولغة الشعر الزئبقية المكثفة نسبيا مع استرسال في الافضاء بالمشاعر المتدفقة عبر ضمير المتكلم الـ (نا) الكاشف عن الراوي العليم الذي يستعير من الشعر التوتر والكثافة الجملية والايحائية  ومن الدراما الحوار بشقيه(الذاتي(المنولوجي) والموضوعي(الواقعي) مع اعتماد عناصر القص(الحدث/الشخصية/الفضاء المكاني(المفتوح والمغلق)/النسق الزماني(استباقي واسترجاعي)/رؤية/صياغة اسلوبية تطغى عليها تقنية الانزياح..) لتخلق الخيال المفاجيء الممزوج بالواقع المتميز بتنوع متنه الحكائي(اجتماعي/سياسي/عاطفي/ نفسي…) ينمو بنمو وتحرك الحدث..حيث ان السارد يقتنص اللحظة في زمن الوقائع ويعيد كتابتها في زمن القص(الكتابة) التي فيها يتعطل زمن الوقائع ليفسح المجال لزمن الخطاب الذي تنشط فيه الشخصية..وبذلك قدم الروائي نصا واقعيا متجاوبا والواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في ازماته وتحولاته الفكرية عبر لغة تستبطن تحريضا كامنا..وتستحث الفكر للتنقيب من خلال الجمل المكثفة للحظة الرؤيوية المشبعة بالزمن والحركة والتي تصور عالما تتسع دلالاته من خلال شعرية لغوية مجنحة تضفي صورا تحمل رؤية تتجاوز حدود الزمكانية ..اضافة الى ابتعاد عن الاسهاب مع تنوع الاسلوب السردي ما بين الواقعي(الموضوعي) و(الذاتي) المنطلق من لحظة وعي يحققها السارد فيتجاوز الواقع الذي سلبت فيه ارادة الانسان وسحقت تحت تاثير الالة الحديثة وما افرزته من تداعيات وصراعات اجتماعية معبرا عن رؤية انسانية تقوم على التركيز الدلالي والرمز النابش للخزانة الفكرية للمستهلك(المتلقي) بالفاظ موحية تثير التاملات بتجاوزها المعنى الاحادي.. فكان نصا مضافا لـ (شروكية وخوشية).. وهويدغدغ الذاكرة وينبش خزينها الذاكراتي ليجرها صوب محطاتها المستذكرة والمتذكرة عبر تقانات فنية فاعلة..