عبد المهدي يتوعد

رافد جبوري

تعددت‭ ‬خطابات‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬العراقي‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬الانتفاضة‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬الى‭ ‬ثورة‭ ‬حقيقية‭ ‬تطالب‭ ‬بتغيير‭ ‬اسس‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬لكن‭ ‬خطابه‭ ‬الاخير‭ ‬يوم‭ ‬الاربعاء‭ ‬السابع‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭ ‬جاء‭ ‬متوعدا‭ ‬للمتظاهرين‭ ‬مفرقا‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬سلمي‭ ‬منهم‭ ‬وغير‭ ‬سلمي‭ ‬قائلا‭ ‬بانه‭ ‬مصمم‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬غير‭ ‬السلميين‭ ‬منهم‭. ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬حاولت‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬بكل‭ ‬اذرعها‭ ‬وبكل‭ ‬الطرق‭ ‬ومنذ‭ ‬اليوم‭ ‬الاول‭ ‬للتظاهرات‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬تنطلق‭ ‬قبل‭ ‬شهرين‭ ‬وصم‭ ‬التظاهرات‭ ‬بغير‭ ‬السلمية‭. ‬اما‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬التظاهرات‭ ‬في‭ ‬غالبيتها‭ ‬العظمى‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬تظاهرات‭ ‬سلمية‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬متظاهرون‭ ‬عزل‭ ‬واجهوا‭ ‬الرصاص‭ ‬الحي‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬اساليب‭ ‬القمع‭ ‬الوحشي‭ ‬بشجاعة‭ ‬ودفعوا‭ ‬ثمن‭ ‬ذلك‭ ‬المئات‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭ ‬والالاف‭ ‬من‭ ‬الجرحى‭ ‬وهو‭ ‬امر‭ ‬ثبتته‭ ‬المنظمات‭ ‬ووسائل‭ ‬الاعلام‭ ‬الدولية‭. ‬لكن‭ ‬انتفاضة‭ ‬تشرين‭ , ‬ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬نهايته‭, ‬تواجه‭ ‬منعطفا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬صراعها‭ ‬مع‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬كل‭ ‬شئ‭ ‬وارد‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يأتي‭ ‬خطاب‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬اكثر‭ ‬ثقة‭ ‬بنفسه‭ ‬من‭ ‬الايام‭ ‬الاولى‭ ‬للانتفاضة‭ ‬وهاهو‭ ‬يضع‭ ‬وصفه‭ ‬للانتفاضة‭ ‬بانها‭ ‬فتنة‭ ‬يجب‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بحزم‭ ‬وحسم‭. ‬

اذا‭ ‬كانت‭ ‬فكرة‭ ‬شيطنة‭ ‬التظاهرات‭ ‬ووصمها‭ ‬بغير‭ ‬السلمية‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬وقبل‭ ‬البداية‭ ‬قد‭ ‬فشلت‭ ‬فان‭ ‬وصم‭ ‬غير‭ ‬السلمية‭ ‬لن‭ ‬يختفي‭ ‬بسرعة‭. ‬فمحاولات‭ ‬حرف‭ ‬المسار‭ ‬السلمي‭ ‬للتظاهرات‭ ‬مستمرة‭ ‬كما‭ ‬ان‭ ‬استمرار‭ ‬القمع‭ ‬الوحشي‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬ايضا‭ ‬الى‭ ‬لجوء‭ ‬المتظاهرين‭ ‬الى‭ ‬اساليب‭ ‬غير‭ ‬سلمية‭ ‬في‭ ‬الرد‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬ينتشر‭ ‬فيه‭ ‬السلاح‭ ‬بكثرة‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭. ‬الغالبية‭ ‬الساحقة‭ ‬من‭ ‬اعمال‭ ‬العنف‭ ‬التي‭ ‬اتهم‭ ‬بها‭ ‬المتظاهرون‭ ‬حتى‭ ‬الان‭ ‬توجهت‭ ‬نحو‭ ‬البنايات‭ ‬والمقرات‭ ‬الحزبية‭ ‬التي‭ ‬يري‭ ‬فيها‭ ‬المتظاهرون‭ ‬رموزا‭ ‬قائمة‭ ‬للفساد‭ ‬فيما‭ ‬تجنبوا‭ ‬بصورة‭ ‬عامة‭ ‬ان‭ ‬يقتلوا‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬عدا‭ ‬حوادث‭ ‬منفصلة‭ ‬كانت‭ ‬لها‭ ‬اسبابها‭ ‬وظروفها‭ ‬المعروفة‭. ‬فكرة‭ ‬حرف‭ ‬التظاهرات‭ ‬عن‭ ‬سلميتها‭ ‬ستبقى‭ ‬اسلوبا‭ ‬مهما‭ ‬يتبع‭ ‬ضد‭ ‬التظاهرات‭ ‬وهو‭ ‬اسلوب‭ ‬اتبع‭ ‬في‭ ‬اماكن‭ ‬اخرى‭ ‬وخصوصا‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬تبرير‭ ‬القمع‭ ‬الوحشي‭ ‬للتظاهرات‭ ‬وللمعارضين‭. ‬اما‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬فتوصف‭ ‬الانتفاضة‭ ‬الان‭ ‬بالفتنة‭ ‬وهو‭ ‬وصف‭ ‬يتم‭ ‬استدعاؤه‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬الاسلامي‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬شيطنة‭ ‬المتظاهرين‭ ‬و‭ ‬تبرير‭ ‬الاستمرار‭ ‬بقمعهم‭ ‬او‭ ‬تصعيد‭ ‬ذلك‭ ‬القمع‭ ‬مع‭ ‬تأكيد‭ ‬لسلطة‭ ‬الحكومة‭ ‬على‭ ‬انها‭ ‬هي‭ ‬الدولة‭ ‬وعندها‭ ‬الميزان‭ ‬والامان‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الفتن‭. ‬كما‭ ‬وتزامن‭ ‬خطاب‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬مع‭ ‬حديث‭ ‬للمرشد‭ ‬الاعلى‭ ‬الايراني‭ ‬علي‭ ‬خامنئي‭ ‬عن‭ ‬تمكن‭ ‬بلاده‭ ‬من‭ ‬الانتصار‭ ‬على‭ ‬مؤامرة‭ ‬وصفها‭ ‬بالخطيرة‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬تظاهرات‭ ‬ايران‭ ‬لكن‭ ‬طهران‭ ‬طبعا‭ ‬تنظر‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬ضدها‭ ‬وضد‭ ‬حلفائها‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ولبنان‭ ‬على‭ ‬انه‭ ‬مؤامرة‭ ‬كبيرة‭ ‬واحدة‭ ‬مصدرها‭ ‬اميركا‭ ‬واسرائيل‭. ‬

خطاب‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬يأتي‭ ‬ايضا‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬فكرة‭ ‬الاسبوعين‭ ‬التي‭ ‬وضعتها‭ ‬الامم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬المبادرة‭ ‬التي‭ ‬اعلنتها‭ ‬وايدتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والمرجع‭ ‬الشيعي‭ ‬السيد‭ ‬علي‭ ‬السيستاني‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬ينفذ‭ ‬منها‭ ‬شئ‭ ‬حتى‭ ‬الان‭. ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬افكار‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬المبادرة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ابدا‭ ‬خارطة‭ ‬طريق‭ ‬بل‭ ‬اعلان‭ ‬مبادئ‭ ‬عام‭ ‬نسبيا‭ ‬لكن‭ ‬اهم‭ ‬ما‭ ‬تضمنته‭ ‬كانت‭ ‬المطالب‭ ‬الثلاثة‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬اجراءات‭ ‬حقيقية‭ ‬فعلية‭ ‬مقنعة‭ ‬خلال‭ ‬اسبوعين‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬اصلاح‭ ‬انتخابي‭ ‬اعلان‭ ‬خطة‭ ‬انتخابات‭ ‬مبكرة‭ ‬وحل‭ ‬الميليشيات‭ ‬و‭ ‬ضرب‭ ‬الفساد‭.  ‬مر‭ ‬الاسبوعان‭ ‬الان‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬تحقيق‭ ‬اي‭ ‬تقدم‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬المتظاهرون‭ ‬يسيطرون‭ ‬على‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‭ ‬والمناطق‭ ‬المجاورة‭ ‬لها‭ ‬وسط‭ ‬بغداد‭ ‬لكنهم‭ ‬يواجهون‭ ‬قمعا‭ ‬مستمرا‭ ‬اذ‭ ‬قتل‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬متظاهر‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬كتابة‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭. ‬اما‭ ‬في‭ ‬المحافظات‭ ‬الجنوبية‭ ‬فقد‭ ‬صعدت‭ ‬السلطات‭ ‬من‭ ‬اجراءاتها‭ ‬القمعية‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬كربلاء‭ ‬والبصرة‭ ‬والناصرية‭ ‬اذ‭ ‬يستمر‭ ‬قتل‭ ‬المتظاهرين‭ ‬وجرحهم‭. ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬مطالب‭ ‬المتظاهرين‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬قوتها‭ ‬واصرارها‭ ‬على‭ ‬احداث‭ ‬تغيير‭ ‬حقيقي‭. ‬لكن‭ ‬الصراع‭ ‬مستمر‭ ‬ونزيف‭ ‬الدم‭ ‬مستمر‭ ‬وهو‭ ‬مرشح‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬الاستمرار‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬اقدام‭ ‬السلطات‭ ‬على‭ ‬اي‭ ‬من‭ ‬مطالب‭ ‬التغيير‭ ‬الفعلي‭ ‬والاصلاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬ومع‭ ‬تصعيدها‭ ‬لخطاب‭ ‬تقسيم‭ ‬المتظاهرين‭ ‬الى‭ ‬سلميين‭ ‬وغير‭ ‬سلميين‭ ‬والاستمرار‭ ‬في‭ ‬القمع‭. ‬