لماذا سُمي الباذنجان حاتسيل باللغة العبرية ؟
فاتيكاكاماه وبادينكان ومِلينزاناه وألبرجينياه وبالتليقان وبيضة الشيطان
ترجمة: صباح ناجي الشيخلي
يُعد موضوع علم اشتقاق كلمة الباذنجان حافل بعدم التوكيد والسرية. في البدء، ينقسم الباحثون أيضا حول مسألة أين عُرف الباذنجان لأول مرة. يعتقد أغلب الباحثين أن هذا كان في جنوب الهند أو في جنوب الصين في حقبة ما قبل التاريخ، لكن مؤخرا، طرح باحث أنه يحتمل أن ذلك كان في إفريقيا على وجه العموم. على أية حال، وجدت شواهد تاريخية أولية على استعمال كلمة باذنجان في الهند والصين وكلاهما ترجعان إلى حوالي ألفي سنة.
وأطلق على الباذنجان في اللغة الهندية القديمة “السنسكريتية” تسمية فاتيكاكاماه. ويُعد علم الصرف لهذا الاسم موضع خلاف أيضا. فمن جهة واحدة، هناك من يدعي أن المقصود هو كلمة مصدرها يعود إلى السنسكريتية بمصطلح فاتين كاماه بمعنى (طرد الغازات)وكأنه جراء الاعتقاد أن استهلاك الباذنجان يمنع حدوث الغازات. والأكثر اعتقادا أن هذا هو علم صرف شعبي حسب، وأن الكلمة مستعارة من إحدى اللغات الهندية العتيقة.
ومهما يكن من أمر، فقد وصلت كلمة الباذنجان إلى الشرق الأوسط من الهند في النصف الثاني من الألف الأول للميلاد. فقد تبنى الفرس الذين جلبوا الباذنجان إلى المنطقة، الكلمة الهندية فاتيكاكاماه وحرفوها لتصبح الكلمة على هذا النطق بادينكان. ثم انتقلت الكلمة من الفارسية إلى العربية، لتأخذ فيها الكلمة الشكل الآتي باذنجان، وتعّرف اليهود بهذه التسمية على النبات لأول مرة وعلى هذا النحو سموها في كتابات الربانيين منذ العصر الوسيط.
ومن طبيعة الأمور، أُجملت الكتابة اليهودية حول الباذنجان في المسائل الشرعية التي تظهر في كل مرة أن أكلا جديدا قد ظهر : فهل يُسمح بتناوله وإذا كانت الإجابة بنعم أية بركة تتلى عليه. وحدد رئيس مثيبة بومباديثا الحاخام هايي غاؤون (939 – 1038)انه ينبغي تلاوة بركة “خالق الخضراوات”، كذلك حدد على هذا النحو الحاخام حانانيئل بن حوشيئيل(955 – 1055)من القيروان(الموجودة الآن في تونس).
وخلافا لذلك، أصدر الحاخام اشتوري هبارحي في القرن الرابع عشر في “أرض إسرائيل” فتوى تحرم أكل الباذنجان جاء فيها: “من خلال ذلك أوضح لفقرائنا أن الخضار الذي يُأكل بكثرة في الديار المقدسة وفي بلاد الأندلس المسمى الباذنجان وفي اللغة الأجنبية البرنياش، أنه محرم تماما لكونه أشبه بالغلفة”. ولم تدخل تلك الفتوى حيز التطبيق، بيد أن أكل الباذنجان كان موضع خلاف طوال عصور عديدة. وكتب الحاخام دافيد بن شلومو ايفن زمرا(1479 – 1573)الذي كان رئيس معشر يهود مصر، أن يهود مصر مختلفون بشأن هذه المعضلة لذلك أفتى أن الباذنجان الأسود محرم أكله بينما مسموح تناول الباذنجان الأبيض. كذلك فسر الحاخام حاييم يوسيف دافيد ازولاي(1724 – 1806)المولود في القدس، هذه المعضلة وقرر بشكل حاسم السماح بأكل الباذنجان، معتمدا في ذلك على تناول كبار الحاخامين وفي مقدمتهم الحاخام اسحق لورياه وهاري(1532 – 1572)هذا الخُضار دون أي تحفظ. واستمر النقاش حول الموضوع إلى أن حدد الحاخام افراهام يشعياهو، الرجل الملهم(1878 – 1973) والحاخام عوفيديا يوسيف(1920 – 2013)أن أكل الباذنجان مسموح، وحاليا يستند الجميع إلى هذه الفتوى.
في غضون ذلك، انتشر الباذنجان من الوطن العربي إلى أوربا، وفي البدء إلى ايطاليا إذ حُرف أسم باذنجان العربي إلى كلمة ايطالية هي مِلينزاناه بتأثير كلمة ميلاه التي تعني(خُضار). وأوجدت الكلمة العربية مع أداة تعريفها التي تأتي في المقدمة في اسبانيا، الكلمة الكتالونية ألبرجينياه، وجرى تبني هذا الاسم مع تسمية الباذنجان ذاتها العربية بصورة أوبارجين. وارتحل الباذنجان من فرنسا مع تلك التسمية إلى انكلترا وألمانيا، وهذا هو الاسم المقبول هناك حتى الآن. في مقابل ذلك، أطلق على الباذنجان في الولايات المتحدة الأمريكية تسمية إغبلانت أي(بيضة الشيطان). وتنبع هذه التسمية، التي ظهرت في انكلترا إبان القرن الثامن عشر، من أن أصناف معينة من الباذنجان هي ذات لون أبيض وعلى شكل بيضة. ووصل الباذنجان إلى أوربا الشرقية عن طريق تركيا. وتُعد كلمة بالتليقان التركية للباذنجان، محرفة عن الكلمة العربية ذاتها. ووجدت هذه الكلمة طريقها إلى داخل اللغات السلافية ومنها إلى الييديش(لهجة يهود أوربا التي تجمع بين العبرية القديمة والجرمانية والسلافية) على شكل باتليزشان.
وأفتى حُكماء اللغة، مع بداية الاستيطان اليهودي في فلسطين وتحديث اللغة العبرية بحسم كيفية تسمية الخُضار في العبرية. ففي عام 1886 اقترح يحيئيل ميخال بيناس في كتابه الموسوم(الزراعة في سوريا عموما وفي فلسطين بشكل خاص)الذي ترجمه عن الألمانية، أن يُطلق على الباذنجان تسمية “بيضة الشيطان”. ويستند هذا الاسم الغريب إلى علم الاشتقاق الشعبي، وكأن كلمة باذنجان مؤلفة من كلمتين هما “بيض” و”جان” (شيطان)، على الرغم من أن نسخها غير ملائم. ولم يصبح هذا الاسم مألوفا في اللغة، لذلك كتب عام 1897 المحرر افراهام موشيه لونتس، في ملاحظة جاءت في أواخر الطبعة المشروحة لكتاب “نقش في المصباح الذهبي لهيكل سليمان” – وهو الكتاب ذاته الذي حرم تناول الباذنجان – أنه يفضل اشتقاق اسم عبري للباذنجان من كلمة عربية أخرى. والكلمة التي كتب عنها لونتس، هي كلمة عربية تُعد الاندر للباذنجان – حايتسل. (والحقيقة هي أن الكلمة العربية تكتب على هذا النحو حايصل غير ان اللفظ الغربي لحرف الصاد في العبرية يكون على نحو “تس”)ويبدو أن مصدر الكلمة غير معروف. والجذر ح. ص. ل. هو جذر عربي زاخر يدل على النماء والدوام. ومن المحتمل، أن كلمة حايتسل قد اشتُقت من كلمة حاصل(وهي بمعنى غلة وثمر) أو من كلمة حوصلة أي (قانص – الجزء المنتفخ من المريء لدى الطيور) بسبب شكلها(وقدمت هذه الكلمة إلى العربية الحديثة مزيجا من المصطلحات للأشياء المنتفخة). وعلى العموم، ربما هي ليست كلمة عربية في مصدرها، إذ هي مستعارة من لغة ما – غير معروفة. ليكن ما يكون مصدر الكلمة، اقترح لونتس نقل الكلمة على شكل حاتسل “حاصل”. واعتقد الأستاذ دافيد يالين أن هذه الصورة لا تعكس الوزن العربي. لذلك، اقترح في المقال المنشور في صحيفة “همليتس” في اليوم الأخير من عام 1899، أنه من الأفضل استعمال صورة حيتسل، على وزن هيكل.
وكانت كلمة لونتس بصيغة يالين، هي تلك التي ظهرت في القواميس العبرية في بداية القرن العشرين. وهكذا، ظهرت على سبيل المثال في القاموس الألماني – العبري لنفتالي هيرش طور – سيناي وشمعون مناحيم لازار (1927) وفي القاموس العبري لمؤلفيه يهودا كور ودافيد يالين(1935). ولكن، حدد المحررون في قاموس “مختارات من النباتات” للجنة اللغة العبرية عام(1930)، بيسح أويرباخ ومردخاي ازراحي صورة حاتسيل، ربما لأنه على هذا النحو أصبحت الكلمة مألوفة في الحديث الحي في فلسطين. وربما استندوا إلى الكلمة العربية حاصيل، التي ظهرت في قواميس عربية قديمة عديدة مع تعريف غامض نص على “صنف من النباتات”، دون أن يعرف المرء أي نبات مقصود. وها نحن نلفظ الكلمة على هذا النحو حتى يومنا هذا، دون أن نعرف لماذا هذه الصورة بالضبط التي اختارها المحرران.
{ المقال بقلم : ايلون جلعاد
صحيفة هآرتس على النت
6 – 4 – 2016 .
























