غيبوبة – هدى جاسم

غيبوبة – هدى جاسم

لم يتبق على الموعد سوى ايام معدودات .. كانت ترتجف من الخوف لئلا يكون ماقاله الاطباء صحيحا بان عليها ان تستعد لتترك يدا كانت تطبطب على ايامها وسنواتها العجاف وان تواجه المصير الغير متوقع لوحدها في هذا العالم المخيف ، الغيبوبة المفاجأة قد بدأت بعد ساعات فقط من ارتجاف الجسد لتبدء رحلة لم تستعد لها .

الجميع كان يأمل بان تتعدى تلك الفتاة محنتها الصحية وتعود الى عالمها المملوء بالحياة بحلوها ومرها ، لكنها وحدها كانت تعرف ان الرحلة الابدية قد تبدء باية لحظة دون ان تلوح بالوداع حتى ، بقربها جلست وهمست باذنها ان لاتتركها لوحدها فهي غير قادرة على المواجهة والصبر والجلد الذي كانت تتمتع به وان عليها العودة باي ثمن .

الاطباء قالوا لها ان العلم لم يفك بعد خصائص الغيبوبة وارتداتها على الاجهزة السمعية والبصرية وان الدماغ قد لا يستقبل اي رسالة كانت من المحيط الخارجي ، لكنها شهدت ان دموع الغائبة عن الوعي قد ذرفت كلماارتفعت حدة  التوسلات من اهلها بالعودة لهم ، احيانا كانت تنتابها نوابات تعرق شديد ما ان تسمع بالذكريات وان عليها العودة لتملئ فراغا كبيرا قد يحدث لتلك العائلة المنكوبة لو رحلت عنهم .

الغيبوبة في العشرة ايام لم تكن سوى حوارات بين الاحياء وممن تحاول الرحيل عنهم ، كانت التوسلات والهمس بالقرب يزداد لان الاطباء ابلغوهم ان موتا سريريا قد يخترق ذلك الجسد وان كانت علامات الرحيل لم تظهر بعد ، في كل لحظة واغفاءة تعب بمن يحيط تلك الفتاة كانت تزرع الامل في قلوبهم بانها ستعود وتملئ العالم بضحكاتها المعتادة ، فهي ليست بمريضة او انها تعاني من ازمة قلبية ، ربما يكون هناك خطأ في التشخيص والعلاج جعلها تدخل في غيبوبة غريبة ، ربما لم تكن تدرك ان الطريق الذي سلكته لاجراء العملية لم يكن بالطريق الصحيح وستعود ونعاتبها على انها سلكت هذا الطريق .

احداث واحاديث مرت وهي مستلقية دون حراك، الامن دموع تذرفها واهلها يحيطونها ويهمسون في اذنها بان تعود لهم  ، هنا ابلغوا الاطباء بان الاشخاص الذين يدخلون في الغيبوبة يسمعون ويتفاعلون لكن دون حراك فهي وحدها من وضعت نظرية الطب الجديدة بانها معهم حتى في غيبوبتها .

في صباح لايشبه اي صباح اخر كانت الحقائب عند الباب والاطباء ادركوا انها ساعاتها الاخيرة لكن احدا لم يكن ليقتنع انه يومها الاخير معهم وان دموعها على فراقهم ستتوقف وان الغيبوبة قد دخلت في رحلة اخرى .

احاطها الاطباء ووضعوا اجهزة الحياة الاخيرة على جسدها لكنها كانت قد حزمت حقائبها وهي في عز شبابها لتبدء رحلة لن تعود منها الا في احلامهم وهم يوزعون ماتبقى لها على من يستحق ليذكرها ويدعو لها بحياة اجمل مما كانت فيه وبيت واهل ومستقر اخير .

وقف اهلها طويلا حول جسدها قبل ان تلتحف الرداء الابيض احتضنوا ذكرياتهم معها ووعدوها بانهم سيتركون مكانها في قلوبهم مهما طال الزمن وان لاتخشى الفراق فموعد اللقاء وان طال سيكون قريبا .

رحلت بعد ان اثبتت لمن حولها ان ايام الغيبوبة العصيبة لم تكن سوى وداع اخير محسوس بين الطرفين من هو على قيد الحياة ومن هو مغادر لها ، ايام لايمكن نسيانها وهي تعادل حياة باكملها ، الغيبوبة حياة اخرى نودع فيها من نحب بطريقة جديدة لايدركها الا من عاش لحظاتها مع من نحب .