
مَاذا عَسَاني ؟ – علي الجنابي
دخلتُ المَسجدَ فتلاشَتْ وحشاتُ وَجَسِي في سَماءِ رِفْقَتِهِ وشَفَقَتِهِ، وطاشَت رَعشاتُ هَوَسي في فضاءِ رَحمتِهِ وبَرَكتِهِ، وجاشَت روحي وقَعَدَتْ مثلَهم وعَقَدَتْ لتُناجِيَ الرَّحمنَ، ولكن مَاذا عَسَاِيَ أن أناجِيَهُ، ومَاذا عَسَانِي…
مَاذَا عَسَايَ، وذا كياني مضرَّجٌ بِآثامِهِ وكبريائي مُنتَكِسٌ ولساني. مَاذا عَسَانِي، وذا بياني مُبْتَبِسٌ سَريرَةَ حَرفِهِ وما أكسانِي، وعناني مُحْتَبِسٌ جَريرَةَ غَرفِهِ وسنانِي. فمَاذَا عَسَايَ أن أناجِيَهُ، وَذَانِكَ كاتِبَيَّ على كَتِفَيَّ مُسَرَّجانِ ولبَوائِقي يُكَدِّسانِ، وذا طَائِري في عُنُقي مُتَحَسِّسٌ وجَنَاحَاهُ لطَرائِقي يتَعَسَّسَانِ. فمَاذَا عَسَانِيَ وشَطرايَ بِتقواهما مُتَكَلِّسان وبفجورِهما مُتَمَترِسانِ..
سُبْحَانَهُ، إذ هوَ في عَورَاءَ مَسالِكي يَرعَانِي ومن حَضِيضِهُمُ أَنْجَدَني ومَا سَجّانِي
سُبْحَانَهُ، إذ هوَ في غَبْرَاءَ مَهَالِكي وَعَّانِي لِيَفكَّ أسْريَ مِن طغيانيَ ومن سَجَّانِي
سُبْحَانَهُ، إذ هوَ ينادينِي كُلَّمَا مَسَّنيَ طَائِفٌ مِن الشَّيطانِ وَبِلَمزِهِ دَسَّانِي
سُبْحَانَهُ، إذ هوَ يَتَقَبَّلُ منّي بلطيفِ حلمِهِ وحنانِهِ صلاةَ ساهٍ واهٍ لاهٍ شَارِدٍ نَعسَانِ
سُبْحَانَهُ، إذ هوَ يَتَقَبَّلُ منِّي صَلاةً أستحيَ أنا مِمّا فيها مِن لَهوٍ وسَهوٍ ونِسيَانِ
مَاذَا عَسَانِي أن أناجيه، وقَدْ هَامَ عَنَاني في أوداجٍ من تَأَفُفٍّ وأفواجٍ من تَكَلُّفٍ وفي مَرسَاهما رَسَّانِي. مَاذَا عَسَانِي، وقَدْ صَامَ بَناني عن أمواجٍ من تَعَفُّفٍ وأزواجٍ من تَلَطُّفٍ وعن مَسراهما نسَّاني
مَاذَا عَسَانِي، وقَدْ ظَنَّ الأنَامُ بأصابعي يَتَقْطَّرانِ وَرَعاً وتَنَسُّكاً وبالحَسناتِ مُغَمِّسانِ. مَا عَسَانِي، وقَدْ أَنَّ الظَّلامُ بمَرابعي يَتَفْطُرانِ جَزَعا وتَهَتُّكَاً وبالسيئاتِ يأسِرَانِي..
مَاذَا عَسَاي، إلّا أنْ ألوُذَ بالغَفَّارِ ﷻ مِن شُؤْمِ بَوائِقي ومن خسران
مَاذَا عَسَاي، إلّا أن أعُوُذَ بالجَبَّارِ ﷻ مِن لُؤمِ طَرائِقِي كإنْسَانِ
ومَاذَا عَسَاني، إلّا أَنْ أعتَصِرَ لأنتَصِرَ لِنَبَراتي فِي ظلالِ ربٍّ حَميدٍ إنْ عَصَيْتُهُ وَاسَاني، وإلّا أَنْ أحتَصِرَ لأختَصِرَ عَبَراتِي لِجلالِ رَبٍّ رَشِيدٍ أُنْسِيتُهُ وَمَا نَسَانِي، وأنْ أَفِّرَّ لأسِرَّ خَلَجاتي إلى عليمٍ غَفُوُرٍ فَيُعَدِّلُ عُيُوبي بلُطفهِ لحِسَانِ. مَاذَا عَسَانِي، إلّا أنْ أُقرَّ بسيئاتِي لحليمٍ صَبُوُرٍ فَيُبَدِّلُ ذُنُوبي بعَطفهِ وبإحسَانِ. سًبحانهُ..
سُبْحَانَهُ، إذ صَوَّرَ وحَوَّرَ بياضَ الغيومِ، وثَوَّرَ وفَوَّرَ رياضَ الكروم، ونَوَّرَ وكَوَّرَ حياضَ النجومِ، ودَوَّرَ ودَرَّعَ درعَ الخُنْفُسانِ.
سُبْحَانَهُ، إذ مَنَحَ النَّملتَينِ مَجَسيْنِ بهما يَتَحَسَّسانِ، وسَمَحَ لسليمانَ فهمَ ما بهِ يَتهامسانِ.
سُبْحَانَهُ، إذ جَعَلَ بين كلِّ زَوجَينِ مودَّةً ورحمةً بهما يتآنسانِ فيَعرسَانِ.
سُبْحَانَهُ، إذ كَبَحَ جماحَ كلِّ طاغٍ بطاغٍ، وكلِّ باغٍ بباغ، بتكَبُّرٍ يَتَغَطرَسانِ.
سُبْحَانَهُ ما أعظَمَهُ، سُبْحَانَهُ ما أكرَمَهُ!
سُبْحَانَهُ ما أحلمَهُ. سُبْحَانَهُ ما أرحمَهُ!
هوَ الغَفَّارُ ولا غَفورَ سِواهُ



















