من الجريمة الجنائية إلى السياسية – شكيب أريج

360

الرواية البوليسية.. التأصيل والإنفتاح

من الجريمة الجنائية إلى السياسية – شكيب أريج

 الرواية البوليسية في الغرب

للحديث عن القصة أو الرواية البوليسية لا يمكن القفز على التراكم الكبير الذي راكمته الرواية الغربية على مستوى إبداع ورواج هذا النوع.

ونستطيع تتبع الجذور الأولى لنشوء القصة البوليسية عند الكاتب الفرنسي فولتير في روايته “زاديج”1774 ولدى الألماني “هوفمان” في قصة عنوانها “الآنسة فون سكوديري”1819. لكن الكثير من الدارسين والنقاد يجمعون على أن  الكاتب الأمريكي “ادغار ألان بو” 1809-1849 هو أول من رسخ وأسس أصولا للعقدة القصصية في الرواية البوليسية، وذلك في قصته “جرائم شارع مورج” 1841.

وستعرف الرواية البوليسية عصرها الذهبي ما بين الحربين العالميتين، بداية مع السير آرثر كونان دويل1859-1930 مبتكر شخصية “شارلوك هولمز”. والذي ألف أربع روايات، وأزيد من خمسين قصة بوليسية بطلها دائما “شارلوك هولمز”. وإلى جانب كونان دويل لمع نجم الكاتبة “أجاثا كريستي” 1890-1976 والتي كتبت 66 رواية و14 قصة.

ولئن كان الأدب البوليسي بدأ يخبو بعد ذلك في إنجلترا، فإن شعلته انتقلت إلى أمريكا مع الكاتب”كارتير ديكسون”1906-1977 ملك روايات ألغاز الغرف المغلقة و”سيسيل ستريت”1884-1956 وستتطور الرواية البوليسية إلى فروع جديدة، مثل الرواية الجنائية “ريك ستارت”1886-1975 وقصص المجرمين وأعمال العنف “جون ديلي”1889-1958 وشاعت روايات كثيرة عن عالم الجريمة السفلي وجرائم الشوارع، وكلها روايات تحري ساهمت طبيعة المجتمع المؤطر بسلطة قانونية وبمؤسسة شرطة مواطنة تتمتع باستقلاليتها في شيوعها وساهمت الأعمال الدرامية التلفزيونية أيضا في رواجها، متأثرة بها ومؤثرة فيها.

وبعد السبعينات ستتراجع بشكل ملفت مكانة القصة والرواية البوليسية، لكنها ستعود مجددا في أواخر التسعينات، حين نشر “دان براون” روايته “الحصن الرقمي”1998 وأتبعها بروايات أخرى.

الرواية البوليسية عربيا

رغم محاولات التأصيل للرواية أو القصة البوليسية في التراث الأدبي العربي بالتذكير بقصة “التفاحات الثلاث” في ألف ليلة وليلة (1) فإن الفرق كبير بين تلك الارهاصات والقصة البوليسية في الأدب الغربي. وهذه “اللاعلاقة” نرصدها بدءا من مصطلح “القصة البوليسية”، فكلمة “بوليس” في اليونانية القديمة “بوليتيا” تعني في الأصل إدارة المدينة وهي تشمل مجموع القوانين والقواعد التي يلتزمها المواطن من أجل أن يسود النظام والأمن في المجتمع، وصارت الكلمة بعد فيما بعد تعني مجموعة منظمة مسلحة ومكلفة بفرض احترام النظم والقوانين. وبناء عليه فالقصة أو الرواية البوليسية هي ذلك النوع الذي يعالج قضية جنائية يحاول فيها التحقيق والأدلة الجنائية والمباحث أو المحقق الخاص أن يفكوا أحاجيها وعقدها الغامضة لإماطة اللثام عن المجرم المتخفي.(2)

وبعبارة أخرى يعرف الأدب البوليسي على أنه قصة أو ورواية قوامها اكتشاف رجل من رجال البوليس أو التحري عن جريمة تبدو وكأنها كاملة، ويتقدم المؤلف نحو الحل بطريقة مشوقة تثير الفضول وتحبس الأنفاس وتثير ملكة حل الألغاز(3).

بالنظر إلى هذا التعريف التقليدي للأدب البوليسي، يصعب الجزم بوجود ازدهار للأدب البوليسي في العالم العربي لا قديما ولا حاضرا. وحتى وإن استحضرنا روايات صالح مرسي  أو روايات نبيل فاروق، فإن ما يكتبانه هو أقرب إلى أدب الجاسوسية حيث الصراع بين أجهزة مخابرات ودول، وذلك أبعد ما يكون من القصة أو الرواية البوليسية.

 يتحسر الروائي المصري يوسف القعيد في مقالة له بجريدة الأهرام عنونها بـ” أين الرواية البوليسية؟” ويرثي لغياب الرواية البوليسية عربيا، ويذكر أنها – يقصد الرواية البوليسية- كانت المشروع الذي راود كتاب كبار مثل نجيب محفوظ. (4) ويظل السؤال العريض لماذا لم يكتب كبار كتاب الرواية العربية روايات كبيرة تكون علامات في تاريخ الرواية العربية والعالمية؟ قد يكمن جزء من الإجابة عن هذا السؤال في أن التعرف على الرواية البوليسية لم يتم في وقت مبكر في العالم العربي، وقد يكون لانحراف الكتابة نحو مزيج من: روايات التجسس وأدب السجون وروايات الرعب التي برع فيها الملقب بالعراب” أحمد خالد توفيق”.

الرواية البوليسية في المغرب

لأزيد من ستة عقود لم تسجل الرواية البوليسية في المغرب سوى أربعة عناوين حسب ما ورد في بيبليوغرافيا الرواية  المغربية 1942-1999 التي أنجزها عبد الرحيم العلام  (5) وبعده بقليل، سيسجل محمد قاسمي في بيبليوغرافيا الرواية ما بين 1941-2002 ثماني روايات بوليسية. (6)

بلغة الأرقام، فإن الرواية البوليسية في المغرب لم تتجاوز مرحلة الحبو، وما بين تاريخ صدور أول رواية بوليسية “الحوت الأعمى” 1997 إلى اليوم، أي بعد أزيد من عقدين من الزمن، فإن الرواية البوليسية في المغرب لم تتجاوز ثلاثة عشر عنوانا، أي أقل من رواية واحدة في العام، نعم هي على قيد الكتابة لكنها لم تحقق طفرة نوعية أو تراكما كميا منذ بدأت في المغرب.

ومع ذلك لا زلنا نشهد محاولات حثيثة لاستنبات نبتة الرواية البوليسية ذات الجذور الغربية في بيئة مغربية. وهي محاولات فريدة وجادة تسعى إلى إعادة بناء الرواية البوليسية وتبيئتها وجعلها منصة لقضايا تتجاوز ما هو جنائي وقانوني.

وإن شئنا الحديث عن بعض ملامح هذه التجربة فلا بد أولا من الحديث عن الريادة الحمدوشية للرواية البوليسية في المغرب، فقد ارتبط ظهور الرواية البوليسية في المغرب بالأديبين عبد الاله حمدوشي وميلودي حمدوشي مؤلفا “الحوت الأعمى”1997 وليس مصادفة أن تظهر روايتهما مع بداية انفراج المناخ العام للحريات لأن الرواية البوليسية يصعب أن تنتعش في مناخ يحضر فيه البوليس بوصفه جهازا للقمع.

الخلفية التي انتقل منها ميلودي حمدوشي إلى الرواية البوليسية، على اعتبار انه مفتش شرطة سابق، ثم أستاذ جامعي خبير في القانون الجنائي مكنته من ريادة هذا النوع والتخصص فيه. عبد الاله حمدوشي هو الآخر سيناريست معروف يحترف الكتابة الدرامية، فليس من الغريب أن يكونا ثنائيا مبدعا حتى وإن افترقا فيما بعد وأصدرا روايات أخرى غير مشتركة. وعموما فإنها روايات حافظت على عنصر الجريمة الذي يشكل عمودا فقريا للرواية البوليسية وأدخلت مزيدا من التشويق بتكرار الجريمة موازاة مع سير التحقيق، لكنها ظلت ممأزقة في مقاربتها لمكون السلطة وذلك مطب الرواية البوليسية في المغرب، وعلى المستوى العربي، إذ لا تتجسد الكتابة البوليسية كتخييل إلا على خلفية بيئة بوليسية واقعية كالتي استلهمها رواد الرواية البوليسية العالمية في إنجلترا وأمريكا من مجتمعات بورجوازية متمايزة السلطات.

في عام 2015 ستصدر روايتين لأديبين آخرين غير الكاتبين “حمدوشي”، الأولى لابراهيم مردان بعنوان “الموتى يخططون” وهي رواية كانت وفية لأصول الحبكة البوليسية الكلاسيكية، والثانية هي رواية “زنبقة المحيط” للكاتب مصطفى لغتيري والتي اعتمدت حبكة درامية ابتعدت عن روايات المجرم القاتل، لتعوضه بالمجرم المستغل، وخلق لغتيري بديلا دراميا يتمثل في تحبيك السرد البوليسي وتطعيمه بالتشويق القائم على المطاردات والأجواء الدرامية المشحونة.

صدور رواية بوليسية عام 2019 “فرصة أخيرة” للكاتب العصامي “مصطفى الكناب” دليل على استمرارية انبعاث الرواية البوليسية، ففي الوقت الذي يتراجع فيه هذا النوع ويضمحل تصدر رواية بوليسية أخرى. رواية تبدي مرونة إبداعية ما بين الوفاء للشكل التقليديجريمة وتحري وتحقيق وأدلة..وما بين انفتاح يقودنا إلى التبشير برواية بوليسية سياسية.

وعليه فالرواية البوليسية يمكن أن تكون عنقاء تخرج من الرماد، فبؤرة مأزقها هي نفسها مصدر تفجر إلهامها. وإذا كان الواقع البوليسي اليوم يرزح تحت ثقل وقع سلطوي قمعي، فإنه ليس هناك ما يمنع من تطور الرواية البوليسية لتكون مغلفة بقضايا اجتماعية وتاريخية وسياسية تتيح لها الانفتاح على جمهور أوسع.

رواية “فرصة أخيرة” لمصطفى الكناب: من الجريمة الجنائية إلى الجريمة السياسية

رواية “فرصة أخيرة” هي الإصدار الأول للكاتب العصامي مصطفى الكناب، رواية بوليسية من ثلاثة فصول: خيانة وظلام- صالون الشمس- قبل الهاوية.

 يمكن على ضوء سرديتها أن نقف على حضور لافت للقواعد الصارمة التي رسخها الأدب البوليسي على مدى عقود، ويمكن أيضا من خلالها النظر إلى ملاءمة هذا النوع لواقعنا الراهن، كما تتيح هذه الرواية من زاوية أخرى الاطلاع على تنويعات وإمكانات تجعل الكتابة البوليسية أكثر دينامية وانفتاحا.

تلتزم رواية “فرصة أخيرة” على الأقل في فصلها الأول بالقواعد الكلاسيكية للأدب البوليسي، اذ ترتكز حبكة السرد على الأركان المعهودة جريمة، قتل، مشتبه فيه، قرائن وأدلة، تحري وتحقيق.. إنه التقليد المتعارف عليه في رواية من فعلها؟ الشكل الأكثر ذيوعا في الروايات البوليسية العريقة.(7)

أما الفصل الثاني صالون الشمس فيتخفف فيه الكاتب من الشكل التقليدي للقصة البوليسية، لينتقل إلى القصة من نوع كيف فعلها؟7 حيث يسعى الضابط آدم إلى البحث عن أسباب ارتكاب سعيد للجريمة، لكن الحبكة لم تكن مقنعة، بسبب الاختزال الذي طال الكثير من القصص الفرعية وبسبب تبسيط بعض المواقف.

وعلاقة بذلك لا أدري إلى أي حد يمكن أن تستوعب رواية بوليسية واحدة تنويعات متعددة، لا سيما أن حبكة “لماذا فعلها؟” تقودنا الى تنويع جديد يتعلق بقصة “القاتل المتسلسل” بمعنى قصص جرائم أخرى  يتم سردها في هذا الفصل وبعجالة.

وفي نفس الفصل دائما نطالع اقتحام الضابط آدم لعالم العصابات، وهي قصة أخرى تذكرنا بأعمال جون ديلي وريك ستارت عن العالم السفلي وروايات الاجرام والشوارع في أمريكا ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وحتى وإن لم نتفق مع التبسيط والاختزال في توظيف هذه التنويعات فإنها كشفت لنا عن رؤية واقعية لأجهزة الأمن المخترقة في عوالمنا العربية. إن التحري هنا لن يكون نسخة من شيرلوك هولمز أو هيركيل بوارو، فهو الضابط آدم في رواية “فرصة أخيرة” لا يتمتع باستقلالية كبيرة في مجتمع مشروط بحدود دنيا لتطبيق العدالة، هو هنا جزء من منظومة ينخرها الفساد.

هكذا توزع الفصل الثاني صالون الشمس بين نزعة مثالية لسرد بوليسي يسعى من خلالها البطل إلى الكشف عن غموض جرائم قاتل متسلسل وبين سرد واقعي يسعى للكشف عن خيوط عصابة، ليست إلا سطح جبل الجليد الذي يخفي الفساد المستشري في البلاد.

الفصل الأخير قبل الهاوية، وبغض النظر عن التناول السريع للأحداث، فإن الانتقال فيه تم من تحقيق بوليسي له حدوده ومقتضياته إلى معركة سياسية مصيرية لمواجهة واجتثاث جذور الفساد، ومهما بدا الأمر أشبه ما يكون بيوتوبيا، فإن هذا المنعطف الحاد الانحراف غني بحبك غير مطروقة، وأحسب أن المناخ العام للحريات أصبح يتيح إمكانات أفضل مما كان عليه الوضع سابقا، أضف إلى ذلك أنه آن الأوان لأن يستعيض التحقيق البوليسي عن الجريمة الجنائية بالجريمة السياسية. والفصل الأخير من رواية “فرصة أخيرة”  يقوم بهذه النقلة، ويفتح هذا الباب بشكل موارب لاقتراف رواية بوليسية سياسية.

أعتقد أن الكتابة البوليسية يجب أن تكون منفلتة من إسار قواعد الكتابة التقليدية، كما  أنه من المهم أن أن تكون كتابة ممتلئة بذاتها ( 8 ) وأجد أن جمود الأدب البوليسي مرتبط بتكراره لنفسه، دون أن ينفتح على تنويعات ومسارات جديدة.

وختاما، فخلافا لمن يتشاءمون من مستقبل الرواية البوليسية، أجد أنها فتحت لنفسها مسارات جديدة تجعلها تتقاطع بشدة مع محفلين كبيرين: الفلسفة والسياسة:

فمن جهة آن الأوان أن نكف عن النظر إلى الجريمة كرد فعل مجرد، أو حدث مثير ومسل. إن الموت قضية فلسفية وكونية، لا من حيث دوافعها النفسية والاجتماعية والوجودية، ولذا فإن الحفر على هذا المنوال كفيل في اعتقادي بإبداع روايات عظيمة في أدب طالما نظر إليه باستسهال وازدراء.

ومن جهة ثانية فالرواية البوليسية هي رواية البوليس، وعن البوليس، ومن تم مشروعية تفكيكها لمكونات السلطة ونقدها الفني لأنظمة دكتاتورية، إما بفضح البوليس على اعتبار أنه آلة سلطوية قمعية، أو بإعادة الاعتبار له كمؤسسة قانونية تسهر على إقامة مجتمع متحضر يساهم في إرساء قيم العدل والأمن والسلم والكرامة الإنسانية.

هوامش

1-       من أقدم ما تركه التاريخ، هي احدى قصص شهرزاد، في الليلتين 19 و20 وفي هذه القصة يعثر صياد على صندوق كبير مقفل وثقيل في نهر دجلة. ويشتري الخليفة هارون الرشيد الصندوق منه  الذي يأمر بكسر الأقفال وفتح الصندوق ليجد فيه جثة امرأة مقتولة ومقطعة، فيأمر الخليفة وزيره أن يكتشف له سر الجريمة في غضــــــون ثلاثة أيام وإلا أمر بقتله.

2-       ملف عن الرواية البوليسية. فيكتور سحاب. مجلة قوافل. العدد5. المجلد59. سبتمبر/أكتوبر 2010. ص89

3-       الرواية البوليسية في عالمنا العربي المعاصر. رائد يونس. ساسة بوست. 23 نونبر 2018

4-       أين الرواية البوليسية؟. يوسف القعيد.الأهرام. 26 فبراير 2018. السنة 142. العدد47929

5-       بيليوغرافيا الرواية المغربية المكتوبة بالعربية 1942-1999 عبد الرحيم العلام. منشورات اتحاد كتاب المغرب.

6-       بيبلوغرافيا الرواية المغربية. محمد يحيى قاسمي. مطبعة الجسور. وجدة . 2002

7-       من فعلها؟ أحمد خالد توفيق. مجلة فصول. العدد 76. صيف-خريف 2009- الهيئة العامة للكتاب

8-       الرواية البوليسية في المغرب. عبد الرحيم العلام. الشرق الأوسط. الثلاثاء 24 يوليو2001 العدد.8474

مشاركة