مظاهر التغيّر الإجتماعي ودوره في نظام القيم – منى حيدر الطائي

 muna

مظاهر التغيّر الإجتماعي ودوره في نظام القيم – منى حيدر الطائي

 لقد توالت التغيرات الإجتماعية والثقافية على المجتمعات في العقود القليلة الماضية وخاصة على المجتمعات العربية ولعل من أبرز هذه التغيرات ظهور ظاهرة العولمة وما رافقها من ثورة معلوماتية حيث أحدثت تغييراً في المواقف والإتجاهات والقيم الإنسانية لدى أفراد  المجتمع  وجعلت العالم أكثر إندماجا، وجعلت التحولات سريعة هي التي ساهمت في انتقال المفاهيم والقناعات والمفردات والأذواق فيما بين الثقافات والحضا رات وهي التي نقلت العالم من مرحلة الحداثة إلى مرحلة ما بعد الحداثة ومن ثم في دخوله إلى عصر العولمة.

إنّ هذه التغيرات كان لها دور في تغير الثقافة الموروثة للمجتمعات أنّ ثورة المعلومات والإتصال قد أثرت وستؤثر في حياة الأفراد اوهي اليوم من أهم العوامل التي. تعقد تشكيل خيارات وثقافة وأذواق وسلوكات الأفراد والمجتمعات ، وهذا ما أكده عويدات حيث يقول: “لقد ترتب على هذه الثورة المعلوماتية حدوث تغير إجتماعي متسارع في القيم والمعايير والمؤسسات والعلاقات الإجتماعية والإنفتاح الإعلامي الثقافي الحضاري العالمي بفضل وسائل الإعلام السريعة  “.

وتقف الأسرة العربية حائرة بين المحافظة على الثقافة الموروثة وبين الثقافة الغربية الناجمة عن العولمة والمعلوماتية التي غزت العالم بما تكمله من تقنيات متطورة وأساليب إغواء متحدية بذلك الخصوصيات مهما كانت وأينما وجدت  . فمن المتفق عليه أن أي مجتمع إنساني له خصوصياته الثقافية بحكم تاريخه الاجتماعي الفريد والذي لا يمكن أن يتكرر، فهي أشبه بالبصمة الثقافية المنفردة كما أن أي منطقة حضارية لها خصوصيتها المميزة مثل المنطقة العربية .

إلا أن العولمة تطمح إلى صياغة ثقافة كونية شاملة تغطي مختلف جوانب النشاط الإنساني وتكون ما يسمى بالقواعد الأخلاقية الكونية والتي تركز على حرية التعددية الفكرية واحترام حقوق الإنسان تقبل الآخر، وتعمل وسائل الاتصال على زيادة التفاعل الثقافي على المستوى العالمي إلا أنّ الدول التي تمتلك القدرات التكنولوجية سوف تملك القدرة على بث ونشر الرسائل الإعلامية الثقافية بكل ما فيها من قيم وقد تحمل في بعض الأحيان غزوا ثقافيا قد يهدد الخصوصيات الثقافية . لهذه المجتمعات  ومن مظاهر التغيير في ضعف الروابط الأسرية والتواصل الأسري حيث تشهد الأسرة العربية مزيدا من التفكك بسبب تراجع سلطة الوالدين في السيطرة على ضبط سلوك الأبناء. فعلاقة الآباء بالأبناء وعلاقة الرجل بالمرأة كانت تحدد على أساس النظام الأبوي والذي يتمثل في هيمنة الرجل على المرأة وهيمنة الكبار على الصغار بما يعني توزيعا هرميا للسلطة على محوري الجنس والسن… وتمثل قيم الشرف والاحتشام والجماعية والطاعة عناصر أساسية في هذا النظام وتتصل قيمة الشرف بسلوك الفرد ولكنها لا تقتصر عليه بل تمتد لتشمل العائلة كجماعة تتوحد فيها المسؤولية وتتماثل فيها الذات مع الجماعة، وعلى وجه التحديد تربط هذه القيمة سلوك المرآة بشرف الرجل  ، فهذه القيم تلاشت وتغيرت النظرة إلى المرآة من خلال وسائل الإعلام من أجل تسويق المنتوجات وجني الأرباح وقد وافق ذلك كله تهميش متعمد من قبل الإعلام لصورة المرآة المثقفة العاملة، والمنتجة، المربية والمناضلة.

أنّ القيم الإجتماعية السلبية التي حملتها الأم في المسلسلات هي: حبّ التباهي والمظاهر والنظرة المادية للحياة، وربط الزواج بالمصالح المادية والشخصية، وربط العلاقات الإجتماعية بالمصالح، كما تراجعت وتغيرت القيم الأصلية في الأسرة العربية لتحل محلّها قيم ذات صبغة نفعية برمجاتية، وهذا ما أكدته الكثير من الد ا رسات العربية لدى الشباب حي. أظهر تفضيلا لقيم مثل النفعية وقيم الربح والكسب وقيم الإستهلاك…الخ  .

كما تأخر سن الزواج عند الأبناء وإلى حين إتمام دراستهم والحصول على وظيفة وتأمين البيت واستئجاره أو بنائه، كما أن القيمة الإجتماعية اليوم للشباب ليست بالزراعة والمساحات الأرضية من المواشي، ولكن بما يحصله الواحد منهم من علم وشهادات وما يملكه من رصيد بنكي  ، فأصبح الأفراد  يقيسون بعضهم البعض على أساس حجم ثروتهم وممتلكاتهم المادية،.

وعليه فنوع اللباس والسيارة وقيمة المنزل وتأثيثه. هي معايير مهمة جدا لكسب مركز محترم في أعين الآخرين  كما ظهر الإنحراف الأخلاقي والسلوكي لدى الشباب في ظل ضعف الوازع الديني والأخلاقي، وضعف سلطة الأبوية، فقد ظهرت على الأسرة العربية ظواهر جديدة كالسرقة والإنحلال الخلقي والإعتداء والسطو وتعاطي المخدرات…الخ، حيث يذكر سليمان عدنان أن 20 بالمئة من الشباب الجامعي العربي تعاطى أو يتعاطي المخدرات  كما ظهرت في نهاية هذا القرن في مؤتمر السكان بالقاهرة ومؤتمر بكين مفاهيم جديدة للأسرة، فقد أقروا البناء الأسري القائم على الرابطة الزوجية أو بدونه وأقروا الزواج القائم بين الرجل والمرآة أو بين الرجل والرجل، أو بين المرآة والمرآة، وقد عمل على إضفاء أكبر قدر من الشرعية والحماية لمثل هذه العلاقات الشاذة والاعتراف بها كذلك عملا على تعزيز المصطلحات المستخدمة في هذا النوع من الد راسات لمسخ القيم التي تمثل خصوصية المجتمع والتي هي نابعة من الإسلام والإتيان بأخرى بديلة لها مقاصد مختلفة.

فمثلا إن هؤلاء الذين يرفضون فكرة الزواج ويفضلون حرية العيش الثقافي أصبحوا يلقبون بالأشخاص المتفردين، والفتيات الصغيرات اللائي يمارسن الجنس منذ الطفولة ويحملن فإنهن يتمتعن بقدر من الاحترام والرعاية ويلقبن بالمراهقات الحوامل، أما من تتزوج زواجا شرعيا وهي في مثل هذا السن فإن هذا الزواج يلقب بانتهاك الطفلة الأنثى ومن مظاهر التغيير انتقال الأفراد من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية والتي فيها الإتصالات بين الأفراد تقل وتحد من إمكانيات كل فرد معرفة الآخر شخصيا، فالإعتماد على النفس صفة تميز سكان المناطق الحضرية وضُعف العلاقات الودية يؤدي إلى إضعاف الضبط الإجتماعي التقليدي في المنطقة الحضرية وبالتالي تتغير كثير من القيم لدى الأفراد بمجرد انتقالهم من الريف إلى الحضر كما تكثر الإنحرافات السلوكية والجريمة، والقطيعة مع التقاليد والذي يؤدي على عدم الإستقرار الثقافي والتعرض إلى المعايير الإجتماعية المتناقضة، ويرى توبي بأنّ البلدان المصنعة والسائرة في طريق التصنيع تزداد فيها الهوّة بين المراهقين (Toby) والكبار  ، فالتوجهات والإرشادات الموجهة إلى الأبناء من قبل الوالدين والجدات تكون غير مجدية ولا يخضعون لها هذا كون الجيل الجديد معرض لتأثيرات جديدة تعكس معايير وقيم التحضر والتصنيع ويصبح الشابُ أو المراهق معرض لتأثيرات الأصدقاء وجماعة الرفاق وتوجيهاتهم، ويقل الإرتباط بالأسرة الممتدة أو العائلة الكبيرة، وتقل مكانة المسن ويذهب الأبناء إلى المدارس ويتعلمون فيها المعايير الحضرية الجديدة ويحملون خواص وصفات ومعرفة العالم المعاصر والحديث  داخل المجتمع تظهر تشكيلات ( (Urbanisationفعندما يحصل التحضر جماعاتية ثانوية من الأصدقاء والزملاء والمعارف لا تقام على علائق القرابة بل على أساس قيم حضارية وتظهر هذه التشكيلات في مجال مكاتب العمل والمدارس والتنظيمات المحلية إزاء ذلك لم يصبر الفرد أو يلزم بمعايير اجتماعية تنتقل عبر الأجيال لتنظيم سلوكهم حتى لو لم تكن مسايرة مع المتغيرات الجديدة، بل يختار ما يتناسب مع مؤهلاته أو رغباته أو مزاجه أو هواياته، أي يتحرر من التماثل مع أنماط عيش عاشها آباؤه وأجداده، وهذه الحالة لم تكن سائدة من قبل التحضر إذ كانت الجماعة الإجتماعية الأولية تمنحه الدفء والحنان والمساعدة والدعم المادي والمعنوي، تسنده في السراء والضراء فيكون محصنا نفسيا واجتماعيا.

ومن مظاهر التغيير أنه أتاح المجتمع الصناعي الحديث والتقنية الحديثة الفرصة أمام المرآة للإلتحاق بالعمل خارج البيت والمساواة بالرجل والحصول على أجر نظير هذا العمل بعدما كانت المرآة التقليدية إما ماكثة بالبيت أو تعمل في الز ا رعة لتساعد زوجها أو تعمل عمل حرفي كالطرازة والخياطة وهي في بيتها، فكانت القيم السائدة أن تتفرغ الزوجة لرعاية الزوج والمنزل والأولاد، وخروج المرآة على العمل كان له تأثير على الحياة الزوجية والعلاقات الأسرية وتأثر الأبناء بعمل المرآة في العصر الحديث.

“كما فتح التحاق المرآة بالعمل أمامها مجالات واسعة من النشاط الإجتماعي وأحدث تغيرات هامة في مكانتها في” المجتمع  فأخر عمل المرآة عدّة تغيرات منها إرسال الأولاد الى دور الحضانة والإستعانة بالخادمات، واستخدام الأدوات المنزلية الحديثة، والعمل على تنظيم النسل، والإقلال من الزيارات العائلية واستقبال الضيوف من أهل الزوج والأقارب بسبب عدم تواجدها في البيت في أغلب الأوقات، وطرح مشاكل جديدة كالصراع الظاهر أو المستتر بين الزوج والزوجة على السيادة والميزانية و الإدخار ومعاملة الأطفال والصلة بالنسق القرابي. وتمضيه وقت الفراغ وغير ذلك من المسائل التي طرحها وأفرزها التغير الإجتماعي  وقد أدى خروج المرآة الى العمل والتعلم إلى أن تنزع اللباس التقليدي وتقتني ألبسة تواكب العصر والموضة وهذا ما جعل كثيراً من النساء يصرفن جزءاً كبيراً من رواتبهم على أدوات الزينة والملابس الغالية فأصبحت كثير من الأسر تتبنى قيم الإستهلاك بدلا من قيم الإنتاج، إلاّ أن هذه الظاهرة لا نستطيع أن نعممها على كل النساء لأن كثيرات منهن خرجن إلى العمل لأنهن كنّ مضطرات لأن تعملن بعدما أصبحت العائلة الكبيرة لا تتكفل بهن في حالة موت الزوج أو الطلاق أو الفقر، لأن قيم التكافل الإجتماعي أصبحت شبه معدومة في زمان العولمة والأنترنت. ولقد انعكست هذه التغيرات التي تعرضت لها المجتمعات العربية عامة على مجموعة من العوامل المتداخلة والمتشابكة والتي أحدثت تأثيرات مباشرة أو غير مباشرة في البنى الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والثقافية، فضلا عن تأثيراتها الواضحة في بنية الأسرة بوصفها من أهم النظم

الإجتماعية خاصة في مجال التنشئة الإجتماعية وإعداد الأجيال القادمة وفي أساليب التنشئة الإجتماعية  وهذه التغيرات التي تعرضت لها المجتمعات العربية خاصة الأسرة لم تكن فقط تغيرات على المستوى الخارجي المادي وإنما جاءت هذه التغيرات على مستوى القيم الإجتماعية.