
بين المكشوف والمستور
قتل السائل والمسؤول
معن عبد القادر آل زكريا
في يومٍ من أيام الوُقوف في الطوابير… من سنوات قحطٍ وجوعٍ وحرمانٍ وحصار , وأنا في ذلك الجوّ المشحون حدّ كسر العظم بالبرد الجارح من إحدى صباحات إستلام الحصة التموينية … كُنا آلافاً مؤلفةً جاءت من كُلّ فجٍ عميق , كُنتُ واقفاً كالمسطول أحدّقُ في الشباك الأخرس الملصوم عسى أن يفتح مغاليقه ونخلص من هذا العذاب المُستنفر ونعود إلى أعشاشنا نتمددُ بتكويعةٍ آوادمية على قطعةٍ مُستطيلةٍ من الأرض ونخلصُ من هذا الهوان . مُنذ أسبوعٍ أويزيد ونحنُ في كُلّ يومٍ نُجرّبُ المجيء ونقفُ الساعات الطوال مصلوبين , ولم يكن لنا نصيب , هكذا كان يقولُ التوابعيون الكُسالى من الأزلام والأنصاب… ثُمّ نعودُ القُهقُرى إلى زوجاتنا ونحنُ في مُنتهى الشعور بالمذلّة والعار المُشنّر ….
شعرتُ بكتف أحدهم تكادُ تُلامح وسادة كتفي , شيءٌ من ذلك كان من الأشياء المقبولة والمُعتادة والمعهودة في الأنظمة الإشتراكية كما شاهدنا في براغ وسمعنا عن موسكو, وحكوا لنا عن بوخارست . ثُمّ جاءتنا موجةٌ قوية من بطونٍ وظُهورٍ وأفخاذِ رجالٍ يترنحون وبأياديهم فايلات وأكياس من خيش ومن جابان تضُمُ أوراق الثُبوت وصحة أحوال المُواطنة والمُقاربة والمُناكحة , ومعلومات عن الزوجة والأطفال والعيال وجهاً لقفا , وظهراً لصدر , وصورا قديمة وأخرى حديثة لُزوم الحال وما آل إليه الزمان الجوّال , فطافت بنا موجة المُتدافعين والشرطيُ يسومهُم سوء العذاب بخيزرانةٍ مُدبّبٌ رأسُها .. أخذنا الروج وأعادنا مرّةً واحدةً إلى نحر الخليقة الأولى .
يوم الجريمة
عُدْ كما كُنتَ إلى يوم الجريمة القابيلية المُستخلفة ولم يكُ قبلها من شيء , حتّى يأتي أمرُنا …!
بعد أن إنقشعت أتربة الدربكة الساطورية الناتسومونية بدورانها المغزلي وذوت وخفُتَ دوّيها .. إكتشفتُ أننا نحنُ جميع الواقفين على خُطوط العرض الوهمية ودون خطّ الإستواء الماّر عبر السُرّة وتكويرة المُنحنيات قدً قُذفنا مطرودين خارج التأريخ وبتنا تحت مداسات قنادر الجُغرافيا وجلسنا مُتربعين بين مساقط السماوات وفلطحة الأرض وقبل تدويرتها في عزّ اللحظة والثانية … دون هويات …وبدون أمل , مُتقطعات سيقانُنا , وأقدامُنا من كثرة الجري وراء الماضي قد صارت جُثثاً خامدة…..!
أصابني وجعٌ عميق في الروح وفي النفس وفي القلب . هبطت علينا فواجع السماء صفقةٌ واحدة وبدون تقاسيط , قُمتُ أتنفسُ أمامي المعبدُ وهوينهارُ بمن فيه على ما فيه .
رأيتُ الدُنيا بكُلّ كدرها وغُيومها وآثامها تسقُطُ علينا من عليّة السماء السابعة كتلة رُكامية في بُحيرة ماءٍ عميقة أغوارُها ولا قرار لها … هكذا تخيلتُ مسرح الجريمة …
صدر صوتُ ارتطامٍ شيءٌ بالقاع وحُدوث دوائر مليونية تفورُ في الأعماق وترتسمُ على السطح , وصدى إنفجارات مُتتالية . أصاب الواقفون والمتفلشون من أهل الطابور والمُتحلقون حول أطراف جُذاذات مياسم البحيرة جميعًهُم ذُهولٌ وتفجّعْ , فصرنا نبكي ونلطُمُ الخُدود … ثمّ هدأ كُلّ شيء في لحظةٍ واحدة … ولا من سائلٍ ولا من … مُجيب …
نظرتُ صوب اليمين من كتفي المُنهك بثقل الأوراق الثُبوتية فلمحتُ الشخص ذاتُهُ ملتحفاً كتفي لا يُريدُ الفكاك منهُ , بل لن يستطيع الفكاك ولا أنا … شخصٌ أعرفُهُ ولا أعرفُهُ … لقد نسيتُ في لحظة إنمحاق مُجلجلة كُلّ الأسماء وتخليتُ لمسرور في لحظة عُتهٍ عن أحلامي الليلية وحرقتُ في ساعةٍ طيشٍ قدّاح البنت الجلبية … وما زلتُ يُعذبُني الضمير
أصغيتُ السَمْعَ إلى همهماتٍ وصلتني من بين أسمال الطيف المُلاصقُني , كان غريبُ الطلعة والصورة والوجه , وكأنّي أمام شخصيةٍ أسطورية إنسلخت توّاً من عُمق التأريخ الغاباتي من مدينة (نوتينغهام) , من جنس أولئك الأشباح التي كانت تظهر في ليالي الشتاءات الإنكليزية الحزينة , تشُقُ بُطون الأطفال وتختفي بعد أن تصرُط خرق طماث النساء الطوارح من البنات الضائعات في الحدائق العامة …كما رأيتُ في صورته ذاك الذي بزغ ثمّ هوى عهد القياصرة , راسبوتين الشخصية العجائبية بما إكتنفتهُ من أسطورةٍ ظلّت ظلالها تُغلّفُ السامعين والرائين بوجع الخوف من شدّة تقطُر ذُؤابات سحرالنظر المغناطيسي في أبعادٍ ثُلاثية المقاطع وإلى أمدٍ بعيدٍ بعد موتها …
أمّا بطلُنا فهُولم يكُن حين وقف في الطابور بصفّي سوى شخصٍ إعتيادي تعاطى الوقوف في أكثر من جُمعة وعداها من الأيام في طابوري أوفي طوابير أخرى , وهناك من شهد أنّهُ في إحدى المرّات كان يقفُ في طابور النساء بزيّ منهُنّ , لكّني ساعة أن سمعت فحيح صوته وهوينفُخُ في تجاويف طبلات أذُنيّ , لم يكُن ذلك الرجُل الذي عهدتُ , بل كان شخصاً آخر , أوهكذا خُيّلَ إليّ …. عيونٌ مخرزية وأنيابٌ دايناصورية وبُرطمين بثخن جلد الماموث ترتجفان من شدة الحالة في حركاتٍ إهليليجية … ثمّ تجرّأ ودخل وإيّاي بالحديث في مُخاطبة لم يُمهّد لها أي واحد من كلينا ودون مُقدمات وبلا تمهيدات , بل لم يكُن في أيٍ من لقاءاتٍ سابقات قد فتح فاهُ ونطق بأيّة جُملةٍ مُفيدةٍ أوغير مُفيدة …
قال : يا ليتها كانت القاضية ..!
قلتُ بامتعاض مُتعمّد : بل هي فاضية .. وخاويةٌ على عُروشها …!
قال : وما أدراك .. ؟!
قلتُ : لأنها هي بمقاييسها … وهذا مطلعُها ..!!
قال : هذا أمرُ الله ..!
قلتُ : ونِعْمَ بالله … لكنّهُ من صُنع البشر …
قال بتهجُمٍ غير مسبوق : تتكالبون ليلَ نهار في كُلّ الأرجاء والأنحاء , تفعلون القباحات وتتعاطَوْن الموبقات , تتلفعون بأفرشة الظُلم وتحوشونَ الغُنْمْ… ثمّ لا تدفعون الغُرْمْ …!
قلتُ : ما الغُرْمُ ..؟!
قال : أن تسقُطوا في فخّ الفخّ الذي تصنعونهُ للمساكين وهم يعملون في البحر ..!
قلتُ : مُذ خُلقتْ الحياة وهي أفخاخٌ في أفخاخ .. بل جُلّها أفخاذ … ومال وبنون ..!
قال : العقلُ زينةٌ …
قلتُ : العقلُ واحدٌ … والباقياتُ غيرُ الصالحات تسعٌ وتسعون ..ّ! قانون الكثرة غلب قانون الصحوة ..! فمن لا بُدّ أن ينتصر على من ..؟!
قال: لماذا لا تُعطون الله حقّهُ ..؟!
قلتُ : وما حقُ الله ..؟!
قال : الإنصاتُ للملكوت , والطوافُ حول عرش الجبّار .. والتوقُفُ عن أكل الآلهة المصنوعة من تمر بني قُريضة.
ماء الورد
أجبتُ بصيغة سُؤال : وماءُ الورد ..؟!
قال : دعهُمُ يرُشونهُ على صدر أبي سُفيان .. .!!
قلتُ بصيغة سُؤال : وشجرةُ القبيلة ..؟!
قال : في وِسْطها حُزْمَة أكبادٍ مكتوبٌ عليها .. هند وثمود وعاد …!
قلتُ : كنّا عبيداً فغمطونا حقّ السادة .. فلم نحكُمْ ولم نجزُمْ … ولم نقصُمْ..!! قال : ما الحُكْمُ إلاّ لله …. أوّلُ الطمع في شراكة الضلع .. حدثت الجريمة من غير مُحرّض … وجاء أمرُنا …
قلتُ في سُؤال: وهل فار التنّور ..؟!
قال في جواب : أنتُمُ التنّور, منهُ وفيه … لن تنالوا البرّ حتى تُنفقوا ممّا تُحبون …!
قلتُ : وماذا بعُدُ ..؟
قال : لابُد وأن تستوي يوماً على الجودي …
قلتُ : وأين التِجاه ..؟!
قال : دُرْ حول نَحْرِك , … البس الخُفّ وتحّزّمْ وامْحَقْ ,علّ فيه شفاؤك من رائحة الطُغيان … ودعك في الدورانْ بحِراكِ سعير الظمأ …
قلتُ : الظمأ إلى الفلسفة ..؟ّ!
قال : بل إلظمأ إلى معرفة طريق حُكم الله ..!
قلتُ : أيّ الصَوبينْ … أأجَرُ عند العزيز وأعزّ ..؟!
قال : صوبُ الصبرِ الذي يجنحُ فيه المجنوح إلى حافة الفرح وانتظار الوعدَ الحقّ ..! فصبرُ نوح إنمحق في خطفة البرق , ظلّ يُبحرُ حُجّة الألفِ في لُجّة اليّم ….!! وصبرُ أيوب إنسحق برجفة الخوف في تسويف الأمل تحت عباءة الألم … !!
قلتُ : متى نأوي إلى جبلٍ عاصمٍ ..؟!
قال : عندما تنقلبُ الموازين على أعقابها , ويدخُلُ الجَمَلُ في سُمّ الخِياطْ ..!
قلتُ : أين نحنُ في مسطرة القياس من كُلّ هذا … يا أخا ….؟ّ !
قال : كُلّ قرينٍ بالمُقارَن يقتدي ولا يهتدي . أنتُم كُنتُمُ هُمُ .. فأذلتكُمُ الصحراء في هذا التعرّي وقبل قُدوم البحر …! , ويوم صار ذاك ربُكُم الأعلى , صُرْتُم الأدْنَوْنْ .. بل أدنى ..! وقرارُكُم السعير …!!
قلتُ : وكيف الخلاصُ من المَحاصْ ..؟!
قال : بالخلاص منهُ … والمخاض فيه ..ّ.!!
قلتُ : وهل يكتوي الدرويشُ بنار نفسه ..؟!
قال : بل بنار شيخه , هوالذي علّمهُ , بعد أن يستدعي ظلّهُ الذي صار ظلاّ لنفسه .. !!
قلتُ : وقافية القصائد المَعْلولة في مدح هُبَلْ … من يشتريها …؟!
قال : عندما تنهدمُ عُكاظ على أطلالها وترتطمُ السيوفُ بصليلها , يحُثّ البعرور المطايا , ويُفسقُ الطريقُ بالجار وبالديار , فتنهزمُ القوافلُ إلى واحاتٍ غير مأهولة …!!
قلتُ : صِفْ لي مُحاكاة العقل في مُحيط شُعاع البصلة السيسائية القابعة في وَهْمِ المُتَخَيّلْ …!
قال : كي لا ندعَ الإثمُ يقصُمُ ظهرَ المُحاققة …! فالظنُ حقٌ مُؤجل حتّى يستقيمُ جُلُهُ في ظلّهِ ..!!
قلتُ : وما فضلُ الحكمة في تحمُلّ مُقايسات المذلّة ..؟!
قال : كفضل المذلّة في تسعير تأجيل العقاب ..!!
قلتُ : هل الدُنيا ضيفٌ أم مَضيفْ..؟!
قال : الدُنيا نجمٌ خفيفْ … وظلٌ لطيفْ , … دعنا ننصهرُ في جُيوب تكوّرات ثُقوبها المُبعثرة بين تعاريج دُروب الصُعود نحوأنجُم الشهوة … وبعد أن نكتشف أننا إستوينا على عُروشٍ واطئة في إمتحانٍ بين المادّة والفراغ ليس بيسير..!! ينغمسُ جوعُ الضيف في إدام جُرْم المَضيفْ ..!!
قلتُ : أصدقني القول في مَنْ أغوى مَنْ , مِنْ سَقَط العَوام في حَمْأة الحرام ..؟! قال : القبيلة بُطونُ الجوع إلى قُدور الندم ..! والأفخاذُ تُسابقُ البُطونَ بالتلذُذ في إنحشار الخَلَفْ قبل السَلَفْ … فلا تناسُلَ ولا تكاثُر من غير فُجور ساقين في آنين واحدين وبزلزال صوتٍ سادّي أبديٍ لا رجعةَ فيه … جُلُكُم آثمٌ … وكُلُكُم جاثمْ ..!!
قلتُ : ماذا تقولُ في النَيْلْ من بعد المَنالْ ..؟!
قال : جَنّةٌ , مُعافٌ فيها الحقّ الموجود من كثرة وُجودِهِ …
قلتُ : والمَنالْ غيرُ المُنالْ ..؟!
قال : وعدٌ زائفٌ من غير موعودٍ في مَحاقٍ غيرُ منظور ..!
قلتُ : أين تُريدُ بي الوُصول ..؟!
قال : لا أعانك اللهُ على سوقٍ يُحاصَصُ فيها الحقُ بالرذيلة ..!
ولا إصلاح من غير جُند الله في الأسواق …!!
قلتُ : وما الحقُ في النار الحامية ..؟!
قال : كوصف الثلج بالبارد .. شرّين في بَرْزَخَيْنْ : ( الوُلوجُ في المعصية حدّ التسيّد ومُعاشرة الزنيمة للعابد) … الأولى نارٌ … والثانية حامية ..!!
قُلتُ : متى يُحصْحـِصُ الحقّ …؟!
قال : عندما تصطفقُ الأبوابُ بين ( هيت لك .. ومعاذ الله .. ) ..!
قلتُ : هل كُنتَ أبداً ظهيراً للمُجرمين ..؟!
قال : التباطُنُ بالعُدوان ألعنُ من ذابح طيرٍ في عشّهِ ..!!
قلتُ : كيف ترى النورُ الذي يغمُرُ الكون …؟!
قال : هوخُصلةٌ من كُذيلات شَعْرِ ظلامٍ أعظمْ … وظُلُماتٍ أقدمْ…!
قلتُ : من أنتُم ..؟!
قال : نُحنُ ظلالُ الربّ على الأرضْ ..!
قُلتُ : كيف ستبدأوونْ … ومتى تنتهونْ …؟!
قال : نُمحقُها … نُحرقُها … نجعلُ عاليها سافلها .. نُخرّبُ زينتها … نسبي نساءها … نقتصُ من علمائها … نحرُثُ قُبورها … ونهدُمُ قِباب مساجدها وجوامعها …
قلتُ : وماذا بعدُ ..؟!
قال: نُعيدُ بناءها كما مسطورٌ في عامودٍ لم يرهُ أحدٌ من قبلُ , محفوظٌ أسفل هيكل المعبد في يومٍ موعودْ…!!
بعد أن كلّت بصيرتي عن إستيعاب ما حُشر في سمعي وقُذف امام ناظريّ … إلتفتُ صوب الماثل إلى جانبي … كان قد إختفى وإبتلعتْهُ الحوتُ … !!
نظرتُ حواليّ علّي أعثرُ على أثرٍ من بقية حديثٍ أووُجود … رأيتُ جُذاذة جلد شاةٍ كانت قد بقَرَ بطنها فرخُ ذئبٍ رُبيّ بدُرّها ففجَعَ قلبَ صاحبها , فاحتفظ بها الراعي ذكرى لطعم الخيانة في تأريخ البشرية , فقام وإستخدمها لأجل الكتابة عليها بعضُ تراتيل وإصحاحات … كما هومُسطّرٌ في أسفل حاشيتها السُفلى اليُسرى …
قرأتُ ما عليها من قَصَصٍ وديباجات طُقوس وحِكَمٍ حتّى تخيلتُ فواجع البشرية تمثُلُ أمامي فانفرط لها قلبي من الوجعْ .. بلُغَةٍ آراميةٍ قديمةٍ صعُبَت على عُلماء اللُغات والكلام من فكّ مُستعصيات رُموزها
دلّني نصرانيٌ يُدعى يوشوعين , يتبتلُ في دير في سيناء على بعض معانيها … قال تقولُ الكتابةُ :
( نجوتُ من فيضان نوح ومعي من نجا … فيلٌ ومعزةٌ وثعلبٌ … هذه أسرتي الصغيرة … بعد أن دُمرّت الحياة على سطح اليابسة برُمتّها… وسنبدأ نُعيدُ سُنّة العيش والوُجود من جديد ) …
في أعلى جبل جودي إلتقينا برجلٍ إدّعى أنّ إسمهُ جورانيم , قد نسي لُغة قومه من كثرة الجري وراء الماضي وقد مسّهُ شيءٌ من الجنّ …
رسم لنا على صفحات التُربة والحجر شخابيط من خُطوطٍ مِعوجّةٍ ومُدوّرةٍ , منقوطةٍ وغيرُ منقوطةٍ … حتّى وصل بنا إلى خطٍ طويل وعلى جنبي الخط شكلُ دائرتين مُتفاوتتان في الحجم … وشخصٍ مُمدّدٍ على ظهره بشكل ما ترسُمُهُ أعوادُ الثقاب وهومشنوق ….
تقدّم الثعلبُ وتقدّمت المعزةُ وتقدّم الفيل …
أدلوا بإفاداتهم ورسموا تواقيعهم …
قال الحاكمُ : أخرُجوا من القاعة … فخرجوا …
صاح الحاجبُ : محكمة … !! اليومُ …الحقُ الموعود …
ركبت المعزة على ظهر الفيل وكذلك فعل الثعلب …
ساروا في الطريق الضيّق حتّى تلاشوا عن الأنظار …
الطريقُ الظاهر في الرسم هوالجسر الرابطُ بين الجنّة والنار
رَسْمُ الشخصِ المشنوق يُمثلُ هيأة المُتعهد الذي غشّ في مُقاولة تشييد جسر البشرية بين المُؤمنين والفاسقين فاستحقّ العقاب … فشنقتهُ الآلهة …
آمين … آمين …
جاءنا صوتٌ عميقٌ من وادي طُوى في النطرون وهويتوسلُ ويصيح :
النجدة يا أهل يثرب … النجدة يا أهل مأرب … النجدة يا أهل شابوع … النجدة يا أهل حنانيا … النجدة يا رُهبان … النجدة يا ورقة …
لم يرُدّ أحدٌ على الصوت المبحوح الذي أخذ يتلاشى حتى خَــفُتْ … ثُمّ إنتهى إلى قرارْ … بعد خريفٍ عنيف … هبت عاصفةٌ تُرابية جاءت من الربعين الخاليين إمتدت قُرابة ألف عام من بعد إنهيار سدّ مأرب … وبعد أن هدأت … وصلَ الجبلَ آلافٌ من الحطّابين وهُم خائفين وملهوثين وقد تكأكأوا حول جُثةً رجُلٍ يسحلونها من قدميها قالوا أنها قد جاءت بها الرياح … ولا يدرون ما ذا يفعلون بها ..! ثمّ رأى الحطّابون غُراباً يحومُ فوق الرُؤوس ,حتى صارت قافلة الغُربانُ بعد العصر تُعدُ بألف غُراب …
شكل الرجل
نظر أهل القرية مُتفحصين في تفاصيل شكل الرجُل … فرأوا ( بطاقة الحصّة التموينية ) مُعلّقة بحبلٍ من مسدٍ في رقبته وهي من جلد شاةٍ كان قد بقرها فرخُ ذئبٍ .. كما إدّعت الأسطورة المعلقة بجُذاذةٍ من جلد الماموث ومربوطة بتفاصيل مُقاولة الجسر المُعلّق الرابط بين الجنة والنار… وكان قد شنقتهُ الآلهة … لخيانته …
ظهر من بطن الغابة المُجاورة صيّادٌ أطلق النار على الغربان فقتلهُم جميعاً إلاّ واحداً تمكن من الخلاص … فكان من الناجين … ثمّ صار فيما بعد سمساراً وصانعاً عند ” قابيل” في صنع التوابيت وحفر القُبور …
حتّى إذا مضى ألف عامٍ آخر … جاءت الأخبارُ تقولُ أن اللعنة قد حلّت بالفيل الذي عمل بأجرةٍ يومية عند ” أبرهة ” حاكمُ الحبشة … فصار جلدُهُ يتناثرُ أمام حيوانات الغابة جزاءً قصاصاً … والثعلبُ قد توظف في مزرعةٍ للدجاج يملكُها ضابطٌ إنكليزي يعملُ في الهند , وقد أقسم أغلظ الأيمان أنهُ قد تاب وصار حارساً للدجاج ومُتديناً وخطيباً في المسجد المُجاور…!!
أمّا المعزة فقد تلقفتها أيادي عجوزٍ شمطاء تعيشُ في الغابة البعيدة عن المدينة والواقعة فوق التلال … تكفلت بالحفاظ على ضرعها والعناية بها وبيع الفائض من الحليب على سُكّان القُرى المُجاورة …وبعد التحرّي عن هويتها تبيّن أنها “جدّة ليلى والذئب ” … المعروفة قصتُها في أدب الأطفال العالمية …
في يومٍ من أيام شهر حُزيران …. في عاشره بالتمام … تحققت النبوءة ….!! جاء حكمُنا على مدينة أخي يونس … فقلبنا عاليها سافلها … ولوإلى حين … !!

















