صوت الوطن يعلو ولا يعلى عليه 

صوت الوطن يعلو ولا يعلى عليه

مشتاق الربيعي

يمرّ العراق بمرحلة دقيقة وحسّاسة من تاريخه السياسي، تتطلب مراجعة جادّة وشاملة لمسار العملية السياسية، بعد أن أثبتت السنوات الماضية أن الخلل البنيوي في هذا المسار كان سببًا رئيسيًا في تعميق الأزمات، وتعطيل بناء الدولة، وإضعاف ثقة المواطن بالنظام السياسي ومؤسساته. إن استمرار هذا الواقع دون تصحيح حقيقي لم يعد مقبولًا، لأن كلفته باتت تُهدد حاضر الوطن ومستقبله معًا.ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى تصحيح مسار العملية السياسية في العراق، والانطلاق من الأسس الدستورية التي تمثل الإرادة الشعبية والمرجعية القانونية العليا. فالحفاظ على الاستحقاق الانتخابي واحترام نتائجه يُعدّ حجر الأساس لأي نظام ديمقراطي سليم، كما أن الالتزام بما نصّ عليه الدستور هو الفيصل في إدارة الخلافات وتنظيم شؤون الدولة، بعيدًا عن الاجتهادات والمصالح الضيقة التي أفرغت العملية السياسية من مضمونها الحقيقي.وفي هذا الإطار، لا بد من إنهاء دور ما يُسمّى بدولة المكوّنات، كما ذكرنا سلفًا، لأنها لم تُسهم في بناء دولة مستقرة، بل كانت سببًا مباشرًا في تعميق الانقسام المجتمعي، وتهديد السلم الأهلي، وتمزيق اللحمة الوطنية. لقد حوّلت هذه الصيغة الانتماء من الوطن إلى الهويات الفرعية، وأضعفت الشعور بالمواطنة، وفتحت الباب أمام الإقصاء والتهميش والصراعات التي أنهكت المجتمع والدولة على حد سواءإن دولة المكوّنات لا تنتج شراكة حقيقية، بل تُكرّس المحاصصة وتقاسم النفوذ، وتُقوّض مبدأ العدالة والمساواة، وتُضعف مؤسسات الدولة لصالح الولاءات الضيقة. واستمرار العمل بهذا النهج يشكّل خطرًا حقيقيًا على وحدة العراق ونسيجه الاجتماعي، لأنه يُغذّي الانقسام ويُهدد التعايش السلمي بين أبناء الوطن الواحد.وعليه، فإن البديل الحقيقي يتمثّل في ترسيخ دولة المواطنة، الدولة التي تقوم على سيادة القانون، واستقلال المؤسسات، وتكافؤ الفرص، وتساوي جميع المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز. دولة تُدار بالكفاءة والنزاهة، لا بالمحاصصة والانتماءات، وتحمي السلم المجتمعي بوصفه ركيزة أساسية للاستقرار والتنمية.إن تصحيح المسار السياسي ليس خيارًا مؤجّلًا، بل ضرورة وطنية تفرضها التحديات الراهنة، ويتطلب إرادة سياسية صادقة، وشجاعة في اتخاذ القرار، وتغليب مصلحة العراق على كل المصالح الأخرى. فالأوطان لا تُبنى بالمجاملات ولا تُحمى بالتسويات الهشّة، بل تُصان بوحدة أبنائها، واحترام الدستور، والإيمان بأن صوت الوطن يجب أن يعلو ولا يعلو عليه صوت.