عجيب أمور غريب قضية

عبدالهادي كاظم الحميري

قبل‭ ‬أن‭ ‬يظفر‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬المستقيل‭ ‬بالتكليف‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬كانت‭ ‬المواصفات‭ ‬التي‭ ‬طلبت‭ ‬الجهات‭ ‬العراقية‭ ‬المختلفة‭ ‬توفرها‭ ‬في‭ ‬المكلف‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭: ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قويا‭ ‬وحازما‭ ‬وشجاعا‭ ‬ومستقلا‭ ‬وشابا‭ ‬وغير‭ ‬مجرب‭. ‬أي‭ ‬أن‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يتجاوز‭ ‬بمواصفاته‭ ‬الستة‭ ‬المواصفات‭ ‬الثلاثة‭ ‬لخبز‭ ‬باب‭ ‬الأغا‭ ‬الشهير‭ (‬حار‭ ‬ورخيص‭ ‬ومكسب‭).‬

استمرت‭ ‬الكتل‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬قبل‭ ‬الماضي‭ ‬حتى‭ ‬2‭ /‬10‭/ ‬2018‭ ‬أي‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬أشهر‭ ‬بدعوى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مكلف‭ ‬لرئاسة‭ ‬الوزراء‭ ‬كامل‭ ‬الأوصاف‭ ‬وبالنهاية‭ ‬ضربت‭ ‬معظم‭ ‬المواصفات‭ ‬والدستور‭ ‬عرض‭ ‬الحائط‭ ‬عندما‭ ‬عثرت‭ ‬على‭ ‬ضالتها‭.‬

كان‭ ‬من‭ ‬المفروض‭ ‬أن‭ ‬تذهب‭ ‬الكتل‭ ‬آنذاك‭ ‬وتكلف‭ ‬بدون‭ ‬لف‭ ‬ودوران‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يتمتعون‭ ‬بشيء‭ ‬ملموس‭ ‬من‭ ‬المواصفات‭ ‬أعلاه،‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬الذين‭ ‬خَبَرَتهم‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬توليف‭ ‬وتحشيد‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والمادية‭ ‬العراقية‭ ‬وتوظيف‭ ‬الامكانيات‭ ‬القتالية‭ ‬والمادية‭ ‬الدولية‭ ‬وزجها‭ ‬معا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬طرد‭ ‬داعش‭ ‬ووأد‭ ‬الطائفية‭ ‬وحفظ‭ ‬هيبة‭ ‬واستقلالية‭ ‬البلاد‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬قادة‭ ‬ميدانيين‭ ‬أحسنوا‭ ‬إدارة‭ ‬المعارك‭ ‬وتقدموا‭ ‬الصفوف‭ ‬وضربوا‭ ‬مثالا‭ ‬شهدت‭ ‬له‭ ‬الدنيا‭ ‬في‭ ‬الشجاعة‭ ‬والمروءة‭.‬

بعد‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬التكليف‭ ‬المذكور‭ ‬اندلعت‭ ‬ثورة‭ ‬الشباب‭ ‬تحت‭ ‬مطلبها‭ ‬الحق‭ ‬أين‭ ‬حقي‭ ‬وشعارها‭ ‬النبيل‭ ‬نريد‭ ‬وطن‭ ‬وتسببت‭ ‬في‭ ‬إقالة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قدمت‭ ‬المئات‭ ‬من‭ ‬الشهداء‭ ‬والآلاف‭ ‬المؤلفة‭ ‬من‭ ‬الجرحى‭ ‬والمعوقين‭.‬

ولكن‭ ‬للأسف‭ ‬الشديد‭ ‬أن‭ ‬ساحة‭ ‬الاعتصام‭ ‬وضعت‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬سبع‭ ‬مواصفات‭ ‬لرئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬المكلف‭ ‬وبإختصار‭: ‬1‭ ‬ـ‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مستقلا‭ ‬غير‭ ‬حزبي‭ ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬مزدوجي‭ ‬الجنسية‭ ‬2‭ ‬ـ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وزيرا‭ ‬سابقا‭ ‬أو‭ ‬برلمانيا‭ ‬أو‭ ‬محافظا‭ ‬3ـ‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬نزيها‭ ‬وشجاعا‭ ‬4ـ‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬شابا‭ ‬5‭ ‬ـ‭ ‬أن‭ ‬يتعهد‭ ‬بعدم‭ ‬الترشح‭ ‬للانتخابات‭ ‬القادمة6ـ‭ ‬أن‭ ‬يلتزم‭ ‬بتنفيذ‭ ‬مطالب‭ ‬الثوار‭ ‬7ـ‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قراره‭ ‬عراقيا‭ ‬مستقلا‭.‬

الخطأ‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬وقع‭ ‬فيه‭ ‬الثوار‭ ‬هو‭ ‬نفس‭ ‬ما‭ ‬وقع‭ ‬فيه‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬حيث‭ ‬وفروا‭ ‬مساحة‭ ‬واسعة‭ ‬للأخذ‭ ‬والرد‭ ‬وفرصة‭  ‬للكتل‭ ‬أن‭ ‬تنتظر‭ ‬الظروف‭ ‬المواتية‭ ‬لتنصيب‭ ‬من‭ ‬تريد‭  ‬،‭ ‬هذا‭ ‬بالإضافة‭ ‬الا‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الطلبات‭ ‬خالفت‭ ‬مستلزمات‭ ‬العمل‭ ‬الناجح‭ ‬مثل‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬المكلف‭ ‬قد‭ ‬كان‭ ‬وزيرا‭ ‬أو‭ ‬برلمانيا‭ ‬أو‭ ‬محافظا‭ ‬أو‭ ‬حزبيا‭ ‬سابقا‭ ‬المماثل‭ ‬للمجرب‭ ‬لا‭ ‬يجرب‭ ‬في‭ ‬التكليف‭ ‬الذي‭ ‬سبقه‭.‬

في‭ ‬الوظائف‭ ‬المهمة‭ ‬الإدارية‭ ‬والفنية‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬المتقدمة‭ ‬يشترط‭ ‬صاحب‭ ‬العمل‭ ‬خبرة‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬عشرة‭ ‬سنوات‭ ‬وحتى‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬سنة‭ ‬ويهتم‭ ‬بالخبرة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الشهادة‭ ‬وفي‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬الغربية‭ ‬الممارسة‭ ‬الحزبية‭ ‬والسيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬نضّجت‭ ‬السياسيين‭ ‬هناك‭ ‬وأنجحت‭ ‬تلك‭ ‬الديمقراطيات‭. ‬صحيح‭ ‬المجرب‭ ‬الفاشل‭ ‬لا‭ ‬يجرب‭ ‬وكذلك‭ ‬المجرب‭ ‬الفاسد‭ ‬والمجرب‭ ‬الجبان‭ ‬والخ‭.  ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬المجرب‭ ‬الناجح‭ ‬النزيه‭ ‬والشجاع‭ ‬هو‭ ‬عز‭ ‬الطلب‭.‬

وعلى‭ ‬أية‭ ‬حال‭ ‬جاء‭ ‬القدر‭ ‬بالجائحة‭ ‬كرونا‭ ‬لتغطي‭ ‬على‭ ‬أخبار‭ ‬الشباب‭ ‬وآمالهم‭ ‬في‭ ‬استرداد‭ ‬حقوقهم‭ ‬ومبتغاهم‭ ‬باستعادة‭ ‬الوطن‭ ‬وعاد‭ ‬الكلام‭ ‬بفضلها‭ ‬الى‭ ‬سابقه‭ ‬وكأن‭ ‬شيئا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭.‬

الغريب‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الكتل‭ ‬السياسية‭ ‬جندت‭ ‬طروحات‭ ‬الماضي‭ ‬وما‭ ‬يفيدها‭ ‬من‭ ‬مواصفات‭ ‬ساحات‭ ‬الاعتصام‭ ‬السبعة‭ ‬في‭ ‬رفضها‭ ‬العنيد‭ ‬للمكلف‭ ‬الجديد‭ ‬رغم‭ ‬كونه‭ ‬ابنها‭ ‬البار‭ ‬وأشجع‭ ‬وأوسم‭ ‬فرسانها‭.‬

والعجيب‭ ‬في‭ ‬القضية‭ ‬أن‭ ‬السبب‭ ‬يعود‭ ‬حسب‭ ‬أكثر‭ ‬المحللين‭ ‬لكونه‭ ‬قوي‭ ‬وشجاع‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬مصلحة‭ ‬الوضع‭ ‬القائم‭ ‬تقتضي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المكلف‭ ‬جبانا‭ ‬مترددا‭ ‬خانعا‭ ‬لأنهم‭ ‬لا‭ ‬يريدون‭ ‬أن‭ ‬يكسر‭ ‬أحدا‭ ‬كائنا‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬شرنقة‭ ‬الذل‭ ‬والهوان‭ ‬والبؤس‭ ‬والدجل‭ ‬التي‭ ‬نسجوها‭ ‬خلال‭ ‬سبعة‭ ‬عشر‭ ‬سنة‭ ‬وحبسوا‭ ‬فيها‭ ‬مسلة‭ ‬حمورابي‭ ‬وأسد‭ ‬بابل‭ .‬