عناصر تجاوز أخطاء إعادة بناء الجيش
سامي الزبيدي
بعد استيلاء داعش على الموصل ومناطق أخرى من العراق في عملية خيانة كبرى للوطن من قبل بعض السياسيين وخيانة للمبادئ والقيم العسكرية من قبل كبار قادة الجيش والقادة الميدانيين في الموصل وصلاح الدين الذين سلموا فيها محافظات بأكملها ومناطق من محافظات أخرى بدون قتال وسلموا معها لداعش أسلحة مختلفة وتجهيزات ومعدات عسكرية وآليات ودبابات ومدرعات تتجاوز أثمانها عشرات المليارات من الدولارات في عملية مذلة ومخزية لقادة لا يمتلكون أبسط مقومات القيادة العسكرية وأدنى معايير المهنية والشرف العسكري حيرت ليس العراقيين حسب بل العالم كله تعالت على أثرها دعوات العراقيين الاصلاء الغيارى على وطنهم وجيشهم مطالبة القادة السياسيين الجدد وعلى رأسهم السيد حيدر العبادي بصفته رئيساً للوزراء والقائد العام للقوات المسلحة بضرورة هيكلة الجيش الحالي وإعادة بناءه وفق أسس مهنية وأكاديمية صحيحة وبأشراف قادة وضباط من ذوي الخبرة والتجربة والممارسة يحبون وطنهم وشعبهم غيورين على جيشهم حريصون على سمعت هذا الجيش الذي شهدت له سوح الوغى ليس على أرض العراق فقط بل على أرضنا العربية في فلسطين والأردن وسوريا ومصر.
وجاءت استجابة السيد العبادي لنداء العراقيين خجولة عندما أحال بعض القادة الكبار الى التقاعد دون أن تتم مساءلتهم عن أسباب هزيمة الجيش وانهياره خلال ساعات أمام قوة لا تكافئه عدداً وعدةً دون أن يعرف الشعب العراقي حقيقة ما جرى، كما أعلن أنه سيعيد بناء الجيش العراقي وهيكلة بعض قواته لكننا لم نر أية خطوات حقيقية وجادة في هذا الاتجاه حتى الآن ومما يثير الاستغراب أن السيد العبادي صرح خلال إحدى المقابلات التلفزيونية أن الحشد الشعبي سيكون نواة بناء الجيش الجديد وهذا التصريح يحتاج إلى وقفة تأمل كبيرة لأننا لانريد أن يخطأ العبادي خطأ كبيراً كهذا كما أخطأ غيره من قبل عندما تم دمج الميليشيات في الجيش ومنحت الرتب العسكرية لأشخاص غير مؤهلين علمياً وعسكرياً ومهنياً ومنحت المناصب القيادية لآخرين لا يمتلكون مؤهلات القادة ولا مقومات القيادة مما أثر كثيراً على عملية أعداد وتدريب هذا الجيش رغم المليارات التي صرفت على تدريبه وتجهيزه وتسليحه كما أثر على الضبط العسكري الذي يعتبر العمود الفقري في بناء كل الجيوش بالإضافة إلى استشراء الفساد والانتماءات الحزبية والطائفية في المؤسسة العسكرية والأمنية فكانت نتيجة ذلك الكارثة الكبرى في الموصل وسبايكر والصقلاوية وقبلها الإخفاق الكبير في الرمادي والفلوجة قبل أكثر من عام حيث لم يتمكن الجيش من دخول الفـــــلوجة إلى يومــــنا هذا.
إن الحشد الشعبي له مواقفه المشرفة في التصدي لداعش وتطهير أرضنا من دنسها في أكثر من مكان من وطننا العزيز، لكن الحشد الشعبي لا يصلح أن يكون نواة لجيش مهني لأسباب عديدة معروفة أهمها أن متطوعي الحشد الشعبي أغلبهم من كبار السن والجيش يحتاج إلى منتسبين تتراوح أعمارهم بين 18-24 عاماً لسهولة تدريبهم وتقبلهم للمعلومات العسكرية وسهولة تطويعهم لتقبل الضبط الصارم و الحياة العسكرية الخشنة، والأمر الآخر المهم هو أن أغلب متطوعي الحشد الشعبي ينتمون لأحزاب سياسية ولكتل دينية ومذهبية وقياداته شخصيات حزبية ودينية لا تخضع لسلطة الحكومة والدولة وهذا يتعارض مع بناء الجيش الذي يجب أن يكون بعيداً عن الحزبية والتخندق الديني والطائفي والمناطقي وأن يخضع لسلطة ومرجعية واحدة هي سلسلة القيادة العسكرية لا غير,بالإضافة إلى أن متطوعي الحشد الشعبي تنقصهم العديد من المهارات الفردية والجماعية العسكرية التي تحتاج إلى تدريب طويل وشاق والى استعداد تام لتقبل مثل هذه المهارات,والاهم من هذا فأن الجيش الذي يراد أعادة بنائه مهنياً يجب ألا يقتصر على المتطوعين الذين يعتبرون الجيش مصدر للرزق والمعيشة في ظروف البطالة وصعوبة الحصول على وظيفة قبل أن يكون مسؤولية كبرى في الدفاع عن الوطن وحماية حدوده تتطلب التضحية بالنفس في سبيل ذلك لذا يجب أن يعاد العمل بنظام التجنيد الإلزامي لاستقطاب طاقات الشباب التي دمرتها البطالة والمخدرات و من كل مدن العراق وكل قومياته وأديانه ومذاهبه ليكون الجيش الجديد أحد أهم وسائل أعادة بناء النسيج الاجتماعي واللحمة والوطنية التي تأثرت بالصراع الطائفي والمحاصصة الطائفية عندما يظم الفصيل والسرية والفوج واللواء خليطاً من أبناء جميع المحافظات والقوميات والأديان والمذاهب على أن يعاد العمل بمراكز التدريب لاستقبال المكلفين وتدريبهم التدريب الأساسي قبل توزيعهم على صنوف الجيش وقواته حسب الشهادة والمؤهل العلمي و حاجة الصنوف ومن ثم إكمال تدريبهم الاختصاصي في مدارس الصنوف وبعد ذلك يتم توزيعهم على وحدات الجيش في جميع محافظات الوطن وليس في محافظاتهم بعيداً عن المناطقية المقيتة .هذه خطوات أولية لإعادة بناء الجيش بناءاً مهنياً تتبعها خطوات أكثر أهمية تتعلق بإعداد الأمرين والقادة اعدادأً علمياً وأكاديمياً وعملياً قبل اختيارهم لمناصب الإمرة والقيادة التي يجب أن تكون الكفاءة والمقدرة والخبرة والتجربة الناجحة المعيار الأول في الاختيار ثم تأتي النزاهة والتدرج في المناصب والمواصفات الأخرى و المعايير الإضافية التي لابد من توفرها في الآمر والقائد وهذا لا يمكن تحقيقه دون بناء مؤسسات عسكرية تدريبية أولية وعالية رصينة وكفوءة لتدريب وإعداد المقاتلين والضباط الأعوان والقادة يشرف عليها ويقودها ضباط أكفاء من دوي الخبرة والاختصاص والتجربة .
لذا يجب ألا تتكرر الأخطاء في عملية هيكلة وإعادة بناء الجيش العراقي وعلى الدكتور العبادي والسيد وزير الدفاع الجديد اعتماد خطة متكاملة يضعها خبراء عسكريون من ذوي الخبرة والكفاءة والمهنية من قادة وأكاديميي الجيش السابق المعروفين بكفاءتهم ووطنيتهم ومهنيتهم , ويجب الاستفادة من الأخطاء المقصودة التي ارتكبها بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق بعد الاحتلال واستمرت عليها الحكومات العراقية بل زادت عليها والمتمثلة في دمج الميليشيات في الجيش ومنح الرتب والمناصب لمن لا يمتلكون مؤهلات أكاديمية ومهنية وسيطرت الأحزاب والكتل السياسية على الجيش واعتماد المناطقية والطائفية في تشكيل وحداته، وإذا أريد بقاء الحشد الشعبي والاستفادة منه فيجب أن يكون خارج المؤسسة العسكرية وبعيداً عنها وأن ينظم له قانون خاص به تثبت فيه مهامه وطريقة عمله وقياداته ومناصبه ورتبه الخاصة به والتي يجب ألا تشبه رتب ومناصب الجيش .
{ خبير عسكري وستراتيجي


















