مرايا متشظية لكريم الناصري

مرايا متشظية لكريم الناصري

همس الذات الساردة

يوسف عبود جويعد

حالما اهداني القاص كريم جبار الناصري مجموعته القصصية (مرايا متشظية) جذبني عنوانها ، بدأت اقلب اوراقها بحثاً على هذا العنوان فأكتشفت انه يشمل المجموعة كاملة كرؤية شاملة لما تحتويه تلك النصوص من اتصال بنية العنونة مع متن النص وارتباطها بشكل وثيق مع ما تطرحه النصوص من حيث المضمون والشكل والثيمة ، لذا فأنها حالة جديدة خرج فيها القاص من التقليد المعتاد في المجاميع القصصية التي تكون بنية العنونة لنص ضمن النصوص ، ونقف ايضاً على الحالة المأزومة للسارد العليم الذي يكون بديلاً عن الشخص الرئيسي لكل نص ، ويقوم بمهمة نقل الاحداث من خلال نقلها الى اعماق الروح لتخرج حالة من الانكسارات النفسية المعمقة التي تستخرج كوامن النفس بلغة انزياحية تعبيرية تكون بديلة عن السرد الاعتيادي، الا انها تنقل هواجس واحاسيس ومشاعر شخوص النصوص وليس السارد العليم ، فهو يقوم بهذه المهمة نيابة عنهم ، ليكون للنص السردي طابع آخر اكثر تعبيراً ونقلاً للمبنى السردي ، فتغدو حركة المسيرة السردية ، تراكيب ملونة بين النثرية ، والاحاسيس الغائرة في عمق النفس ، وحالة اللوعة ، وينقل لنا عبر تلك النصوص الشخصية المأزومة بهم ما يحدث في البلاد ، وكذلك حالة فراق المحبوبة ، وحالات من النهايات الغريبة لابطال تلك النصوص ،كما نلاحظ في النص السردي (أجراس)الذي يقدم لنا شخصية مأزومة بحالة الغربة والحنين الى العودة الى احضان الوطن الام (بين ثنايا الغربة يجلس مسامراً وحدته ، تتقاطع افكار كثيرة عند مفارق طرق ذهنه عن الحبيبة، الاهل ، الاصدقاء، البلد مصيره في هذا الزمن..زمن تشابك الافكار ، تشابك الاحلام ، تشابك البنادق من اجل خراب الانسانية ،يقول: لا، ليس من اجل شيء هذا التشابك بل من فراغ ، من عبث ، من اصوات اخرى ترن بالمسامع …يرن صدى بداخله : ليذهبوا للجحيم لأفرغ سحر كأسي بجوف الامعاء وليصل مفعول سائله لعلي اتخذ قرار العودة للوطن …) ص5 ، وهكذا فأن مسار الاحداث في تلك النصوص ينحى منحاً سردياً يستبدل المفردة السردية الاعتيادية بأخرى تكون اكثر تعبيراً واكثر ملامسة لذهن المتلقي فتهيمن على حواسه ويشعر بروح التجديد في النص وامتلاك القاص ادوات سردية تؤهله الى الدخول الى العالم السردي وفن صناعة القصة القصيرة والقصيرة جداً كون انه يقدم مجموعته البكر هذه لتكون خطوته الاولى في هذا العالم ، ونتعمق اكثر في رؤيتنا ونحن نتابع النص السردي (جدائل لجسد مسجى) اذ اننا نعيش حالة الضياع والفقدان لبطل هذا النص الذي يترك قريته ليدخل المدن (يغادر طين قريته لينتقل بين المدن عبر مسافات لا تحدها نزوات الآخرين .يرسم قلقه ، حريته ، سر حزنه ، على صفحات بيض.تطوف نشوة خمرة الحياة في الذهن ، يعرف انه ابتاعها من اجل نسيان ذاكرة مؤلمة في حياته ، ويعرف ان القيظ آت) ص 10 ، ويقدم لنا القاص رؤية اخرى لثيمة جديدة اذ ان بطل نص (كن حراً) يحلم انه ملك هذه البلاد وانه يحكم قبضته عليها ،ويأتيه الطعام والشراب بكل ما تشتهي نفسه ويحكم قبضته على الشعب ، ويقدم لنا من خلال هذا النص السردي النهاية الحتمية لكل حاكم لبلاد ينسى الشعب ويحب نفسه ويقوم باحكام الضيق عليهم ، حيث ان نهاية كل ضغط هو انفجار ، وانفجار عنيف من قبل الشعب لتغيير الواقع ( سألت وزيري الاول :

ماذا يجري ؟

انهم رعيتنا يامولاي

ما اصابهم ، الربيع لم يأت بعد لحتقلوا ، نحن في الخريف ..

انهم غاضبون ، يصرخون ،جياع عراة و..و..و..و…

اوه الم توفروا لهم ما يريدون ؟

الاوامر بيدك يامولاي

اذا قوموا باعتقالهم

لا نستطيع

لم ؟

لانهم داخل اسوار القصر وعلى ابواب مجلسك )ص 40

ضمت المجموعة اربعين نصاً قصصياً قصيراً ، وقصيراً جداً ، وكما اكتشفنا عمق اهتمامه بالنص السردي القصير ، فأنه التزم بشروط كتابة القصة القصيرة جداً ، واسلوب تناولها ، من حيث التكثيف والاختزال ، والضربة المفاجئة في النهاية ، كما نلاحظ ذلك في (فستقة ) الذي يفضح حالة الفساد والخداع للطغمة الحاكمة المستبدة التي تتلاعب بمشاعر الشعب ( على شاشة الفضائية .تصايحا، تفاضحا، تشاتما، توعد كلا منهما الآخر سيقاضي خصمه ويخلص الشعب من فساده .. انتهى البرنامج . اتصلا هاتفياً على مقربة من مسامع الشعب ..قالا :ما هي حصتنا من المشروع القادم…)ص 67

المجموعة القصصية (مرايا متشظية) للقاص كريم جبار الناصري ، خطوة موفقة نحو فن صناعة القصة القصيرة والقصيرة جداً ، ونتأمل ان تتبعها خطوات اخرى اكثر ايغالاً واكثر تجديداً وتجريباً