عذراء سنجار مثالاً .. رواية الصورة بين النصين الخارجي والداخلي

عذراء سنجار مثالاً .. رواية الصورة بين النصين الخارجي والداخلي     

محمد يونس

بعد قراءة رواية ( عذراء سنجار) لوارد بدر السالم اكتمل يقين فكرة كانت قد ألحت عليَ حيال تنظيري لوجود رواية الصورة، بعد دوران في مدار التنظير للفكرة مدة من الزمن، ونشرت ايضا اكثر من دراسة عن الاصول النظرية للفكرة، وكان هناك مثال دائما يقف أمامي لا يتيح لي تجنب الفكرة، ويؤكد مقصدي النظري، فهناك رواية انتجت من صورة احتملت سردا تاريخيا، وهذا المثال النوعي كان، بعد أن قرأت حوارا للكولمبي ماركيز يتحدث فيه عن آليات كتابة لديه تثير الاستغراب، لكنه مؤمن بها تماما، ويقول (حين شرعت بكتابة رواية) وحدد احدى رواياته المهمة، فقال مضيفا (كنت أضع صورة لجدي، كانت تحفل بالكثير من الأحداث)1 التي قد نسميها ما وراء صورة سردية الطابع، ولابد أن هناك مضمونا يواجهك هو لا يعبر إلا عن الشكل البصري للصورة وليس يعبر عن دلالاتها عبر إشارة تتمثل بمعنى معين من مكوناتها، أو بفعل سردي يبدو قد بلغ نهايته ووقف عندها، ولكن تأمل الصورة يبدي لك تدريجيا معاني ودلالات لم تتوقع مواجهتها خارج التأمل، أو هناك علائق بين الصورة ومعاني أخرى، اجتماعية – سياسية – تاريخية – معاصرة، تحيل إلى معاني تتشكل فيما بعد، أو قد تستذكرها عبر علائق حسية بما في داخل الصورة ومضمونها الجوهري، وهناك إحالات عدة تتجلى عبر تأمل الصورة ولتعرف على موضوعتها، ويمكن تقسيم الصورة المسرودة إلى مربعات كما يرى دولوز فتتكون نتائج جديدة برغم أن الصورة ذاتها ستعود إلى وضعها أول، وهناك مناطق للصورة هي، شكل – موضوعة – تاريخ، وتلك المناطق غنية بالمضامين السردية، وتلك المناطق كل له وظائف بمنطق سردي مرتبط بها مباشرة، والشكل يمثل فعل السرد، وأما الموضوعة تمثل المضمون السردي، وأما التاريخ فهو يمثل مصدرا يتداخل فيه المضمون والفعل، إذن ما نحتاجه هو التمرين على ذلك والنتائج المرجوة تتجلى بعد ذلك.

وبعد تلك المقدمة النظرية، نقف على انموذج روائي لوارد بدر السالم، هو يمثل الرواية التي هي صورة بيانية واسعة، فرواية عذراء سنجار، هي بتفاصيل متعددة الابعاد كما الصورة، وهناك وحدات دلالية في كل من تلك الابعاد، وكذلك وحدات زمن سيان متسلسلة مرة، واخرى تستثني الأزمنة ذلك البعد، ووحدات السرد مؤكدة في الصورة كما في الرواية، وفضاء المكان تجده متوافرا في الجهتين، وأن يكون في الرواية ليس مشهودا كما في الصورة، أو ربما يوصف نيابة عن تمثله الشكلي من خلال أحد الشخوص، وفي الصورة يقين وحقيقة ملموسة يتمثل بجميع الوحدات الجزئية، والتي كل منها يمثل مقطعا روائيا ، يقابله لذلك اليقين حقيقة والمنطق الروائي والسببية، وفي كلاهما تكون الأمور وضعت في نصابها بدقة، وتتفوق هنا الصورة إن خفت وطأة اللعب الفني في الرواية، وفي الصورة معنى عام، وفي الرواية أيضا يوجد ذلك المعنى، وفي كليهما أفكار محسوسة إدراكا، سيان بصريا أو كتابة، وأن الرواية تتأمل نفسها، وكذلك الصورة، وهذا التأمل يواجه بمثيل له من التلقي، فالصورة والرواية وجهان لحالة ما، إذن سيكون أحدهما يعكس الآخر،.

إن الرواية الصورة ليست أمثولة غير مكتوبة، وتمثل وعيا حرا، بل هي مصطلح تحقق عبر مواد مكتوبة روائية، وجودها تحقق في أزمنة مختلفة، وعلى الأخص في نهايات عصر الحداثة، والتي تمثل ثورة الأخيرة من موضات الأدبية في الحداثة، وطبعا تمثل رواية وارد بدر السالم (عذراء سنجار) احدى أهم اعمال روايات تمثل صورة مسرودة من بيانية مأساة واقعية ورمزية أيضا، وهي صورة تامة وخالصة لما عبرت عنه من بيانيات واقع حي، وأعتقد لابد من دعم التطور التقني للنص الروائي، وبعض كُتّاب الرواية سعوا إلى نقض تراكمات آليات الكتابة السردية، فالسرد نعم هو أداة كل عصر، لكن الفن يصنع الجمال، والحياة تحقق الواقع، ونحن في كل عصر نحتاج الى قيم جمالية ذات نكهة أخّاذة، وبعض الروايات بكرت إلى ذلك، وكما أن الرواية ( عذراء سنجار)قد تحررت بجدية بلاغية عالية، وقدمت خطابا باسلا في العمق الانساني صراحة، وتقنيا وضعت كل آفاق الماضي  التقنية وراءها، وسعى إلى أنموذج أدبي يثير أسئلة وليس قناعات.

تثير رواية ( عذراء سنجار) مسألة حساسة، فهي تقر في بنيتها إن الفن الروائي قيمة الآن، وإن عصر الشكل انتهى وتلاشى وفقد بريقه، والرواية اهتمت بمعنى إنساني عميق وليس بسرد حياة بشرية تقليدية تكررت مرارا بذات الأسلوب، ولم تكن الا أن تراعي الجوهر الإنساني وإخفاقاته، بل راعت أمورا جدلية بحيادية، وكانت رواية الصورة إحدى سياقات الانتفاضة ضد السياقات التقليدية للرواية، وأعتقد ما قدمه وارد بدر السالم برواية (عذراء سنجار)، والتي هي من أجمل الأعمال المكتوبة في أسلوب متفرد ، فقدم عملا روائيا لا يكتب مرتين، وكذلك قدم رواية صورة غاية في التفوق الإبداعي، وتشكل روايته أنموذجاُ لرواية الصورة فنيا يصعب وصفها في شكل فني، وكما بلغت مكانة جمالية ايقونياً ولونياً، أيضا أكدت الرواية إنها عمل فني فتوغرافي خلاق في ما يملك من مميزات إبداعية، وتعتبر الرواية صورة رواية أو رواية صورة بتعددات نظام السرد المنقطع لونيا وايقونيا غاية في البراعة والجمال.

الصورة المسرودة – كل ما تحتويه الرواية من العنونة الى المدخل، وكذلك الفصول المتنوعة الايقاع السردي، هي تعنى بفعل سرد ثابت الزمن في كل فصل مفصل بذاته، ويرسم ذلك الفعل واقعا وتفاصيل بشكل بياني، ، تكون تامة الملامح ، وبحيادية تامة، وهي بزمن أحيانا يكون تتابعيا، وأخرى يكون متقطعا، ففي الرواية ترتبط فكرة جدل المفاهيم التاريخية بالمكان كبؤرة، فيما هي مرتبطة بالشخوص كعوامل تحقيق الفعل السردي، وكما نجد ذلك في جمع فصول الرواية ، حيث عوامل الجدل تتحول الى واقع مرتبطا بالشخوص بشكل مباشر، ولكن وارد بدر السالم برواية ( عذراء سنجار ) قد سعى إلى مخالفة المألوف فتكون الأمكنة دلالات لتوسيع الفكرة ، والفناء يمثل كلية الصور بطبيعته الوجودية، وعلى مستوى السرد هناك وضوح وتجلي تام للمنظومة السردية في كل فصل من فصول الرواة، ولم يؤثر باي صيغة نمط السرد المنقطع، الذي فرضه كل فصول يبدأ بعد انتهاء فصل اخر للمتعة التي يعتادها القارئ، ويرغب بمواجهة ايقاع جديد بعد تغير ايقاع نهاية فصل سابق، وبداية فصل جديد.

الصورة الموصوفة – طبيعي كل نص روائي وأن مال الى السرد بقوة، سيحتاج الوصف كمقطع يعوض عن السرد في مواضع لا قبل له عليها،ومقطع الوصف في رواية (عذراء سنجار)هو انتج صورة فنية رسمت من السارد الخارجي بدقة وتتبع الى الحد النهائي لها، وهي كمقطع وصف غني بالإحالات الإشارية والدلالية يكون فيها الزمن متغيرا أو غير ثابت، وهنا نجد أن الرواية هي ستكون صورة مكبرة، ، تقابل العنونة وتتعالق معها، وفيها كيانات وإمكان هي تشكل مجمل الصورة لكل فصل هي مرتبطة به، حيث توصف مجمل الأشكال مظهرا والأدوات والمكان لأيضا، حتى بلوغ آخرها، وتلك الرواية هي صورة متنوعة الابعاد والايقاعات، لكن اشارة النص الموازي او دلالته العامة، هي تعوض عن مجمل الابعاد في الاشارة العامة، لكن طبيعي هناك تعدد دلالي، يكون اوسع واعمق في مقطع الوصف، ويتحرر زمنه هنا ايضا، ففي الوصف ليس هناك ( سنجار – شنكال)، بل عالم احاسيس  وشعور وعمق وجداني واسع، وطبيعي أن ساده التفاوت الجدلي، بل يزيد ذلك من اهمية القضية العامة، وكما يزيد البعد الدلالي قيمة، وايضا ايقاع النص الروائي الخارجي سيكون صوت احتجاج، واما الداخلي فسيفسر مضمون ذلك الاحتجاج، وذلك التميز القيمي هو عائد لامكان مقطع الوصف حفظ الاشارة التي يقوم بها السرد، اضافة الى ما يحققه من اضافات مهمة لتلك الاشارة  .

صورة الأبعاد – وهي معروفة في الأبعاد التقنية المبتكرة، فكلود سيمون مرة كتب فصول رواية، وكل فصل بلون معين، ومن ثم اعتمد أبعادا لونية في التوجه للنتيجة النهائية، وطبعا كل لون مثل بعدا، والبناء التقني التصاعدي معماريا هو بناء أبعاد، وتكون القمة هي البعد الأخير، وهناك أبعاد أفقية، ففي رواية وارد بدر السالم (عذراء سنجار) مثلت الأبعاد الصورية جزءا من حياة واسعة، تجتمع الأبعاد جميعا في تشكيلها، وهناك ابعاد عدة إحالية، منها المكان بوصفه ليس مظهرا وجوديا فحسب، بل هو يكون موضوعة ترمز الى بعد عام من جهة، واخرى الى بعد خاص، والرواية واسعة تعدد الفصول، وكل فصل يلي العنونة الثانوية، اشارة من جهة تؤكد الانتماء العقائدي، ومن اخرى تحيل الى المضامين النصية، وما يهدف اليه مغزى السارد العام،.

العنونة والتعالق النصي

ارى أن العنونة كانت بنسب متفاوتة مفصولة عن سياقات سيرورة الحداثة وما بعدها وزمنها هو غير محدد وهي نص محلق، لكن دراستها بوصفها عنونة متن سيموطيقيا هي وحدة اساس علاماتية النص، وأما بانفصالها تكون علامة تشير الى الكاتب سيميائيا في السيمياء الثقافية وان كانت اوسع بالسيمياء الاجتماعية، وقد شهد التدرج العلامي للعنونة تسميات اصطلاحية تشير الى معرفة خلاقة، وفي سيرورة القراءة النقدية للعنونة فقد شهدت على يد المفكر البليغ امبرتو ايكو تطورا بلاغيا في التسمية المرتبطة بالمفهوم لشكل مباشر، وكذلك ما بلغته الطروحات في تفسير مضمون الفكرة، فقد تم وصفها على أنها – ايقونة النص – وقد شارك اكثر من ناقد عربي في توصيف حيثي، او تصنيف حسب حدود الترجمة، واكد الأغلب المحافظة على الموقف الشخصي، فالأغلب قد دعاها- عتبة – النص، ويعد التطورات التي مر بها الحقل النقدي في تعميق الأطر المعرفية بشكل يماشي التطورات النصية، وعلى وجه الخصوص ما قد شهدتها اطر عموم الثقافة في مرحلة ما بعد الحداثة، فبعد مرحلة التباين والتأرجح وعدم التخصيص، قد قدم جان جانيت اطروحة مهمة وفاعلة، فأسمى المصطلح- النص الموازي – في كتابه  جيرار جنيت ( اطراس ) وازاء تركيبة هذا المصطلح الفكرية والتقنية والاصطلاحية، صار للمفهوم مكانه وخانته، وانتشرت طروحات جان جانيت وركزت في الفضاء الادبي، وصار أن تقرأ العنونة بتمييز واهمية وشرح عن ابعادها الادبية والجمالية، وايضا في علاقتها مع المجاور الاجتماعي، ووفق اخر المباحث الطرحية ساقرأ عنونة رواية( عذراء سنجار) كنص موازٍ قد اتاح لبعدي الانسان والمكان أن تملأ محتواه، وهناك شقان في العنونة، الأول منهما يرتبط بكيان بشري مؤنث، وقد حدد جانباً شخصياً فيه، كون مفردة( عذراء) تشير الى امأ’ خارج بعد الزواج في سياقيه الشرعي والاجتماعي، وطبعا هنا بان بوضوح سياق التبئير، وقد بان جانب من جوانبه، وقصدية الروائي وارد بدر السالم، ترى هي أين تكمن وما غايته؟، وبعيدا عن اجابة السؤال الذي ربما نفترضه نحن، نعرج على بعد جانبي مهم، ففي المستوى الاسطوري تاريخيا،تمثل العذراء حالة حساسة، وترتبط غالبا بزمن نفسي، يكون تتابع فيه الافتراضات، وهناك حقائق اسطورية مختلفة الموارد ترتبط بهذه المفردة، فمثلا تمثل العذراء الارض البكر التي لم تحرث، وكما تمثل من جانب اخر تلك الاضحية المتميزة في تغيير نمط الحياة ايجابا، أن تمت التضحية به، فكان في اغلب افاق الميثلوجيا يشترط أن تكون الضحية عذراء، وللنظر الى اي مدى انحرفت بنا مفردة واقعية بشكل تام، وكم تطور افقها في التأويلات المتوافقة والجدلية، ومهم جدا هنا جعلها الروائي غير معرفة، وجردها من – ال – التعريف، لكانت بعداً اشارياً محدداً، واما المفردة الثانية، فهي اشارة محددة الى مكان يمثل احد المدن التاريخية، والتي تشتهر بالديانة الأيزيدية، وداخل المتن النصي قدم وارد بدر السالم اكثر من اشارة الى القيمة التاريخية لذلك المكان، وحتى اشار له بالاسم التاريخي له- شنكال – ليربط التاريخ بالواقع، وعسى أن يقوم القارىء بالمقارنة، واما حدود التعالق النصي فهي واضحة ، حيث تمثل العنونة ايقونة المتن النصي، والتي تنجذب اليها الاحداث والتفاصيل، وحنى ما يلي العنونة من حكم واشعار واقوال، وهنا لا يمكن الا أن نقول أن التألق كان تاما من جهتين، الاول من جهة واقعية في العنونة والمتن النصي، والثاني مضمونيا بتوافق تام   .

النص الخارجي – النص الجواني

قبل البدء أرى هناك خلطا لا واعيا في الإحالات لتفسير اشتغالات بناء روائي تفصيليا، حيث لا تجد تأكيدا للفارق الواضح بين النص الجوّاني والنص الخارجي، ويتعامل على وفق أن النص بنية واحدة، فيضيع تأكيد من هو بناء أفقي وبناء عمودي يقابله، وهذا فارق مهم بين النصين وظيفيا، وفي طرح موضوعة النص الجوّاني الذي هو مجمل رؤية الكاتب وأحاسيسه وأفكاره التي صارت مغزاه وبؤرته، وهو الحقيقة المفترضة لكيان النص الروائي، ويسمى نص اللاشعور، والذي البعد الوظيفي له هو عمودي الاتجاه، أي إنه هنا بزمن مائع يمكن أن يستوعب الألغاز حتى، ويقابله النص الخارجي والذي هو سطح الحياة الروائية ومجمل الأفعال السردية، ويسمى نص الشعور، والذي وظيفيا هو أفقي الاتجاه، أي إنه هنا ثابت الزمن، وهو مثال للواقع الحي، ، وتقنيا يمكن أن نقر بأن رواية ( عذراء سنجار) هي تمثل مقصدنا بجودة وكفاءة ووعي، حيث يمثل السارد الخارجي نص الشعور او الموقف وكيان القضية ومثال البؤرة والهدف، وتمثل كل صورة مسرودة تركبا، كل تركيب به يمثل بعدا دلاليا جزئيا للنص الجواني، فاما يلي العنونة الثانوية من قول يمثل نصا دالا على بيانية الصورة، وكما أن الشخوص هم مقومات النص الجواني، وذات مرة استوقفني قول ليونك حول توازن الشخصية بين الوعي واللاوعي، في سياق نشاطها في الحدث والبعد الظاهري للنشاط السردي، وإحساسها الذي قد يوصف وقد يبقى ضامرا، وفي كتاب/ انشطار الذهن لبيتر ماكلير، يقول يونك إن الشخصية هي (حالة توزان الوعي مع اللاوعي)1? والشخصية ليست حالة عابرة، إنها أساس الفعل السردي ووحدة النشاط الحي، ومن جهة هي حالة عضوية، ومن أخرى هي أيقونية، وكل منهما تترجم سماتها، فالعضوية هي تمثل كيان نص الشعور، فيما السمة الأيقونية يتمثل بها البعد الحسي، والذي يحيل إلى نص اللاشعور، وطبعا توازن نص الشعور مع نص اللاشعور ليس آليا، بل وفق معطيات، حيث يرى هنري لوفافر ثمة تطابق يكون ما بين اللاوعي وبين وعي يصفه بالسيء، وأعتقد لا يقصد إلا ما يعاكس الوعي السوي، أي الوعي النمطي، والذي ملامحه قد استهلكت، والعمل الروائي هنا يستوجب عليه اللاوعي التجديد ودخول حقل الابتكار، والبحث عما يجهل والابتعاد عما يعلم، أي السعي عبر النص الجوّاني ومن دون هدف محدد سبقا، وتكون هناك غايات بديلة للوظيفة العضوية التي تتمثل في النص الخارجي، والتي هي قبلية تكررت ربما بصورة بيانية واحدة، والنص الجوّاني بالرواية وارد بدر السالم هو من يدعم الاكتشاف والإبهار والدهشة، حيث ترتبط به أطر أيقونية عضويا هي بعدية، وهي لم تمس وصافية تبرق كما الذهب، و كان لدور الخيال الخلاق للذات الواعية في رواية ( عذراء سنجار) في تزويق البعد البياني بالرموز والمعاني، ليكون الحدث أوسع مضمونا دلاليا، وليس مجرد حكاية عابرة تكررت بلا جدوى ولا غيرت معالم،  ولا هي حققت عبرة في ثنايا كيان المجتمع.

النص المنصوص– النص بذاته يكمل ذاته- النص هو يتحكم بتنظيم الوعي ويحدد دور اللاوعي– ويوجد هنا توافق بين النصوص الداخلية والنص الآلي، ويمكن للنص المنصوص أن يكون نصا معاد ترتيب وتنظيم وحدته الزمنية، كما كإشارة مسبقة من المدخل الروائي في رواية (عذراء سنجار), حيث أثرت ذائقة وراد بدر السالم الفنية كثيرا على عنصر التلقي عبر تشكل رواية صورة تراكبية الزمن العام، والذي وظائفيا، فرضت على كل صورة سردت أزمنة بذات الأساس التي كانت عليه، كل من بعدي الصورة البياني الخارجي والداخلي المضموني، ويضاف الى ذلك الصور المستخدمة كبعد دال مضاف، وهنا كان النص رغم وجود سارد خارجي، منصوصا بأجزاء، او كما تسميه جوليا كريستيفا ( البنصوصية)، وكل صورة بيانيا كانت بلا تدخل من السارد الخارجي، وبذلك لم يكن هناك وازع ايدلوجي يبان في النشاط السردي للصورة، والنص المنصوص في تعريفنا هو مجموعة نصوص، وقد زادت قيمة جمالية تلك النصوص في رواية ( عذراء سنجار).

النص التراكبي– مظهر ومضمون بتوافق، أو لنقل هناك نص وخطاب، والنص التراكبي يمكنه ربط ظاهر ذات الكاتب بظاهر كيان الرواية وداخله الإبداعي كموهبة بتعدداتها في النص الجواني كيان الرواية، والتراكب هو بعد يتحدد عبر تقنيات النص، ويمكن استيعاب مجمل الوحدات النصية في رؤيا الكاتب، ورؤية وارد بدر السالم اغنت رؤياه ومنظوره مضمونيا في رواية ( عذراء سنجار)،وصيغة  التراكب النصي في الرواية ليست صيغة احتمالية، بل هي متحققة بمستويات مختلفة ،  منها ما هو عضوي، ومنها ما هو ايقوني، والتراكب العضوي هو يسير عادة، ويتحقق عبر وحدة الزمن، وقد تحقق التراكب عبر فعل السرد، وبما يتميز به من تحقيق حد متكامل للوحدات البيانية في الصور، ويحددها هنا في المستوى الظاهري للنص الروائي، واما المستوى الأيقوني، فهو ليس بذات اليسر، ويتطلب توافقا فنيا، بل يتعدى ذلك احيانا، ليسعى لتفسير القيم الجمالية، وفي النص اكثر من قيمة جمالية، ابرزها تحديدا، هي الحكم والاشعار والاقوال، والتي هي احد اهم وحدات التراكب الأيقوني، وابرزها في اتاحة مساحة اوسع للمضمون الجمالي، وكما توقف التلقي العضوي عندها كمحطة تأمل، كون ما يليه حساساً وجدلياً ومتعارضا ومقلقا، وتلك ميزة تقنية تحسب للروائي وارد بدر السالم، وتؤكد براعة بلاغية في صياغتها، وجعلها في موضع مهم ومجدي.

النص التداولي– التداول نمط معهود داخل الأدب وخارجه، وحتى اجتماعيا متحقق بنسب مختلفة، والرواية هي أكثر الأجناس تأكيدا لذلك، وهنا يتيح النص الخارجي كوحدة شكلية، للنص الجواني عبر مضمون ذلك الشكل لتداوله، وهنا يكون التناسق الموضوعي بين داخل وخارج الرواية وتفهم أهمية السياق المتبع مع الخارج كشكل يؤكد مظهر الأثر الأدبي والداخل أو النص الجوّاني كمضمون لمضمون الأثر الأدبي، وتعتبر رواية ( عذراء سنجار) نصا تداوليا بتميز، حيث هناك تراكب أن ارجعناه، وجدنا التلازم بين المكونات تداولي، فالنص مجموعة دلالات منها متقابل، مثل العنونة الداخلية والقول الدال الذي هو  اصلا خارج النص، والتداول، ان الذي يجعل من رواية (عذراء سنجار) بمحمول يكون فيه وضع النص الروائي في خانة تمثل البعد التاريخي، والذي تعني من خلاله الرواية انها تملك قابلية تداول التاريخ على انه مادة تداولية وبزمن نشط  وليس عكس ما هو شائع من ان التاريخ جامد وان صار نصا وليس وثيقة، وكما ان رفض إلغاء التاريخ كمكون زماني هو يفصل بين الشكل الاجتماعي ومقوماته الانتاجية تداوليا، وبين منتج النص الروائي وميزته التداولية، ولا يهم ان طال هذا الزمن هنا أم قصر، فهو لا يمنع الصفة التداولية حتى في ثبوته على بعد انثربولوجي كون ذلك البعد ليس ميتا , وكذلك كانت الصفة التداولية في الرواية، قد اتاحت للمحتوى الحكائي بلوغ مدى عميق، ولكن هناك عدة اطر تداولية تكون عبر اطار الحكاية، هي انتجت تداولا في المتن السرد , فكانت جهة التداول الاولي في الرواية هي خطابية، حيث فيها الجملة القولية تمثل بعد توليدي للدلالة والمعنى الذي كسبها المنطق والموضوعية، وقد تميز الخطاب الروائي في رواية وارد بدر السالم( عذراء سنجار) بأمثلة تداولية متنوعة عبر الملمح الروائي، وقدمت امثلة عديدة،  كانت من جميع الوجوه هي افق تداولي لا اشتراطات له في الوظيفة الأيقونية او البعد السيميائي ولا يمكن تصنيفها كرواية خارج مجال التداولية ومنطقه وتصنيفه . ونتيجة للتطورات الفنية الكبرى التي مرت بها الاجناس الادبية والتي تشكل الرواية اوسعها من جهة، وامكان احتمالها لأجناس اخرى من جهة ثانية، صار ليس من السهل أن تكون الرواية هي بشكل اكيد متمكنة او تمتلك قدرة عن الافصاح بكل شيء، يخص موضوعتها من جهة منظور الروائي، ومن جهة مضمون المتن الروائي، بل اتيح لها  تمكنها من أن تستطيع بجدارة تامة ان تعطي من بعد تلقائي، وهذا ما كان متمثلا برواية ( عذراء سنجار) الامكان بتميز قدرتها على تقديم ما يمكن تسميته صورة كاملة أو اذا اقررنا بالاطار النسبي لا يمكن للرواية ان تكون حتى شبه كاملة في الاطار الانثربولوجي وهذا طبعا ما يجعل التداولية ان تتاثر حين تكون هناك فواصل وكما في السينما تشغلها الموسيقى فتكون معادلا , والتداولية ليست مرآة نطمح من خلالها فك تلك العقد التي احيانا الفن الروائي يزيد فيها كي يضاف الى عنصر المتعة عنصر التأمل او ربما يكاد الكاتب ان يشبع غريزته في زيادة العقد لانتظار الى ما تؤول اليه النتائج.