
د. محمد غاني
حين نتحدث عن العولمة يطرأ الى الذهن بصورة تلقائية سرعة تبادل السلع و المواد التجارية بين الدول خصوصا بعد اتفاقية الغات و منظمة التجارة العالمية سنة 1995، و التي كانت نتيجة طبيعية للتطور الهائل الذي عرفه آنذاك قطاع النقل وكذا المواصلات السلكية و اللاسلكية مما ساهم في رفع الحواجز و العقبات المتنوعة التي كانت تقف حجر عثرة دون سلاسة تدفق السلع على المستوى الدولي.
و بطبيعة الحال فقد مرت العولمة من عدة مراحل عبر التاريخ فبعد ان ولدت جنينا ما بين القرن الخامس عشر و الثامن عشر الميلادي كما ذكر ذلك رولاند روبرتسون الذي حدس برؤيته الثاقبة الى ان العالم الى انكماش و زيادة وعي أهله بهذا الانكماش.
انتقلت العولمة بعد ذلك طبعا الى مرحلة النشوء و تمتد هذه المرحلة حسب نفس المفكر من منتصف القرن الثامن عشر الى منتصف القرن التاسع عشر ، حيث ابتدأ فيها نضج المفاهيم الخاصة بالعلاقات الدولية و نشأت مختلف المؤسسات المنظمة لهذه العلاقات و الاتفاقات بين الدول.
تاتي بعد ذلك مرحلة الانطلاق و التي ابتدأت بعد منتصف القرن التاسع عشر الى غاية عشرينيات القرن الماضي و عرفت هذه المرحلة ضم مجموعة من الدول غير الاوربية الى منتظم المجتمع الدولي.
يضيف نفس المفكر البريطاني مرحلة رابعة للعولمة ابتدأت من عشرينيات القرن الماضي الى ستينياته، وسمها بمرحلة الصراع من اجل الهيمنة حيث عرفت حروبا طاحنة انتهت ببروز ادوار مؤسسة الامم المتحدة.
و ختم تيك المراحل بمرحلة خامسة جعلها هي مرحلة عدم اليقين و تبتدأ منذ مطلع ستينيات القرن الماضي الى يومنا هذا اتسمت بادماج دول العالم الثالث في المنتظم الدولي العالمي.
يبقى ما يشغل الذهن لدى كل مهتم بهذا الكوكب الارضي هو ما سينتهي اليه قارب العولمة بعد هذه الجائحة غير المسبوقة، و هو ما ذكرني بما سمعته قبل سنة ضمن محاضرة القاها المفكر الامريكي ريتشارد بالدوين بمدينة لوزان الفرنسية يصف فيها عولمة المستقبل هل ستتغير ملامحها؟
فكان مما قاله حدسا و صار يتأكد بصورة تفعيلية سريعة مع ظهور هذه الجائحة التي لم يكن يعلم بها آنذاك هو تطور الذكاء الصناعي الآلي الذي سينقلنا من عولمة السلع الى عولمة الخدمات.
و هذا بالضبط ما اضحى عليه حال عالم اليوم بعد ان توقفت المطارات و القطارات و لزم الفاعلون الاساسيون في سيرورة العولمة ما قبل كورونا منازلهم، فلم يبق مع الذكاء الآلي الا عولمة الخدمات حيث عرضت المتاحف العالمية معروضاتها عبر منصات الكترونية زار فيها الفقير هاته العوالم التي لم يكن يجد لها سبيلا.
قدمت فرق السمفونيات العالمية عروضها بشكل مجاني عبر منصات مخصصة لذلك، كما قدمت مكتبات عالمية نسخا مجانية لكتبها الالكترونية و كذلك فعلت عدة مكتبات جامعية عالمية. عالم المحاضرات و منصات التعليم عن بعد قدمت كذلك خدماتها في عروض سخية تغري المتعطش لفهم العالم من حوله، مما يأذن بعالم سيتغير، فالمجانية لا تدوم، و انما تعطي الزائر لمحة عما سيكون عليه العالم بعد كورونا لذلك يوصي خبراء العالم بضرورة الالمام بالذكاء الصناعي الذي سيغزو العالم و من ألم بمفاتيحه فهو من سيستطيع التعايش في عالم الغد و الا سيجد نفسه في خارج السرب.
كاتب من المغرب



















