قسوة قلب – مقالات – هادي جلو مرعي

قسوة قلب – مقالات – هادي جلو مرعي

نهى رسول الإسلام عن تعليم الأبناء بعضا من المهن التي تورث قسوة القلب والقصابة مثلا، حيث تتلطخ الثياب بالدماء وتقطع أوصال الشاة، وقبل ذلك تذبح فينبثج الدم منها ويتدفق حتى تجف أوعيتها وشرايينها وأوردتها وأعضائها وتتحول الى جثة هامدة وتقد الى قطع عديدة، فبربك ماحال من ذبح، ومن قطع الأوصال، ومن يقدها للمشترين وهم يمرون في السوق؟

عديد الممارسات والسلوكيات اليومية ومعها الأموال والتجارات والترف في المعيشة تورث قسوة القلب، فلايعود الإنسان الى فطرته، ويظل يبحث عن الملذات، وقد وصفه الله وهو خالقه، إن الإنسان ليطغى إن رآه إستغنى. وهذا حال البشر، فكلما تكاثرت الأموال عندهم كلما كان حالهم مغايرا للمألوف، ولايعودون يشعرون ببني جلدتهم، ولايفهمون معاناتهم، ولا ما يمر بهم من عذابات وإحتياج للطعام والشرب واللباس والعمل والكرامة، ومن يجد كل شئ، وقد توفر له لايعود يدرك عذابات من حرم من كل شئ، وهي معادلة قاسية بالفعل وظالمة، لكنها أصبحت الحاكمة والفاعلة والمؤثرة والصانعة لسلوك الناس في كل مكان من هذه الأرض ولايعترض عليها كثيرون، بل صاروا ينغمسون فيها رويدا لأنها على مايبدو هي العنوان الظاهر للحياة المادية التي لاينجح الناس في الإنفصال عنها، ولايعرفون الطريق الذي يعيدهم الى الجادة التي وضعها الله، ورسمها لهم لأنهم إنغمسوا في المادة، وتلونوا بلونها، وتسموا بإسمها فهم كالدواب همها بطنها.

الفساد في العراق ينتشر كالسرطان حين ينتشر في جسد موبوء وهو كالنار التي عثرت في هشيم فصارت تأكل منه وتمتد وتتسع لتتحول الى حريق كبير، وعلاجه أصبح مستحيلا ويحتاج الى نوع من المعجزة لاتتوفر شروطها في البيئة العراقية الراهنة مع إستمرار المفسدين في مناصبهم وإحتفاظهم بقدر كبير من عناصر القوة نتيجة ماسلبوه من أموال الخزينة العامة التي بدت خاوية إلا من بعض النقود التي لاتحل أزمة ولاتسعف في مواجهة التقشف والفشل الإقتصادي المريع، بينما الحكومة كالغريق الذي يريد الخلاص من الغرق فيتشبث بما يتوفر من وسائل النجاة وقوى عديدة تظهر لها الود والمساندة وهي في الحقيقة رافضة لها كارهة حاقدة تخشى أن تسلب منها المكاسب والمنافع التي تحققت خـــــلال السنـــــوات التي مرت حين تــــــربعت على كل شئ وتحكمت وتمكنت.

ورثت تلك القوى والأشخاص الذين يقودون وأصحاب المنافع والمكاسب قسوة القلب، فصار الشعب عدوا منبوذا مصابا بالجذام لايستحق الرعاية ويتوخى هولاء الهرب منه.. فكيف يمكن بناء دولة  يحكمها ذوو قلوب قاسية يتعاملون مع العراقيين على إنهم أعداء فقط، وهذا الحال عاشته حكـــــومات متعاقبة منذ أن عرف العــــراق في خارطة الدنيا.