مشاهدات من أرض الكنانة – رعد أبو كلل الطائي

مشاهدات من أرض الكنانة – رعد أبو كلل الطائي

مقام السيدة زينب يحتلُ مكانةً كبيرةً في قلوب المصريين

يوجد في مصر مسجد وضريح يحمل أسم السيدة زينب عليها السلام، في حي السيدة زينب في القاهرة ويقع في قلب القاهرة، ويُعدُ أحد أكبر وأشهر مساجدُها التأريخية، ولا يوجد تأريخ دقيق مُسجل لبناء المسجد ولكن يروى إنه بُنيَّ في عام 85 هجربة، على الموقع الذي يُعتقد أنه يضُمُ قبرَها، وهُناكَ أختلاف تأريخي حول مكان دفن السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فالكثير من الروايات الموثوقة ووفقاً لعلماء الدين تُشيرُ إلى إنها عادت إلى المدينة المنورة بعد واقعة كربلاء، وتوفيتّ ودُفنتّ هناك، على الرغم من الجدل التأريخي حول مكان الدفن .

ويُحضى المسجد والمقام بمكانة كبيرة عند المصريين الذين يحبون أل البيت النبوي، ويعتبرونه مزاراً مُقدساً ويحتفلون بمولدِها سنوياً، ويروى إن المسجدَ بُنيَ على قبُر السيدة زينب والتي أقامتّ في دار مسلمة بن مخلد الأنصاري عند قدومِها إلى مصر، وهو موقع الضريح الحالي .

تأريخ المسجد

إن والي مصر العثماني علي باشا جدد المسجد في عام 95 هجرية، ثُم أعاد تجديده مرةً أُخرى الأمير عبد الرحمن كتخدا عام 1171 هجرية وفي عام 1945 ميلادية هدمتً وزارة الأوقات المصرية المسجد القديم وأقامت المسجد الموجود حالياً، وبالتالي فالمسجد ليس مُسجلاً كأثر أسلامي وكان المسجدُ وقتها يتكون من سبعة أروقة موازيةً لجدار القبلة، يتوسطُها صحنٌ مربعٌ مُغطى بقُبة، وفي الجهة المقابلة لجدار القِبلة يوجد ضريح السيدة زينب مُحاط بسياج من النحاس الأصفر وتعلوهُ قُبة شامخة، وفي عام 1969 ميلادية ضاعفت وزارة الأوقات المصرية مساحة المسجد .

خرجتُ مبكراً كعادتي صباح كل يوم من مكان أقامتي في القاهرة، والقريب من ساحة التحرير، وهذه المرة كانت ظالتي هي زيارة مشهدّ مقام السيدة، الذي يقع وسط القاهرة في الميدان الذي يحملُ أسمُها، وهو ميدانٌ كان يُعرفّ قديماً بأسم قنطرة أنشأها الظاهر بيبرس، والمواصلات إلى المقام كثيرة، مِنها عن طريق خطوط المترو وأُخرى من خلال الميني باص أوالأوتوبيس أو عبر التاكسيات.

جدار القبلة

أنا أخترتُ الصععود بالميني باص رقم 90، والذي أنطلقَ من ساحة التحرير، وبعدَ قُرابةَ نصف ساعة، أصبحتُ بجوار المقام فترجلتُ من الباص، وأتجهتُ صور مسجد مقام السيدة ودلفتُ داخل المسجد، فهو يتكون من سبعة أروقة موازية لجدار القبلة، ومُغطى بقُبة.

وتحتضنُ الجهة المقابلة لجدار القِبلة ضريح السيدة زينب، محاطٌ بسياج من النحاس الأصفر وتعلوهُ قُبةً شامخةً، ولاحَ لي أمام باب مزار المقام الشريف، وفي ساحةٍ واحدةٍ، وعليهما قُبتان مُضلعتان مفروشة بالحجر الرُخام، قبران متجاوران لشيخين من أل البيت للسيد محمد العتريس، والسيد عبد الرحمن العيدرويس .

مكانة الضريح

يحتل ضريح و مسجد السيدة زينب عليها السلام مكانةً كبيرةً في قلوب المصريين، ويعتبر الكثير منهم، وخاصةّ من سكان الأقاليم البعيدة عن القاهرة إن زيارته شرفٌ وبركةٌ يدعون الله أن ينالوها، ويُعدُ المسجد مركزاً من مراكز الطرق الصوفية ومُرِيدِها، وفي شهر رجب من كل عام، يُقام مولود السيدة زينب، اذ يتوافد الآلاف من البشر على ميدان السيدة، وتُقامُ أحتفالات، ويَتغيرّ شكل المنطقة تماماً لبضعة أيام، وقد جاء ذكر مسجد السيدة زينب في رواية الروائي المصري الشهير يحيى حقي قنديل (أُم هاشم)، وأُم هاشم هي كُنية السيدة زينب، وتُحدثُنا الرواية عن شاب ريفي جاء في صُغرهِ هو وعائلته الريفية إلى القاهرة، وسكنوا بالقرب من مشهد السيدة، ومحور الرواية يدور حول طرق معالجة العيون عند إهالي الحي، فاكثرهُم كانوا يتعالجون عن طريق أستخدام زيت القنديل الذي كان يُشعل داخل المشهد وفوق ضريح السيدة وللروايةَ معانٍ كثيرةٍ وبرمُتها توضحُ مكانةَ المسجد حتى كانوا يتباركون بزيت القنديل٠

دورُها في ثورة كربلاء

وحدثنا الأستاذ الدكتور ظاهر محمد الصكر الحسناوي الباحث والمؤرخ وأستاذ مادة التأريخ الحديث عن دور السيدة زينب عليها السلام في واقعة الطف قائلاً :

لما تحرك الأمام الحسين عليه السلام مع عددٍ قليلٍ من أقاربهِ وأصحابهِ للجهاد ضد معسكر يزيد بن معاوية، فقد رافقتهُ السيدة زينب عليها السلام إلى كربلاء، ووقفت إلى جانبهِ خلال تلك الشدائد، وشهِدتّ كربلاءَ بكل مصائِبها ومآسيها في تلك الأيام السوداء، وقد رأت بأُم عينِها يوم عاشورا، كُلَ أحبتِها يسيرون إلى المعركة ويستشهدون، إذ أستشهد أبناؤها وأخوَتَها من بني هاشم أمام عينيّها، ورأت بعدَ انتهاء المعركة اجسادُهم دون رؤوس، ومُمَزقةً بالسيوف وكانت النساء الأرامل من حولِها، وقد تعلقَ بِهُنَ الأطفال من الذُعرِ والعطشِ، وكان جيشُ يزيد يُحيط بِهُم من كل جانبٍ وقاموا بحرق الخيام، وبقيتّ صابرةً محتسبةً عند الله ما جرى عليها من المصائب، وقابلتّ هذه المصائب العِظامّ بشجاعة فائقة، وكان دورُها جهاداً بطولياً وأساسياً في هذه الواقعة، والتي تُعتبر من أهم الأحداث التي عصفتّ بالأُمة الإسلامية بعد رسول الله مُحمد صلى الله عليه وسلم، وكان دورها لا يقلُ عن دور أخيها الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه صعوبةً و تأثيراً في نُصرة الدين، إذ إنها قادت مسيرة الثورة بعد أستشهاد أخيها وآل بيتِها، وأوضحت للعالم حقيقةَ الثورة وأبعادها وأهدافها .

بقيَّ أن أقول :

هُناكَ روايةً تذكُر إن السيدة زينب عليها السلام، ماتتّ ودُفنتّ في منطقة السيدة زينب في ريف دمشق بسورية، إذ أُنشئ لها مقام هناك، هذا الرأيُ مدعُومٌ بذكر مؤرخين قدماء، مثل أبن جُبير وأبن بطوطة بوجود ضريح السيدة زينب في تلك المنطقة، على الرغم من وجود أراء أخرى والتي تقول، إنها دُفنتّ في المدينة المنورة، إلا إن الأدلة التأريخية تدعُم وبقوة إن وفاتُها ودفنُها كانا في الشام وتذهب أكثر وأرجح الروايات إلى إن السيدة زينب، أنتقلت إلى دمشق مع زوجِها عبد الله بن جعفر، إذ كان له ضيعةً في قرية تُسمى الراوية، وبعدَ مرضِها في هذه القرية توفيتّ ودُفنتّ هناك، ومنذُ ذلك الوقت أصبحت المنطقة تُعرفّ بأسم السيدة زينب، وزارَ ضريحُها العديد من الرحالة والمؤرخيّن القُدامى، كأبن جُبير وأبن بطوطة مما يُعزز صحة هذا القول .