عبد الهادي البابي لماذا أكتب عنك ؟ (2)
البابي أثناء مرافقتي له في الأماسي وغيرها يحاور دائماً ويتلكلم كثيراً ، فليس عند البابي شيء أسمه ( الفراغ) ..ولايحب الصمت كما أنه لايحب اللغو في سفاسف الحياة وأمور الدنيا ..هو يتحدث في أمور السياسة والأدب والفن والثقافة والتاريخ ، وأحياناً أنتفع من البابي بنصيحة أو توجيه منه على الكثير من مقالاتي التي أكتبها وأحب أن أعرف رأيه فيها ، فأجده حريصاً على التدقيق في كل عبارة وفي كل كلمة وفي كل حرف ترد في المقال ، وكان دائماً يشجعني ويحثني على المزيد من الأطلاع والممارسة وحسن التعبير وأستشارة الأصدقاء ، وكان المديح الذي يتحفني به الأستاذ البابي الأثر الفاعل الذي طالما شجعني ورفع من مستوى قلمي المتواضع في أرشاداته نحو الشكل الحقيقي والإتجاه الصائب للمقال ، كما أن لي معه حوارات هادفه قد وجدت أني قد أستفدت منها كثيراً خلال مرافقتي له ، وها أنا أشعر بهذا الفرق الكبير الذي حصل عندي على طريق الكتابة والتدوين والتوثيق والنشر .. وهناك شيء مهم يجب أن أتطرق إليه في ختام هذا الموضوع عن الأستاذ البابي وهو : قد يبدو للبعض من (المشتبهين والملتبسين) أن لدى البابي نوعاً من الغرورأو التعالي أو النرجسية أو حب الذات أو رغبة في الشهرة أو ماشابه ذلك ..أبداً ..أبداً ..
كل من تصور ذلك فقد ظلمه ظلماً فادحاً ..بل أن كل تلك التصورات عن البابي هي من نسج قلوب حاقدة وعيون حاسدة له ..فكل مايتحدث به البابي عن إنجازاته ونشاطاته وكتاباته ويفتخر بها أمام أصدقائه أو يذكرها على صفحات الفيسبوك ماهي إلى أحاديث يعبر فيها عن نتاجات وعطاءات ثقافية وفكرية وأدبية يرى البابي أن نشرها وأطلاع الآخرين عليها هو من صميم العمل الثقافي ..بل هو زكاة العلم الذي تعلمه والتجربة التي أختزنتها ذاكرته الوقادة ….
صحيح أن البابي يزعجه ويؤلمه من يدعّي الصحافة وهو ليس بصحفي ويؤلمه من يدعي الثقافة والأدب وهو لايمتلك سوى ترهات خّطها في زمن غفلة من الطبع والتدوين والتدقيق والمتابعة والملاحظة .. وصحيح هو يزدري ويهزأ بكل من أدعى المفهومية وبلغ شوطها الأخير ، ولكنه لايدعي بأنه أفضل من غيره وأحسن من غيره ولم أسمع ذلك منه بتاتاً .. وحتى في أحدى الأماسي الخاصة بالشعر قال لي : أنا لاأتداخل في قضية الشعر لأني لم أكتب ديواناً شعرياً وحتى لايقال أن هذا متطفلاً على غير أختصاصه ..رغم أني أدرك بأن البابي يمتلك من الذائقة الشعرية والمشاعروالأحاسيس الخاصة والتعبير الراقي ويمتلك من أدوات الأبداع الشعري والنقد الأدبي مايفوق الكثير مما سمعناه من شعر وقراءات شعرية ونقدية ماهي إلاّ هراءات وغثيانات صدعوا بها رؤوسنا وسموها شعراً وأدباً ولكننا فقط نسمع أسماءاً وألقاباً لاتغني ولاتسمن من جوع …!!
وأخيراً أنقل ماكتبه الأديب الكبير وشيخ الصحفيين العراقيين الأستاذ ناظم السعود عن عبدالهادي البابي خلال الحوار الذي أجراه معه (حول كتابه عالم الجن) والمنشورعلى موقع شبكة الإعلام العراقي عام 2007..
لا تعود معرفتي بالكاتب والأديب والصحفي عبد الهادي البابي إلاّ لبضع سنوات أجدها كافية لأن أتعرف عليه ملياً وألم أطرافاً من إنشغالاته ومعاناته ، وقد لفت أنتباهي أن البابي برغم المصاعب الظالمة والظروف الصعبة التي تحاصره إجتماعياً وإقتصادياً إلاّ أنه يجيش بأفكار ومشاريع كثيرة تنوء بتعددية تقرب من التشظي ، إلا أنها جميعا تشي بثراء فكري يثير الأنتباه ، فمن البحث الفكري إلى الدراسة التاريخية ثم المقالة الصحفية والمراجعة الإجتماعية والظواهر القرآنية وسوى ذلك من مظّان كتابية وبحثية قد يظنها القرّاء أنها متفرقة أو متنافرة ولكنني أحسبها متجانسة ، لأنها بازغة من منبع ذاتي واحد ، ولكنه شديد الخصوبة والتوالد والجهر بالمسكوت عنه ودفعه الى فضيلة العلن….!!
وما هي إلا أيام حتى ألتقيت عبد الهادي البابي فوجدته شاباً مكتظاً بحيوية لا تخطئها العين ، ويمتلك سرعة بديهة وثقافة تكاد تحيط بمعارف عديدة ، وبعضها مما يدخل في التخصص الدقيق ، لكنني أصارحكم حدست أن هناك ما يمور خلف هذا الوجه السموح بل شعرت أن خواصّه الظاهرة تخفي أكثر مما تصرح ، غير أن كل هذا توضح بشكل جلي ما أن وصلتني سيرته الذاتية حيث وجدتني إزاء حياتين متلازمتين للبابي :
حياة الفتوة والإلتحام بمدارات الجهاد ومواجهة الطغيان والأستبداد أيام الدكتاتورية ، وأخرى كانت خالصة لوجه الصحافة والأدب والعلم والمعرفة والثقافة ، واللافت أن البابي مزج بين هذه الثنائية في أيقونة واحدة تكمل إحداها الأخرى برغم الفصل الظاهري ، لقد عرف طريق الإعتقالات والسجون مبكراً ، وتوزعت سنون حياته بين ساحات التعذيب والحروب ، وتلقى أحكاماً بالإعدام نفذ منها بمكارم إلهية ، وشارك في حركات وإلتهابات جماهيرية كادت تكلفه حياته مرة أثر أخرى ، ولكنه فلت منها بما يشبه الأعجوبة ، واليوم إذ ألتقي البابي أراه كأنه خارج من ساحة للقيامات والمحن ، ولكن عزيمته تمّده بتواصل مدهش وهو يزداد عطاءاً وحضوراً على الرغم من جروحه النفسية الغائرة ، ورغم ظروفه المعيشية الصعبة لكون تضحياته لم تقابل بما تستحقه ولهذا أجريت حواري معه الذي يعكس جانباً من سيرته الثقافية والحياتية أما الجوانب الأخرى ففضلت أن تكون موضعاً لحوار قادم إن شاء الله تعالى..
خالد مهدي الشمري – بغداد


















