قصة قصيرة.. من أجل عينيك

قصة قصيرة.. من أجل عينيك

موسى الهاشمي

  لم نعرف أحداً زرع وروداً في بيت أو زقاق أو عبّد طريقاً أو أقام حفلاً لا مصلحة له فيه، ولا أبتسم لأحد لا يحبه، ولا ألقى تحية عذبة موشاة لغير ما إعجاب، ولا صرفَ وقتاً منتظراً تحت ظلال الأشجار أو تعرض لريح عاصف لغير ما سبب، ولا بدد ثروته أو كرس وقته لحاجة غير مقنعة. ولا حرك جيوشاً أو احتل بلداً لغير ما تبرير مقنع. لكن كل هذا حصل في  مدينة ألف ليلة وليلة، قديماً وحديثاًـ على حد سواء، من اجل عيني جمانه.. وتعني (حبة لؤلؤ).

   من هي جمانه؟ هل هي  فتاة في ميعة الصبا والشباب، جمالها خرقَ الوصف وعبرَ السحر… سرقت الأفئدة، وخلبت الألباب، وهام الكبار قبل الصغار، وخطفت الأبصار، واستحوذت على العقول؟ أم هي حكاية من بنات خيال الشعراء المغرقين في الأوهام، أم من نسج المفكرين والعلماء؟ أم هي حقيقة لا ريب فيهــا، عرفهـا الغرباء نقـلاً عن رواة أهــل العصـر لتطرق أسماع التجار والمغامرين الذين، بدورهم نقلوها شفاهاً أو كتابة أو رسماً  وتعبيراً ؟

    تحت أي سقف تقبع، وفي أي بيت تقطن، وفي أي حي تتنقل، وكيف تصرف يومها ووقتها؟

   هل تقطن على نهر دجلة أم على نهر الفرات ؟هل هي في جانب الكرخ أم الرصافة ؟هل هي في حي الأعظمية أم الكاظمية أم المنصور أم احد أحياء بغداد القديمة؟ البعض وصفها وصفاً أطار عقول سامعيه، وقال: شاهدتها مرة، مرة واحدة.. تتهادى في شارع الرشيد إلى جانب أسرة عريقة، البعض الآخر أكد أنها طالبة في الثانوية. وآخر، قال: بل هي زميلتي في الجامعة: هيفاء نظرة، لا تضع مساحيقاً ولا تصبغ شعراً, تنورتها زرقاء أو سوداء أو رصاصية، ما دون الركبة، جمالها خارق وطولها فارع، ما وقع عليها بصر إنسان إلا واهتزّت مشاعره، ومال عقله، وعبّر، وتغزل، وأضاع قدمه الطريق، وفقد الصواب، وفاضت جوانحه بالحب، وجاد بأجمل الكلمات. أما الشعراء فألقوا، بحقها، في الساحات العامة، أجمل القصائد وأحسنها، وعزفت أعذب الألحان. في حين اعترض احد الحاضرين، إذ قال: أنا اعرفها عن كثب. إنها ابنة الحي الذي اقطنه، رأيت بنفسي صفاً من الشباب يحملون بأكفهم باقات ورد على أمل أن تمر ذاهبة أو غادية لكنها لم تظهر حتى قدم المساء فانصرفوا خائبين. واغرب من ذلك: ان احد الأثرياء المغرمين تحدى الجميع ووضع أصص ورد من مختلف الألوان على طول الطريق المؤدي إلى بيتها، رغم انه غير متأكد من وجودها. وجاء آخر وقلع الآجر القديم واستبدله بقرميد ابيض وأعاد تعبيد الزقاق على أتم وجه، وأعاد طلاء جميع واجهات البيوت على الجانبين على حسابه الخاص ليصبح أجمل زقاق في المعمورة كلها، وهو لم يرها سوى مرة واحدة على حد زعمه. وجاء آخر وعلّق مصابيح منيرة، واقترح آخــر أن يكــون للزقــاق اسم جميل وليكن أسمها !!

  وبرز، من حيث لا يعلم أحد، شباب من أهل الحي، يرتدون قمصاناً سود يحملون في أحزمتهم الجلدية خناجر وسواطير ادعوا أنهم من طرف جمانه وهم على أهبة الاستعداد لحمايتها والذود عنها إذا دعا داع.

فمن هي؟ هل هي حقيقة أم خيال؟

   القصة تقول: صادف أن مر بالزقاق رئيس بلدية المدينة فأعجبه جمال الزقاق وروعته فسأل أهل الحي عن سر جمال هذا الزقاق دون غيره فأجابوا وهم مبتسمون: ألم تقرأ اسم الزقاق؟ انه زقاق جمانه. فأراد أن يعبر عن سروره وحبه ، بعد أن سمع قصتها، فأمر أن يُنظّف الحي تنظيفاً دقيقاً وأن تغرس الأشجار الكبيرة والزهور على جانبيه إكراماً لصاحبة ذلك الجمال الذي أستمال أفئدة أهل الحي جميعا وسحرهم، وتمنى في سره أن يراها ذات يوم ليطلع بنفسه على سر ذلك الجمال. وما هي إلا أيام حتى نقل تلك القصة إلى حاكم المدينة آنذاك فطلب الحاكم مقابلتها ورؤيتها، ومن أجل ذلك أرسل جنده. وكان على احدهم تذكر عنوانها. وهبَّ هؤلاء للبحث عنها.. فقيل لهم هي جاءت من الريف ولم تزل طفلة صغيرة وسكنت مع أسرتها في قلب بغداد ثم تحولت بعد بضع سنين إلى ذلك الزقاق المسمى باسمها؛ في حين أعلن البعض قائلاً: أبحثوا عنها في مدينـــة الأعظميـــة أو الكاظميــــة أو المنصور. ولما عيّ رجال الحاكم قيل لهم هي موجودة بكل تأكيد في احد الأحياء الفقيرة. فقد فقدت والدها في العام الماضي بمبارزة لعينة غير متكافئة؛ وقيل لهم، أيضا، من غير المعقول أن لا تعرفها الحكومة، فهي أشهر من علم مرفوع، ورغم ذلك رجع رجال الحاكم خائري القوى  خائبين، فأنبهم الحاكم قائلاً: انتم كسالى بامتياز وأغبياء بامتياز، آتوني بكل واحدة أسمُها جمانه. وفي اليوم السابع عادوا إلى الحاكم وبصحبتهم ألف فتاة. ترك الحاكم كرسيه ومكتبه وخرج ليتصفح وجوهاً منيرة كالمصابيح؛ فالوجوه برمتها مبهرة تفوق التوقع، لدرجة عجز أن يميز بين واحدة وأخرى. لم يستطع أن يحدد المعنية. ولشدة دهشته وذهوله، سألهن: من منكن جمانه؟ رددن بصوت واحد (أنا)!! فعاد إلى كرسيه. وجلس باسترخاء وتنفس بعمق ثم أمر، في اليوم التالي. بإحضار المهندسين والبنائين والرسامين والمفكرين والعلماء، وخاطبهم قائلاً: لقد عرفت من تكون وان لم أميزها عن الأخريات. علمت كم هي جميلة ورائعة. ولا أكتمكم سرا، إذا أعلنت على الملأ. وجدت نفسي تُغرم ..غرام الحالم السعيد. وتعبيرا عن حبي وغرامي آمركم أن تقلبوا المدينة عاليها على سافلها وتعيدوا بناءها من جديد لتكون إحدى أجمل مدن العالم، بما يتناسب وجمال وروعة وبهاء وهيبة جمانة. فمن غير المعقول لدينا مثلها ونكون كسالى وقذرين! أضع أمامكم، اليوم، كل ما في خزينة المدينة من مال وحليّ. أريد، عندما تسير، في الكرخ أو الرصافة، ينعكس نور وجهها على صفحة ماء دجلة وعلى واجهة كل بناء شامخ وشارع وزقاق. أغرسوا الأشجار المثمرة المعمرة في كل مكان. اريد أن أرى الثمار متدلية في الشوارع. أكثروا من الحدائق الغناء، واغرسوا الزهور في كل زاوية ومنعطف. لا أريد ارضاً عارية في المدينة، حتى لو كانت مترا واحدا. لا أريد أن يبتل لها قدم ولا حذاء ولا ساق ولا تشم إلا عطر الزهور، ولا تتنسم إلا نسيم الربيع، وقولوا عني ما تشاءون بعد ذلك. قولوا حاكم المدينة متيم، مولع بجمالها. قولوا عينا حاكم المدينة زائغتان لم تعد تبصران سواها. أريد أن أسمع الشعراء يتغنون، والغرباء من التجار والرحالة والسوا ح أن ينبهروا بنور وجهها الوضاء. واني قد أخذت على نفسي عهداً أن أتفقدها من حين لآخر، وأقف بنفسي على احتياجاتها. ولن أكف عن مسعاي هذا حتى أرى الرضا واضحاً وبيناً في عينيّها. ولا أكتمكم سراً، لقد لمت نفسي وأسفت كما لم أأسف على شيء  لنسياني وإهمالي لها طوال السنين المنصرمة من حكمي للمدينة وتجاهلي لأصالتها.

  ما أن سمعت جمانه أن حاكم المدينة أمر أعادة أعمار المدينة بما يتناسب وجمالها، خرجت من عزلتها وراحت تخطر في الأزقة والأحياء السكنية، غير مصدقة ما يقع عليه بصرها، ففي زمن قياسي تحولت المدينة إلى درة من الدررالتي تخطف الأبصار، والى ورشة عمل تشبه خلية النحل في دأبها. فاغتبطت وتجولت لترى كل شيء بنفسها. وكانت تسير وتحيي العمال والبنائين والرسامين؛ وتلوح لهم بكفها البضة الصغيرة بحبور، فيردون على تحيتها وأفئدتهم تخفق، ومقلهم تطفح بدموع الفرح والسعادة.. غير مصدقين أنها بينهم، تلوح لهم. وهي التي تغنى بها الشعراء ونقل الرواة عنها القصص الرائعة قبل أن يبصروها بأم أعينهم. ولم يخرج عن ذكرها العلماء والحكماء في مجالسهم. فزادَ العاملون نشاطهم وقويت هممهم. وصادف أن حاكم المدينة، في إحدى جولاته الميدانية، أن التقاها، وجها لوجه؛ فهاله ما رأى من جمال يخطف الأبصار. وسر أيما سرور، وانحنى انحناء المعجب المتيم. وتمتم ببضع كلمات، وهو مازال خاشعاً. قال: كل هذا من اجل عينيك، فأنتِ في قلبي وضميري منذ أن طرق سمعي اسمك. وإذا كان كل هذا التغيير والبناء من أجلك، فاليوم أُسَمي المدينة بإسمك، واليوم أيضا، إزداد إصراري على أن أجعل المدينة صفحة من صفحات جمالك، وإحدى آيات فتنتك، عسى أن أفوز برضاكِ. خجلت جمانه من ذلك الإطراء اللطيف، والكلمات العذبة، وانحنت بتواضع. وهي تقول، بصوت انساب مثل ماء رقراق: ما جمالي إلا من بعض  فضائلك أيها الحاكم الرشيد. والآن يا سيدي ومولاي، أرفع رأسك الجليل، أنا من عليه أن ينحني. وسوف اذكر صنيعك هذا ما بقيت حية. وانحنت انحناءة الممتن. فرد على تواضعها قائلاً: سأجعل اسمك مقرونا باسم المدينة!

   وصادف ان حاكم احدى المدن البعيدة زار حاكم مدينة جمانة وقد سمع حكايتها، وجلس بضيافة حاكم المدينة. ففكر مدير مكتبه وأمين سره وهمس بإذن الحاكم، ان ياخذ الزائر في جولة ترويحية. رحب الحاكم بالفكرة واصطحب الضيف ليقف بنفسه على جمال المدينة. فهي قبل كل شيء كانت ضربا من الخيال ثم اصبحت حقيقة. أنبهر الحاكم الزائر، وتمتم وهو الى جانب الحاكم ببضع كلمات. وقد خُلِبَ لبه: هذه ليست مدينة إنما فردوس على الارض!

ومثل أي مجتمع، فيه الحاسد والمتطفل واللئيم، سخر البعض وقال: ستكبر جمانة وتشيخ ويندرس ذكرها وتختفي قصة جمالها؛ فرد محبوها وعشاقها والمولعون بها :فألكم سيئ ,جمانه لا تشيخ ولا تندثر ولا تموت فهي باقية ما بقي الدهر، وقصة جمالها ستبقى رغم كل شيء.

   وجاء حاكم أخر من مدينة بعيدة جداً، زائراً، وقد بلغته قصة جمانه أيضا. جاء ومعه ثلة من المهندسين والمعماريين والفنانين والرسامين والخطاطين، على أمل أن يجعلوا مدينتهم تضاهي مدينة جمانه. سمح له بالتجول في الشوارع بحرية كاملة فاعجب بذلك الابداع وذلك الفن المعماري أيما أعجاب. ولفت نظره النظافة المبالغ فيها، ونقاء الهواء. كما تجول في الحدائق والمتنزهات.. حيث سار على قدميه لبعض الوقت، ليقف عن كثب على جمال المدينة .

   ولذات مغزى كبير أعلن الحاكم ، ولم يفكر بمثل هذا من قبل، حيث أقام حفلاً فخماً في قصره المنيف، دعا اليه حكام المدن الاخرى من الاصدقاء والمحبين، إلى جانب الضيوف السابقين مع أسرهم، اضافة الى كبار رجال مدينته وأسرهم، وكان على راس المدعوين جمانه. وأمر، في ذلك اليوم، ان تزين المدينة واشجارها بالمصابيح  الملونة، وان يخرج الناس الى الشوارع وان يحيوا احتفالاً موسعاً تتخلله الدبكات والاهازيج والاغاني حتى الصباح.

   اما داخل قصره الفخم فقد زين باحسن زينة ومدت موائد الطعام والطيبات من فاكهة وغير ذلك، وصدحت الموسيقى. وفاجئ حاكم المدينة الجميع بأن طلب جمانه للرقص، وقد كانت تنتبذ مقعداً وسطا، وكأنها مصباح دري، أبهر الابصار، فاستجابت مسرورة ورقصت معبرة عن سعادتها. حيث كانت ابتسامتها مشرقة. وتواصل الحفل حتى أشرف الصباح .

   وظلت المدينة تحتفل كل عام بذلك اليوم حتى الساعة.