من يعلمنا تعاليم الدين؟ -مقالات – عبد الكاظم محمد حسون
ظهرت الأديان مع ظهور الإنسان , او بالأحرى منذ ان نزل أدام واستوطن هذه الأرض . والدين لم يكن شيئاً كمالياً للإنسان وإنما هو ضرورة مهمة وملحة من خلاله يجد الإنسان أجوبة شافية لكثير من الأسئلة التي تجول في خاطره ومنها ماهية الكون وماهية الوجود و يوم المعاد …لخ. كما ان الدين يحد من أهواء الإنسان ورغباته ونزعاته غير المشروعة التي لا تلجمها القيم والمعارف والقوانين الإنسانية , وعلى الرغم من ذلك كله لا يجد الدين قبولاً واسعاً لدى بعض المجتمعات وعلى مر المراحل التاريخية وللآن , ولا زال الكثير من الناس لا يخضع لتعاليم الدين او حتى الإيمان بوجوده وضرورات كينونته او حتى الإيمان لوجود الله سبحانه وتعالى ووحدانيته كما أنهم يبعدون الدين عن معترك الحياة والسياسة وصياغة القوانين , ويرسمون قوانين وضعية تُسير حياتهم مستندة على قيم يعرفها الإنسان بالفطرة والتجربة اثبت نجاحها والتي في بعض الأحيان لا تتعارض مع القيم الدينية , خاصة في المجتمعات الغربية التي مرت بمرحلة هيمنة الدين خلال فترة القرون الوسطى وهيمنة رجاله من خلال الكنيسة على المجتمع وما نتج عنها من إفرازات من حروب كثيرة أهلية سببت الدمار والتأخر لتلك المجتمعات , في حين نرى الآخرين وهم كثير ونحن منهم يجدون في الدين ضالتهم واستقرارهم النفسي وحل لكثير من مشاكلهم , خاصة الفقراء منهم لوضوح التعاليم التي تشدد على نبذ الظلم والسرقة ومصادرة الحقوق وهمية رعاية اليتيم وضمان حقوقه ونشر العدل …الى أخره من القيم النبيلة . ان الله أرسل الرسل والرسالات والكتب لبني ادم , لا لمجرد عبادته وإنما لأجل ان تكون عبادته وسيلة من خلالها يعرف الإنسان الله ويعرف الصحيح من الخطأ اي بالمفهوم الديني الحلال من الحرام وان يحدد الإنسان علاقته مع أخيه الإنسان من خلال معرفة الله ومخافته , فالدين ليس عبادة فقط , وإنما الدين المعاملة . ومن أوضح الرسالات الدينية وأكثرها تجربة في التاريخ على المستوى السياسي وبناء الدولة هي الرسالة الإسلامية التي جاء بها نبي الهدى والرحمة وخاتم النبيين محمد (ص) .وان هذه الديانة اليوم تشكل رقما كبيرا بمن يعتنقها حيث عددها يتعدى المليار مسلم في شتى المعمورة في مشارق الأرض ومغاربها وان هذه الديانة تحتل مساحات واسعة من الكرة الأرضية تمتاز بموقع متميز وغنية بمواردها خاصة المنطقة العربية , إلا إن ما يميز هذه المنطقة هي عدم الاستقرار وحالة الصراعات الداخلية وحالة التخلف على مدى التاريخ باستثناء الفترة العباسية حيث حدث شيء من تقدم على كافة الصعد للدولة العباسية مع عدم تجاهل حالات الثورات وغيرها في تلك الفترة وما نتج عنها من قتل , ولكي نطلع على واقع المنطقة الإسلامية خاصة العربية بشكل واضح وجلي علينا ان لا نذهب بعيدا وان نرى الواقع المؤلم الذي تعيشه شعوب هذه المنطقة من حروب في أكثر من مكان وحالة التهجير والإقصاء والفقر والتخلف والتبعية للأجنبي من هذا الطرف او ذاك , كما تشهد المنطقة تبدداً مؤسفاً لثرواتها الوطنية وتسخير الأموال على ملذات الحكام وعلى الآلة العسكرية لحماية سلطانهم وفساد حاشيتهم ناهيك عن حالات الخراب والتدمير للبنية التحية في أكثر من بلد نتيجة الحروب العشوائية بين بلدان تلك الشعوب الإسلامية او جراء حروب داخلية ليس لها أول ولا أخر , وتشجيع حالات الصراع العقائدي او الطائفي والديني وحتى القومي وتسخير قسم من الأموال على وسائل الإعلام والمنشورات للتشجيع على التطرف والاقتتال تحت مسميات ما انزل الله بها من سلطان من جهاد ومحاربة الكافر وجهاد النكاح…الخ .
وترك المسلمون أعداءهم الحقيقيين بسلام كما هي إسرائيل حاليا , وصبوا نار غضبهم على بعضهم , ان الإنسان المسلم في منطقتنا بشكل عام يعيش الآن حالة الازدواجية بعينها , حيث تبدأ هذا الازدواجية من الأشياء السلوكية البسيطة التي تتضمن سير المعاملات اليومية من خلال إيجاد الواسطة او استغلال الجاه في استكمال معاملة او إجراء على حسب دور وحق الآخرين في الطابور إلى حالة التسلق والتوسط وحتى دفع الرشا للحصول على الوظائف والامتيازات في الدولة على حساب مستحقيها , ناهيك عن الحالات الكبيرة المتمثلة بالتشبث بالقيم العشائرية المتخلفة من الفصل (والنهوة) والثأر الى حماية أبن القبيلة مظلوما كان او ظالما , ان منطقتنا العربية بدلا ان تكون اليوم رمزا للحضارة والسمو في كل شيء بفضل قيم الدين الإسلامي والدين يمتلك مقومات نجاحه في إدارة البلدان نجدها ساحة للإمراض النفسية والعادات المتخلفة والكراهية وعدم الثقة , فليس غريبا من دولة عربية على سبيل المثال لا الحصر ان تسمح للعمالة الأسيوية الكافرة حسب مفهومها ان تشتغل في بلدها وتمنحها كل الدعم والتسهيلات , ولا تسمح للعمالة العربية المسلمة وغير المسلمة التي هي قريبة منها وتتكلم بنفس لغتها بالعمل لآساب تتعلق بالكراهية بسبب اختلاف المعتقد او عدم الثقة في سلوكية العامل العربي لكون هذا العربي المسلم او غير المسلم ليس أمين او صادق في تعامله حسب الاعتقاد الشائع وانه اتكالي يحاول الحصول على المال دون اي جهد يُبذل. كلنا نعرف ولا نريد احد أن يعلمنا ان الخلل في حياتنا وفي الأنظمة التي تسيرنا والتي تدعي الدين ليس في تعاليم ديننا الحنيف , وإنما هي نتيجة لسوء التطبيق واستغلال هذا المفاهيم الدينية واستغلال ميل الشارع وانجذابه للدين خاصة الفقراء منهم من قبل إفراد او مجموعات او أحزاب بعيدين كل البعد عن الدين يستغلون اسم الدين لتحقيق مصالحهم الضيقة حتى لو اقتضى الأمر اقتتال الإخوة فللحروب تجارها ومناصريها تدفعهم أنفسهم المريضة ومصالحهم الضيقة لإشعالها مهما كانت النتائج من تخريب وتهجير وظلم فالنفس أمارة بالسوء ان لم يكن هنالك رادع يردعها غير مخافة الله . وأسوء هذه الحالات عندما يلبس هذا الرجل لباس الدين ويكون سياسيا فتأثير السياسة , تأثيرا كبيرا على المجتمع يخلق روح الانقسام ويوقف ويشل حياة المجتمع وكينونته وتكون النتائج وخيمة على المجتمعات من الصعب تلافيها بسهولة . على العرب كافة ان يعوا أسباب ما هم فيه اليوم من هذا التراجع ومن هذه الانكسارات ومن هذا العدوانية فلا نجد بلدن عربي مستقرا وان كان شبه مستقر نجد له تدخل في شان هذا البلد او ذلك من خلال الإعلام والدعم المالي والعسكري وكل هذه الأسباب واضحة نجد اغلبها لها علاقة بالاختلافات الدينية والعقائدية التي لا تخدم ولا تغير من الأمر شيء.
علينا جميعا ان نفهم ونقتنع ان الدين جاء رحمة من الله للناس , لا للانتقام , وجاء ليمحو الفوارق بين الأغنياء والفقراء , ففرض على الأغنياء حقاً للفقراء وان الدين يكره التعصب القومي ويمقته فأحد مبادئه (ان أكرمك عند الله اتقاكم ) ولا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى . وان الدين الإسلامي دين المحبة والسلام , فتحية الإسلام هي السلام , وما أجمل السلام , وما أجمل المحبة. علينا ان ندرك بعد كل هذه التجربة المريرة ان نكون إخوة في الله وفي الإنسانية وان نعلم الناس حسن الأخلاق وحسن المعاملة وان نكون في مقدمة الركب لا في مؤخرته وعلينا ان نكشف كل المتلاعبين بالدين من الذين يتصيدون في الماء العكر لخلق الكراهية بسم الدين وكأن الدين ارث أباءهم وليس دين لله تعالى , والله رحمته وسعة كل شيء , فأن كان ديننا يأمرنا بالمعاملة الحسنى مع الكافرين فما بالنا في التعامل فيما بيننا ونحن أولى بذلك من غيرنا . علينا ان نتحاب ونترك الاختلافات جانبا وان نتصدى لكل الصعاب ونشرع ببناء أوطان للجميع , أوطان تتسع لكل أهلنا مهما اختلفوا في اللون او العنصر او المعتقد او الجغرافية وسوف تكون النتائج مبهرة ونعيش حياتنا وحياة أجيالنا سعداء ونسعد بالدنيا والآخرة , وعلينا ان نتعلم أمور ديننا من مرجعيتنا الشريفة والحكيمة ومن أفاق عقلنا و فطرتنا التي فطرنا الله عليها من المحبة والإخاء ومساعدة الفقير والمحتاج وبناء الأوطان لا نأخذها من هؤلاء الذين يلبسون ثوب الدين لا من اجل نشر القيم المجيدة ونشر روح المحبة وإنما من اجل الفتنة لجني ما تصبو إليه أنفسهم من مصالح دنيوية ضيقة . ولا نأخذ تعاليم ديننا من الذين يسفكون دماء الأبرياء ويفجرون أرواحهم بين الأطفال .
قال تعالى ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْــــهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) ( المائدة .(32















