قصة قصيرة

قصة قصيرة
من قتل.. قطر الندى؟تجمهر الناس عند منزل عندما شاهدوا سيارة اسعاف تقف اضافة الى سيارات الشرطة، ليتطلعوا الخبر، وبدافع الفضول.. وقف العشرات منهم وعلى بعد خطوات من المنزل وعيونهم ترقب كل حركة مما يجري.. ويتهامس البعض منهم فيما بينهم.. ويتساءل اخرون ماذا هناك، وما الذي حدث.؟
ورجال الشرطة واقفون عند الباب بينما دخل اخرون المنزل للاطلاع على تلك الجريمة التي حدثت به، والتي تم التبليغ عليها من الجيران، بعد ان انتشرت رائحة تفسخ الجثة، ولدى دخول المحقق عادل ورجال الشرطة الاخرون بالبحث عن الضحية لاحظوا ان الدماء قد لوثت ارضية غرفة الاستقبال، وانتشرت الدماء على بعض الاثاث مع تبعثر الاثاث مما يدل على المقاومة، ولاحظ المحقق ان الدماء وخيوط منها قد زرعت خارج غرفة الاستقبال مما يدل على سحب الجثة خارجاً وتابع المحقق الدماء وانتهى الى حيث الحمام، ليجد هناك الضحية ممدة بداخل (البانيو) وعارية تماما الا من قطعة واحدة تغطي عورتها، وقد طعنت عدة مرات في انحاء جسدها وبما يقارب من ثماني عشرة طعنة،وقد انتفخت الجثة مما يدل على مرور اكثر من 48 ساعة على وفاتها، وقد كانت رائحتها قوية مما جعل المحقق والاخرون يغطون انوفهم بايديهم او بالمناديل الورقية، وتحقق ضابط التحقيق عادل ان الضحية في العقد الثالث من العمر تقريباً، شقراء، ذات شعر اصفر ذهبي وقد تدلت خصلات منه على وجهها .. ومازالت بكامل زينتها.. وبدت طويلة القامة ممتلئة بعض الشيء، وترتدي اقراطاً بيضاء في اذنيها، اضافة الى سلسلة ذهبية تدلت برقبتها وبمدالية عليها اسمها.
وتطلع ضابط التحقيق الى وجهها طويلاً وكأنه يحاول قراءة ما يفصح به وجهها، وكانت الضحية في غاية الجمال وبدت وكانها نائمة وبراحة بال.
ولدى تفتيش المنزل لم يجدوا شيئاً قد فقد منه وتم العثور على مدخراتها من الذهب والنقود، واستبعد ضابط التحقيق ان يكن دافع الجريمة السرقة.
وهنا تم التقاط الصور لها .. مع رفع البصمات من مكان الجريمة، والتحفظ على الاقداح التي وجدوها على الطاولة مما يدل على وجود ضيف كان موجودا.. بدلالة قناني المشروبات الغازية الموجودة مع الاقداح، مع سكائر من نوع اخر ملطخة باحمر الشفاه في النفاضة الاخرى، وبعد الانتهاء من كل هذه التحقيقات لم يعثروا على اداة الجريمة، وما ان تم رفع الجثة من مكانها حتى تم العثور على اداة الجريمة تحتها وهي عبارة عن سكين حاد من ذلك النوع الذي يستعمل لقطع اللحوم.
وما ان تم اخراج الجثة من المنزل حتى راح الناس يتدافعون لينظرون المشهد، ويستطلعون الامر، بينما ضابط التحقيق قد وقف مع بعض الجيران يتحادث معهم لجمع المعلومات منهم، وكان دقيقاً في اسئلته، وقد زود الجيران المحقق بكل ما يعرفونه عن الضحية وعلم انها تسكن المنزل لوحدها، وانها موظفة ولكن لا يعرفون مكان وظيفتها، وتزورها اخت لها مع اطفالها وتبقى عندها يومين او ثلاثة ايام، وان اخ لها يزورها ايضاً في كل اسبوع مرة تقريباً.
كما اخبر صاحب محل مجاور لمنزلها المحقق ان الضحية جاءت قبل يومين ومعها شاب يقاربها عمراً ويرتدي ملابس الجينز وجميل الصورة وعلى خده الايمن شامة واضحة، وقاموا بشراء بعض المعلبات والسكائر والعصائر والمشروبات الغازية، وان الشاب كان متنفرزاً على العكس منها فكانت ودودة وبشوشة ومجاملة.
وقد دون ضابط التحقيق كل هذه المعلومات.. للافادة منها في سير التحقيق. وتم استدعاء الاخ والاخت للاستفسار منهم بشأن الضحية وطبيعة حياتها وعلاقاتها، وعرف ان الضحية مطلقة ودون اولاد وانها موظفة في شركة مقاولات وانهم يقومون بزيارتها بين الحين والاخر للاطمئنان عليها، وانها تعيل نفسها وليست بحاجة الى معونة احد، وان علاقاتها تكاد تكون محدودة، وان هناك العديد ممن ارادوا الاقتران بها الا انها رفضت خوض تجربة اخرى، ولا يعرفون ان كانت لديها علاقات عاطفية وان علاقاتهم معها علاقة اخوة حميمة ليست فيها ما يعكرها، كما ليس بينهم اية مصالح مادية، الا ان المحقق لم يهدأ له بال، حتى يقف على الحقائق، واستبعد ان يكون الاخ هو الجاني، وقام ضابط التحقيق بزيارة محل عملها، وعرف انها كانت مثال الموظفة المجتهدة والملتزمة وانها كانت محبوبة من الجميع، وانهم يؤسفون لوفاتها بهذا الشكل المريع، وعرف ان شخصاً كان يتصل بها بين الحين ولاخر.. واغلب الظن انه يريدها كزوجة له.. او كانت هي على علاقة عاطفية به، ولاحظ المحقق وهو يتحدث الى الموظفين والموظفات ان احداهن تريد الحديث وتتراجع ولمرات عدة وكانها خائفة ان تفصح بما عندها من اسرار.. وبفراسة المحقق استطاع ان يلاحظ ذلك ولكنه تجاهلها ولم يضغط عليها.. وغادرهم على امل العودة مرة ثانية اذا استجد شيئاً.
وما ان خرج ضابط التحقيق وعند الباب الخارجي للشركة لحقت به الموظفة.. ونادته ووقف يستطلع الامر، وبادرها بالحديث، ان كانت ستخبره بما تعرفه، فابتسمت ابتسامة خفيفة واعلمته انها لا تريد ان تدخل في اشكالات قانونية بسبب موقفها العائلي الا ان لديها معلومة قد يستفاد منها التحقيق في الوصول الى الجاني الحقيقي الذي اودى بحياة قطر الندى صديقتها وزميلتها في العمل.
وبالرغم من كل ذلك كان التردد يلفها وكانها حائرة بامرها، وبعد الحاح وتشجيع من ضابط التحقيق تحدثت قائلة بان صديقتها قطر الندى كانت على علاقة عاطفية بشخص اسمه طارق،؟ ويعمل في التجارة الحرة، وبالرغم من امكاناته المادية كان ملتزماً وطيباً ومتواضعاً، كما عرفت انه كان شديد الغيرة عليها، بحيث كان يلازمها كالظل ويلاحقها وله طفلتان وقد تاكدت من ذلك بعد ان زارتها الزوجة واطلعتها على الحقيقة.
وهذا ما ترك صدمة قوية لها، وقررت ان تاخذ منه موقفاً، وقررت ان تنسحب من حياته دون ضجة.
ومن هنا بدأت متاعبها معه، بعد ان صارحته باستحالة مواصلة علاقتها معه بعد ان عرفت انه متزوج ولا يمكنها ان تبني سعادتها على تعاسة زوجته وابنتيه الا انه لم يقتنع وبقى مصراً على انه يريدها رغم كل ذلك.
ولما سالها ضابط التحقيق ان كانت قد شاهدته فاجابت بالايجاب، واعطته كامل اوصافه، وسألها عن العلامات الفارقة به فقالت بان هناك شامة على خده الايمن، وكان ذلك مطابقاً لاوصاف صاحب المحل، وطلبت هذه الموظفة ا ن تكون بعيدة عن القضية لحراجة موقفها واسرتها من هذا الامر، ووعدها المحقق خيراً، وشكرها على تعاونها.
وتشكلت مفرزة بالقاء القبض على طارق، وتم ذلك، وتم جلبه الى مركز الشرطة للتحقيق معه بالحادث، واعترف بعلاقاته معها الا انه انكر ان تكون له يد بقتلها او مسها بسوء لانه كان يحبها ويعبدها، وكذلك اعترف بتواجده معها في يوم قتلها وانه عاد بها بعد ان انهت عملها وجلس معها في البيت بعد ان قاموا بشراء بعض المواد الغذائية، وكان يريد الوصول معها الى حل فيما يخص ارتباطهم، وعلى انه اتفق معها ان تعيد التفكير بقرارها في الابتعاد عنه وقطع علاقتها به، وطلب منها ان تقبل ان تكون زوجة ثانية وبحياة مستقلة عن زوجته الاخرى، وبدون ان يكون لها دوراً في التاثير على الزوجة الاولى، وكانت قد طلبت منه مهلة للتفكير بهذا القرار، وانهما اتفقا على تركها اسبوعاً لاتخاذ قرارها وقد غادرها على امل ان يلتقي بها بعد اسبوع، لمعرفة قرارها.
وقد تمت الاجراءات القانونية بحقه باخذ بصمات اصابعه لمطابقتها باداة الجريمة، واودع التوقيف لحين وصول الادلة من الادلة الجنائية، وبعد ايام ظهرت النتائج سلبية حيث ان الطبعات لم تكن تعود اليه وانما لشخص اخر، فتم اطلاق سراحه بكفالة.
ومن هنا كان لابد من ضابط التحقيق ان يعود من نقطة الصفر .. ويبحث عن الجاني.. واخذ ضابط التحقيق امراً باعادة تفتيش المجنى عليها من جديد عسى ولعله يحصل على خيط يوصله بالحقيقة.
وكان له ذلك واخذ يبحث في ملابسها وحقائب يدها دون ان يترك زاوية الا وفتشها، فعثر في حقيبة يدها على قصاصة من الورق, كتب عليها (سانتقم منك اذا فكرت بالزواج مجدداً) وهنا تنفس ضابط التحقيق الصعداء فلقد وصل الى الخيط الذي يوصله الى القاتل، ولابد ان يكون ذلك القاتل هو زوجها السابق، وكان هذا واضحاً من خلال قصاصة الورق.
وتم القبض على الزوج السابق واودع التوقيف، وبعد التحقيق معه واخذت طبعات الاصابع ونماذجا من خطه، انكر كل ما نسب له مدعياً انه فارق زوجته السابقة ما يقارب الثلاث سنوات ولا يعرف شيئاً عن اخبارها، ولم يلتقي بها طيلة هذه المدة ، ولقد تم الطلاق بينهما بالاتفاق بين الطرفين ودون اكراه من كلا الجانبين، وانه يكن لها كل الود والاحترام وفعلاً كانت اقوال الزوج صادقة وقد جاءت نتائج التحريات بعدم مطابقة بصماته مع الادلة الجرمية كما ان خطه ليس مطابقاً لخط تلك القصاصة الورقية، وتم اخلاء سبيله بكفالة، وبقيت صورة المجنى عليها راسخة براس ضابط التحقيق ولم تفارق مخيلته، فأنه مايزال يتذكر ذلك الوجه الملائكي الجميل وذلك الشعر الاصفر وقد غطت خصلات منه ذلك الوجه وكانه يتوسل الرحمة ولكن الطعنات لم ترحمها وانهالت عليها لتمزق ذلك الجسد الغض.. ومسح ضابط التحقيق وجهه وكانه يريد ان يبعد شبح صورتها من مخيلته.. وقرر ضابط التحقيق استدعاء شقيقة المجنى عيلها لاعادة التحقيق معها ومعرفة كل شاردة وواردة منها عن الضحية.
ولما مثلت بين يديه راح يسألها ويستعلم منها باخباره كل ما كانت تقوله لها اختها من اخبار حتى وان كانت بسيطة او تافهة بنظرها، او كانت الضحية قد عاشتها على سبيل الملاحظة، وكان يؤكد ان كان هناك من يلاحقها او يعترض طريقها او يعاكسها فكان رد الاخت عليه.. بان المعاكسات كثيرة كشيء طبيعي عندما يجدون امرأة حلوة امامهم ويمكن ان يسمعوها بعض الكلمات انبهاراً بجمالها مثلاً، واحياناً منها كلاماً جارحاً او يخدش الحياء، ولم يلاحقها الا انها قالت لي ان الساعي في الشركة والذي يقدم لهم القهوة والشاي.. كثيراً ما كان يطيل النظر لها وبشكل يجعلها تصاب بالارتباك.. وكانت تقول انه لا يرفع عينه عني ويتطلعني من اعلى الى الاسفل.. وعندما انظره لا يرفع عينه وتبقى عينه في عيني.. وبعدها يطرق بنظره الى الارض وكثيراً ما كنت اراه خلسه اجده ينظرني من دون الموظفات، حتى ان الموظفات قد لاحظن ذلك وكانوا يقولون لي .. ما رأيك لو نخطبك له، ويضحكن وكل ذلك على سبيل الدعابة ، الا انه لم يتكلم معي او يقل ادبه او يفعل اي شيء غير ذلك.
ما عدا شيء واحد كان يفعله هو انه كان يحاول وجهد امكانه وبكل السبل ان يعرف مكالماتي الهاتفية ويحاول ان يسمعني وانا اتحدث بالهاتف.
واكتفى ضابط التحقيق بهذه المعلومات.. واستحصل امراً بالقاء القبض عليه والتحقيق معه.. وتم جلبه، وفاجئه ضابط التحقيق بالقول.. ان هناك شهود عيان قد اكدوا وجوده يوم الجريمة في دار المجنى عليها.. وانه يريد ان يعرف ماذا كان يفعل عندها.. وماذا كان يريد منها.. وما هي علاقته بها.؟
ولما شاهد الساعي ان ضابط التحقيق جاد في اقواله وبعد محاصرته بالاسئلة المتلاحقة.. لم يجد مفراً من الاعتراف بأنه فعلاً كان موجوداً يوم وقوع الجريمة.. فطلب منه ضابط التحقيق ان يقول كل ما عنده حتى يتمكن من مساعدته.. فقال الساعي والدموع تملأ عينيه.. انني قد احببتها الحب كله.. مع اني كنت اعرف ان الفارق بيني وبينها كبير ومن الاستحالة ان افوز بها يوماً.. ومن الاستحالة ان تنظر هي لأمثالي وانا الرجل البسيط والذي يعمل ساعياً الا ان القلب وما يهوى .. وحاولت ان ابعد طيفها من مخيلتي ما استطعت.. فكان طيفها معي بكل لحظة من لحظات حياتي.. وكان اشد ما يؤلمني عندما اعرف ان هناك من يريدها ومن تبادله هي نفس المشاعر .. فكان ذلك يثيرني ويجعلني كالمجنون.. ما ان انهي عملي حتى اهيم على وجهي بالطرقات وعند بيتها لاعرف اخبارها واين تذهب ومع من تتحدث.. واخيراً قررت ان ازورها بالبيت وان اصارحها بحقيقة مشاعري واعرض عليها كل ما املك عسى ولعلها توافق على طلبي.. لاسيما واني املك دار سكن كبيرة قررت بيعها من اجلها والسكن بدار صغيرة تكفينا انا واياها وان اوظف المبلغ المتبقي في مشروع تجاري فكان هذا هو حلمي الذي شجعني على زيارتها.. ولما وصلت قد استقبلتني وقدمت لي مشروباً غازياً.. ولما استفسرت عن سبب زيارتي قلت لها انني اريد محادثتها بامر يخصني.. فرحت بي.. ولما طرحت عليها الفكرة قد ضحكت طويلاً.. وبدلاً من ان تطيب خاطري بكلمة لطيفة الا انها طردتني بكلمات اثارت ثائرتي فهجمت عليها لاقبلها رغمأً عنها وقد قاومتني واخيراً هددتها بالسكين التي كانت معي وارغمتها على خلع ثيابها حتى اراها كما خلقها الله.. فكانت امنيتي ان ارها بهذه الثورة وليأخذ الله امانته.. الا انها رغم كل ذلك كانت تقاومني وبصقت بوجهي واخذت تضربني مما دفعني ذلك الى طعنها بالسكين عدة مرات ووقعت مغشياً عليها وقبلتها بكل طعنة طعنتها فيها.. واخيراً سحبتها وتركتها بالحمام.. وهنا وكان قلبي قد ارتاح بانها لن تكون لغيري وانه ليس هناك ما يقلقني بعد ذلك.
وتمت تصديق اقوال الساعي.. وجاءت البصمات مطابقة لاداة الجريمة.. وبعد ايام تم الحكم عليه بالاعدام لسبق الاصرار والترصد..
وبذلك يرتاح ضابط التحقيق عندما يقدم الجاني للعدالة حتى ترتاح قطر الندى وهي بتربتها من ان الجاني قد نال عقابه جزاء ما اقترفت يداه.. ودائمأً تطبق الشريعة اقوالها عندما يقال “وبشر القاتل بالقتل”.
محمد عباس اللامي – بغداد
AZPPPL

مشاركة