نهضة المرأة‮ .. ‬ثورة بيضاء- مقالات – ‮ ‬علي‮ ‬الخفاف

نهضة المرأة .. ثورة بيضاء- مقالات –  علي الخفاف

ليس المطلوب من المرأة أن تحمل على كتفيها أثقالا من الحديد كي نبرر مساواتها مع الرجل ، فربما البعض من الرجال تنقصهم البطولة والشجاعة الكافية لحمل حتى كأسا من الماء ليحضى بكرمه للاخرين. فما هو ميزان تقييمنا أذن ؟ هل الشرع الالهي ، أم العرف الجاهلي المتزمت الذي ما انزل الله له من سلطان سواء كان الشرقي ام الغربي .ولا نريد الخوض في جميع أمور المرأة ، ولكن سنفتح ملفها في صفحة ” الثقافة والمعرفة والتعليم ” ، لأن في العمل على تحرير نصف الهيأة الاجتماعية راحة ضمير من شأنها جعل كل المصاعب سهلة الاحتمال .

نحن نعرف ان التعليم قد سار بخطى وئيدة ، لاسيما في اوائل القرن التاسع عشر ، بالنسبة للبنين ، فما بال مشكلة تعليم البنات . كانت بلا شك اشق واصعب ،لأن نظرة المجتمع آنذاك لم تكن تقبل للبنات ان يتعلمن القراءة والكتابة .

ومن طريف الآراء في تاريخ تعليم البنات لاسيما في العراق، الرأي الذي ابداه خير الدين نعمان بن ابي الثناء الآلوسي ، الذي قال :

( … فأما تعليم النساء القراءة والكتابة ، فأعوذ بالله ، اذ لا ارى شيئا أضر منه بهن ، لأنهن لما كن مجبولات على الغدر ، كان حصولهن على هذه الملكة من أعظم وسائل الشر والفساد . وأما الكتابة ، فأول ما تقدر المرأة على كلام بها ، فأنه يكون رسالة الى زيد من الناس ، ورقعة الى عمرو ، وبيتا من الشعر الى عزب وشيئا آخر الى رجل آخر . فمثل النساء والكتب والكتابة ، كمثل شرير سفيه ، تهدي اليه سيفا ، او سكير تعطي له زجاجة خمر . فاللبيب من الرجال هو من ترك زوجته في حالة من الجهل والعمى ، فهو أصلح لهن وانفع !) .

فاذا كان هذا رأي هذا العالم وهو بلا شك رأي غيره من رجال الدين فباستطاعتنا ان نتصور المشاكل التي وقعت امام المسؤولين في بداية العشرينات وهم يحاولون اختراق هذا المانع الكبير ، لكي يفتحوا مدارس لتعليم البنات .ومع كل هذا التزمت فقد ارتفعت اصوات بعض الرجال المتنورين في بغداد مطالبة بفتح مدرسة للبنات المسلمات ، ولكن السلطة كانت في حيرة من أمرها ، بالنظر لعدم وجود مديرة ومعلمات قديرات للقيام بتدريس البنات في حالة فتح مثل هذه المدرسة .وبعد البحث ، استقدمت مربية انكليزية هي (المس كلي) لتتولى ادارة هذه المدرسة . فوصلت الى بغداد في مطلع تشرين الاول من سنة 1919م وباشرت عملها فعلا في مقر نظارة المعارف .

وبتاريخ 7/11/1919   نشرت في الصحف اعلانا عن قرب فتح مدرسة رسمية للاناث ، وقد اتخذت دارا واقعة في محلة الميدان مقرا لها . وفي يوم 19 /1/ .1920 اقيم احتفال كبير بافتتاح المدرسة حضرته المس بيل وعدد من السيدات العراقيات والاجانب القيت فيه بعض الخطب الحاثة على تعليم المرأة .

وهكذا ، فان تعليم المرأة لم يكن عملية سهلة في العراق ، فقد كان المجتمع جامدا متخلفا شديد التعصب ضد كل جديد نافع ، ولهذا يحفل تاريخ تعليم المرأة بكثير من الصور التي تمثل عثرات كأداء في سبيل تعليمها .

وقد تعرض الطالبات اللواتي سجلن بالمدرسة الى كثير من السب والكلام البذيء ، يسمعنه من الرجال وهن سائرات محجبات في طريقهن الى المدرسة . وتطورت المقاومة من الشتائم والسباب والصاق التهم الشائنة واختلاق الاراجيف لاثارة عناصر الرجوعية .الى الرجم بالحجارة في شوارع المدن العراقية ، والركون الى وسائل تأنف النفوس الحرة عنها وتأباها .

وبلغ الغيظ منتهاه عندما اخذت المعلمات والتلميذات ، يتعرضن لعدوان طائفة من الفتيان بألقاء الحجارة عليهن حتى اضطرت السلطات الى اتخاذ احتياطات خاصة لصيانة سلامة المدرسة والطالبات ووضعت حرسا خاصا من رجال الأمن للمرابطة في باب المعهد .

كان من عواقب الحروب المتكررة مشاركة المرأة المسلمة اخيها الرجل في جميع محنه واثبتت استعدادها لخدمة الأوطان ، والتضحية في سبيلها .

وموضوع المرأة ، الذي كان ، من قبل ، يحوم في العالم الاسلامي حول الحجاب والعوز لتعليم البنات . ثم كان إذا ارتقى يبلغ درجة بحث المساواة في الحقوق الاجتماعية ، تعدى ، بعد الحرب ، هذا النطاق الى المطالبة بالحقوق السياسية ، والمساواة ..برهنت المرأة ابان الحروب على كفاءتها في الاعمال ، وعلى وطنية اعجب بها الرجال ، حتى إذا ما نادى منادي السلم اجمع الرأي العام على وجوب منحها الحقوق الشرعية التي طالما كانت تصبو اليها ، اعترافا بجميلها ، وتقديرا لخدمتها .

ان المبدأ الذي وضعه الاسلام في المفاضلة بين الناس ، هو ” ان اكرمكم عند الله أتقاكم ” ، مبدأ ساوى بين الجميع. ” وخير الناس من نفع النااس “.

الا ان الرجل اختلفت نظرته للمرأة ، فقد استضعفها فحللها موهما نفسه انها خلقت متعة له : خلقت للذته وخدمته الشخصية . واستبد بها حتى حجبها عن الابصار.

ولا ادري ، الى أي حد كان يصل ذلك الغرور لولا رجال مصلحون جاؤا ، بين الفينة والفينة ، وكبحوا جماح الناس .

وليس حديث الجاهلية ببعيد ، وما كانت عليه المرأة ، في ذلك الحين ، من الحطة حتى اباحوا وأدها . لقد قضى الاسلام على تلك البدع ، ثم ما فتىء يوصي بالمرأة خيرا ، ولم ينسها في خطابه بحجة الوداع . ولاريب ان تعاليم الاسلام كان لها الاثر الكبير في الاصلاح . وحسبها انها دمثت الاخلاق ، وهذبت الشعور ، واصلحت كثيرا من شأن المرأة . ولكن هذه المباديء الطيبة لم تلبث ان اصطدمت ، بعد حين ، بتقاليد الشعوب التي اعتنقت الاسلام فاستحالت الى تعاليم تنسب للاسلام خطأ.تعاليم حملت المسلمين على التضييق والتشدد الى حد الافراط والتطرف على نسائهم ، وعلى حرمانهن من الحقوق الاجتماعية .

نظرة بسيطة القوها معي على مدننا القديمة ، ولا سيما على هندسة قصورها العامرة . فماذا تشاهدون ؟

بيوتا يحسبها الناظر اليها ، من الخارج ، اكواخا لا شرفة فيها ولا نافذة ، محرومة من الذوق والهندسة . حتى إذا ما دخلت هذه الدور ، واجلت نظرك في جنباتها الفسيحة ، ودققت في نقوشها والوانها البديعة غمرتك الدهشة لما حوت من ذوق واتقان ، وفن ونظام ، وخشعت للعظمة وروعة الهندسة .

انهم رأوا السجون خالية من النوافذ والشرفات ، ومن سائر ما هو صلة وصل بين داخلها وخارجها فخفوا الى حرمان تلك الصروح البديعة ، التي اعدوها سجونا للنساء ، من كل منظر خارجي ! آه ما اظلمك يا رجل ، وما اقساك واسوأ تأثير الغيرة على قلبك؟

احببت الطائر الغريد فحبسته ، واحببت المرأة فسجنتها . ومع ذلك فشتان ما بين معاملتيك للسجينين ! قمت السدود في تقييد حبيبتك ، وشددت في سجنها ، واحكمت حجابها ، واما الطائر في قفصه فقد تركته يشترك معك في جمال الطبيعة ، ويناجي السماء العالية . فكأني بقلبك الضعيف القاسي ارأف بالحمام منه برفيقة حياتك ، واوفر ثقة به حتى اطلقت نظر الطائر المجنح ، بينما قيدت حبيبتك مكسورة الجناح . حتى الغيرة لم تسلم من التطرف . يخفون ما اراده الله سبحانه ان يظهر من القدمين والكفين والوجه . باللون الاسود ، ولأن طائر الغراب اسود فانهم يتشائمون منه، بينما هو طائر خشن الصوت ، وريشه اسود لامع جميل ، وصوته الرخيم الشبيه بصوت الرجل القوي .

لا اريد ان اذهب بكم الى الارياف والقرى ، ولا اسير بكم الى سجون النساء وزنزاناتهن ، التي لافرق فيها بين الرجال والنساء في قانون الاعدام ، وربما يلتهم جسدها الطري والحيوي آفة الجرب جراء سياسة أشباه الرجال . كلا لا اذهب بكم الى هناك وهنالك حيث تخاف المرأة الرجل ، وتتظاهر له بالاخلاص والحب والطاعة . وانما احدثكم عن تربيتها وتعليمها .

كان البعض منا بالامس يقول: ” القبر للبنات ولا المدرسة ” ، لم يلبثوا الا قليلا حتى استطابوا لذة العلم ، وشرعوا يرجون الحكومة فتح مدارس جديدة لبناتهم . وقد تحدث الملك فيصل الاول بهذا الخصوص ، قال : ” لقد اكتسب اهل النجف وكربلاء فرصة وجودي بينهم ، فرفعوا الي رغبتهم الملحة في انشاء مدارس لبناتهم “.

وكان ذلك العهد بمثابة نقطة انطلاق للمرأة العراقية شطر تحصيل الآداب والعلوم والتخصص.وبداية نهضة المرأة في العالم الاسلامي ، سيما في العراق .

وكان بعضهم ، قبل حين ، يقولون إذا وقفوا موقف التعزية با لزوجة بعد وفاتها ، لزوجها الارمل :

_ ” فراش جديد “.

اشارة الى ان الله هيأ له بوفاتها فراشا جديدا ، أي زوجة اخرى تقوم مقامها .

ثم ما يلبث ان حدث الانقلاب خلال ربع قرن في عالم المرأة . ابتداءا من 1919 الى 1934 وخير نموذج على ذالك ، ما حدث للمرأة المصرية في ارض الكنانة ، على ان اكبر برهان على ما حدث من التطور الفكري في وادي النيل هو ذلك الاقبال الشديد من قبل الفتيات على مدارس الاناث ، وتهافتهن على طلب العلوم العالية ، سواء أكان ذلك في كليات مصر او العراق او سواهما . وما هي الا سنوات معدودات حتى اصبحنا نقرأ بغبطة ان الآنسة المصرية لطيفة النادي نالت شهادة الطيران من لندن سنة . 1934 وان الانسة درية فهمي احرزت الدكتوراه في الاداب من السوربون بباريس سنة 1935  وتوظفت استاذة للاداب في الجامعة المصرية . . واخرى الماجستير ، وغيرها الدكتوراه في الحقوق ، والبرلمان ، والوزارة ، وهلم جرا طويلا ومباركا .

هكذا اذن ، كانت باكورة النهضة العلمية العالية للمرأة العربية المسلمة في العراق ومصر. ثورة بيضاء ضد الواقع المتخلف الذي زرعه الاستعمار في ربوع جنتنا . وانا غير قلق على عرش المرأة اليوم بعد ان تربعت عليه بجدارة تامة . وأخيرا يؤسفني القول أن ( الثقافة سلاح المستعمرين) .