مجموعة سيدة المئذنة أنموذجاً. . شعرية السرد والصراع الإنساني

مجموعة سيدة المئذنة أنموذجاً. . شعرية السرد والصراع الإنساني

وجدان عبدالعزيز

القصة القصيرة وان تعددت اشكالها ، تبقى حالة من التعبير عما يخالج نفس الكاتب من آلام وآمال وأحزان، قد يكون عاشها في الواقع وعكسها أدبا، بمعنى أنها لا تعكس الواقع بشكل آلي ، بل تنقله من واقعيته الحرفية إلى عالم الفكر لتتلون بألوانه وتتصف بصفاته ممزوجا بتخيل واضافات ، ثم تكوين رؤية وموقف معين من خلال اللغة ، فإن اللغة وعاء الفكر،تعبر عنه بطرق وأساليب مختلفة، تتنوع وتتلون بدورها حسب المقام و السياق الذي تندرج فيه ، لذا فإن القاص يكون حينها حريصا على اختيار اللغة المناسبة لالتقاط اللحظات البارزة التي يريد نقلها إلى القارئ، بلغة تبتعد عن التقرير والمباشرة، وتنزاح إلى الترميز والتشفير الأدبي الجميل. وهكذا رسمت القاصة ايمان الشمري في مجموعتها (سيدة المئذنة) خطوط صراع انساني واضح وجلي ، جاء متوزعا على مدار ثلاثة عشر قصة قصيرة ، حملت رسالة ادبية بلغة شاعرية ، ذات رشاقة وجمال في طرح الافكار والمعاني ، حيث تنوعت القصص ما بين سرد ذاتي واخر موضوعي ، والاخير كان اكثر طغيانا ، محاولة من القاصة ، لتكون في منأى عن الاسقاطات الذاتية ، وكي يتسنى لها معالجة المواقف بحيادية وبنقاش هادئ .. وكانت الموضوعات متجلية لاينتابها الغموض في مجمل القصص ، كما اسلفنا ، ابتداء من قصة (اوراق الزيتون) ، التي جاءت بسرد موضوعي ، وصراع زوجين ربطت بينهما الغربة ، الا انهما يحملان بذور الماضي ، الزوج يحتفظ بها ، والزوجة تثور عليها (الا انه في كل مرة يجابهها بالصمت حين تصرخ بوجهه بغضب قائلة له عليه ان يعرف بان العيش بأصول شرقية وسط عوالم الغرب شيء مستحيل)ص7 المجموعة ، يبدو هناك صراع يتصاعد باسبابه وعلله ، تكمن في فكرة القصة التي تدور باحداث ذات تشعبات بين زوج بعقلية شرقية وزوجة جميلة تنفست الحرية في دار غربتها ، الا انها اصابها حصار اخر هو عقلية الزوج وغيرته المتزايدة ، والظاهر عقلية الزوج ، جعلت الزوجة تفكر جديا .. (عادت الى شرفتها من جديد فالاحساس بالضجر شيء لايطاق ونسيم ليل “سدني” ساحر يتغلغل الى الاعماق بعذوبة ومن الغباء تجاهله ، ثم قالت بلغة شيطانية : اعرف الكثيرات قد التجأن الى الكاثوليك وصرن بعد ذلك ينعمن بالحرية .. نعم الحرية .. لِم لا أجرب يوما تلك الحرية بدلا من بقائي هنا مرغمة على طاعة جنون رجل يقدس ازلية اسلافه ولا يستطيع ان يفهم بعد ان كل شيء يتغير ولا شيء يبقى على حاله..) ص9 المجموعة ، وتتسارع الاحداث ، وتغيب الزوجة الجميلة ويظل الزوج باحثا عنها في دار غربته .. (نعم للجمال سطوة ملعونة تصيبها بالغرور فتصير القناعة اشبه بالمستحيل ، الجميلات دائما يسعين خلف الافضل فالافضل .. النساء عالم ممزوج بخطيئة آدم ولعنة ابليس ، هن كالعصافير عندما تتكسر الاجنحة تبحث عن المنقذ الذي بامكانه ان يعيد لها الشيء المفقود ) ، (الا ان رجولته المخدوعة عاتبته بكل قسوة واضطربت بقلبه ثورة رفض عارمة جعلته يصرخ كليث مهزوم .. “يا لها من خائنة .. سوف اقتلها .. أقسم ريثما اجدها سوف اقتلها..” ومن خلال هذه النصوص رسمت القاصة الشمري مسارات السرد بلغة شفافة ليس بعيدا عن الواقع ، غير انها مزجته بخيال ، وبترميم ذكي حاولت السيطرة على الحدث ، بنسيج قصصي شمل السرد والوصف والحوار .. وجاءت قصة (البحث عن ..) بسرد ذاتي ، الا انه بصراع لايختلف كثيرا عن القصة الاولى .. (وعدت حيث خلفت ظلالي المنحنية امام لعبة قد يلعبها معي تافه يشتري ابتسامته بأرقي ، اجوب ازقة المدينة الصاخبة والتي بدت امامي مسرحا يتخبط فيه المهرجون على حساب سذج تمادوا كثيرا بطيبتهم الى حد الغباء.. ) المجموعة ص16 ، وهذه معاناة ذاتية كانت عبارة عن بحث عن هوية مفقودة في عالم اقرب الى الوهم منه الى الحقيقة .. (لكن الغريب انني وجدت ظرفا اخر مسبوقا بكلمة الوطن ثم اكملت حروف رسالتي تقول : الوطن .. ليس البلد الذي ينتمي اليه الجميع وليس المكان الذي تنعكس فيه صور الاشياء التي قد نمتلكها او لايحق لنا امتلاكها ، لكن الوطن هو الروح ، الجوهر الذي لاحدود له) ص17 المجموعة ، اذن صراع وبحث عن هوية ، ثم قصة (سيدة المئذنة) التي جاءت بسرد موضوعي ، وحاولت القاصة اعطاء بطلة القصة هذه التسمية ، وكأن القاصة منحازة للبطلة والتخفيف عن التسمية اللامزة “سليمة العرجة” التي قد تجلب هذه التسمية اثارا نفسية ، تزيد سيدة المئذنة رفضا للواقع المر الذي يكتنفها .. (قالت في احد الايام انها لن تسامح والديها على تسميتها هذه ، فهم اول من كان يعلم بخلقها ، وكأنهم يريدون بتسميتها هذه ان يرفعوا لافتة الاعتراض بوجه الخالق !! لكن والدتي اخبرتها : ان الانسان هو الروح الطيبة التي تلازم الممكنات ، اما الجسد الخاوي لايعني شيئا مطلقا ..) ، وشكلت هنا صراع ذاتي موضوعي شكلت فيها الاحداث الواقعية العمود الفقري ، مما اعطى مسوغا للقاصة الشمري ان تسمي المجموعة باسمها ، رغم ان القصص التحمت كلها بصراع واحد ، يتمظهر بين الذاتي والموضوعي ..

{{{

ـ مجموعة قصص (سيدة المئذنة) للقاصة ايمان الشمري /دار الفكر للنشر والتوزيع /الطبعة الاولى 2015 العراق ـ البصرة